مقالات رئيس التحرير



فلسطين على مرمى حجر

27-9-2025 | 21:39
جمال الكشكي

كثيرا ما كان يقول الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات: إن الدولة الفلسطينية على مرمى حجر. تذكرت الآن مقولة الزعيم، وسط تسونامى الاعترافات بدولة فلسطين، لعل ياسر عرفات يرقد الآن فى دار العودة مرتاح البال.
 
فى الثانى والعشرين من سبتمبر 2025، استيقظ الضمير العالمى، ليسجل تاريخا جديدا، قد يكون بداية اعتدال الميزان فى النظام الدولى، باعترافه بدولة فلسطينية رسمية، فى وقت كان يظن فيه المتطرفون بإسرائيل، أن مشروع "إسرائيل الكبرى على مرمى حجر".
 
الشاهد، أن ياسر عرفات سار فى طريق الحرب والنضال، وصولا إلى السلام، وأضاف اسمه إلى سجلات الخالدين من الذين حرروا، أو أسهموا فى تحرير بلادهم، لكنه استشهد قبل أن يرى فلسطين، التى هى على مرمى حجر.
الآن، تنتفض أوروبا، خصوصا فرنسا، تحت رئاسة إيمانويل ماكرون، الذى صدق وآمن بالسردية المصرية التى لم تتغير على مدى قرن مضى، وتمتعت بصبر إستراتيجى لا ينفد، واستطاعت أن تنسج خيوط السردية بالحرب والسلام، واختبرت قوتها على المسرح الدولى، وسط عواصف وأعاصير لا تتوقف.
إن ما شهده العالم فى الاجتماع الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى هامش انعقاد مؤتمر تسوية حل الدولتين، برئاسة المملكة العربية السعودية، والجمهورية الفرنسية، إنما يؤكد الصحوة الكبرى فى الرأى العام العالمى، والحق أن أوروبا الشعبية ضغطت من أجل منع ارتكاب مزيد من الإبادات والجرائم الوحشية التى تخضع لعقاب القانون الدولى.
هذا ليس السبب الوحيد، لكن هناك أسبابا أعمق لدى أوروبا، فهذه القارة العجوز، رأت أن مصالحها الإستراتيجية، تتهشم على المدى البعيد إذا استمرت فى دعم إسرائيل بالمال والسلاح والدبلوماسية، وأنها تخسر المنطقة العربية الحيوية فى العالم، لذا قررت تغيير المسارات، لتلتحق بعصر جديد تكون فيه قوة بعد أن وجدت نفسها فى ذيل القوى العالمية، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، والصين وروسيا، وأنها خرجت من مناطق نفوذها القديم، نتيجة انحيازها، ودعمها المتواصل لإسرائيل.
هذا ما اعترف به الرئيس ماكرون نفسه، الذى قال فى خطابه، إننا ندعم  إسرائيل وضرب مثالا بالحرب الأخيرة مع إيران، لكنه قال: يجب أن تكون هناك دولة فلسطينية، وقدم اعترافه على منبر الأمم المتحدة أمام العالم أجمع.
لا شك أن الصمود العربى هو الذى أوصل الرسالة إلى القوى الحية فى العالم، وجعلها تتخذ قرارا نادرا، وغير مسبوق، فعلى سبيل المثال، صكت بريطانيا وعدا بفلسطين، وهى التى صكت عام 1917 وعد بلفور، بإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين.
 
التاريخ ماكر.. بريطانيا أدركت خطورة اللحظة، وغدر الجغرافيا، لندن محور السياسة العالمية، تضبط مؤشر استقرار على نظام عالمى قادم لا محالة. لا أحد يمكن أن يحتمل كل هذه الإبادات والكوارث والجنون الذى تمارسه حكومة بنيامين نتنياهو. حقا يقود الإقليم والعالم إلى نفق يصعب الخروج منه، مصالح بريطانيا تعكس استقرار المؤشر الأوروبى.
 
الصورة هنا تنطلق من مسارين، أحدهما رسمى والآخر شعبى، إذن الدائرة تكتمل، لا يمكن أن تعود عقارب الساعة الفلسطينية إلى الوراء، مستقبل إسرائيل مرهون بوجود دولة فلسطينية، على تل أبيب وحلفائها مراجعة أخطار المستقبل، فليس معقولا أن تقود المصالح الشخصية لنتنياهو، تقود إلى هدم المعبد مهما تكن التكلفة، وليس بمعقول أيضا أن فرنسا، التى كانت تتمتع بنفوذ هائل فى إفريقيا، والبحر المتوسط، والمحيط الهادئ، والباسفيك، أن تجد نفسها محاصرة فى جغرافيتها الوطنية.
ففى العامين الأخيرين تم الاعتداء على مناطق نفوذها فى إفريقيا ولبنان، وفى ملف الغواصات النووية الأسترالية، وكان ذلك بدعم كامل من واشنطن، وضغوط من اللوبى الإسرائيلى هناك، لذا أرادت أن تستعيد باعترافها التاريخى بفلسطين موقف شارل ديجول المستقل فى السياسة الفرنسية المعتدة بالذات، وكذلك فإن بريطانيا -صاحبة دول الكومنولوث والتى تتشكل من 56 دولة عالمية- تريد أن تكون لديها بصمة فى النظام العالمى القادم.
 
اللحظة فلسطينية بامتياز، أتفق مع ما جاء فى صلب البيان التاريخى لمؤتمر حل الدولتين فى نيويورك، الذى تضمن ضرورة أن تكون فلسطين واحدة، وقيادة واحدة وسلاحا وقرارا واحدا.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام