وجوه عبر الزمن



جمعة المهدى الفزانى.. فى مرآة الذاكرة (1)

27-9-2025 | 22:21
إلهامى المليجى

فى سجلّ الذاكرة العربية، ثمة وجوه لم تكتفِ بالمرور العابر فى دهاليز السلطة أو أروقة الثقافة، بل صارت شاهدة على تحولات كبرى عاشتها أمتها، وفاعلة فيها بوعى وصدق، من بين هؤلاء يبرز اسم السفير والوزير الليبى الراحل جمعة المهدى الفزانى، الذى جمع بين شغف المؤرخ ودأب الدبلوماسى ونَفَس المثقف القومى.
 
ولد الفزانى فى مدينة مصراتة عام 1942، ونشأ فى بيئة مشبعة بالوعى الوطنى، وحين تخرّج فى كلية الآداب بجامعة بنغازى عام 1965، كان يدرك أن التاريخ ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل ساحة للجدل والاشتباك مع الحاضر، وما إن بدأ مشواره فى التدريس بسبها، حتى دفع ثمن انحيازه القومى باعتقاله فى العهد الملكى عام 1967، ليبقى خلف القضبان إلى أن فتحت ثورة الفاتح أبواب السجون، فخرج منها ليتقدم الصفوف فى الإعلام والثقافة والسياسة.
لم يكن مجرد موظف فى مؤسسات الدولة الليبية الجديدة، بل كان جزءًا من عقلها الثقافى والفكرى، شغل مواقع مؤثرة: من رئاسة تحرير مجلتى الشورى والثقافة العربية، إلى إدارة المؤسسة العامة للصحافة، ومن قيادة العمل الوحدوى فى اتحاد المغرب العربى والتكامل مع السودان، إلى تمثيل ليبيا فى تونس والخرطوم والقاهرة ودمشق، وفى كل تلك المواقع، ظل المثقف الذى يرى فى الدبلوماسية امتدادًا للفكر، وفى الفكر سندًا للسياسة.
كرّمه الداخل والخارج، فحمل أوسمة ودرجات فخرية، لكنه ظل أوفى لأصوله الأولى: كتابة المقالة، إعداد البرامج الإذاعية، المشاركة فى المؤتمرات والندوات، والاقتراب من الناس بعقل المثقف، ولسان الدبلوماسى، وحتى رحيله فى ديسمبر 2007، ظل اسم جمعة الفزانى حاضرًا فى الذاكرة الثقافية الليبية والعربية، بصفته نموذجًا للمثقف الذى لم تنكسر صلته بالسياسة، ولا انقطعت جذوره عن الثقافة.
أما بالنسبة لى، فقد تعددت المشاهد التى جمعتنى به، خصوصا عندما عمل سفيرًا للجماهيرية الليبية فى القاهرة، بين عامى 1999 و2002، حيث كان تواصلنا شبه يومى، واستمر هذا الخيط الإنسانى والفكرى، حتى بعد مغادرته مصر إلى دمشق، بل وامتد إلى أيام علاجه فى الأردن وألمانيا، لقاءات لم تكن عابرة، بل محطات مضيئة تكشف عن جوهر رجل ظل وفيًا لأمته، وقضاياه حتى اللحظة الأخيرة.
ولأن هذه اللقاءات كانت ثرية وعميقة، فسوف أحاول أن أسرد بعضًا من مشاهدها على أكثر من حلقة، لتبقى شهادة على رجلٍ جمع بين الدبلوماسية والثقافة، وترك فى الذاكرة أثرًا لا يُمحى.
 
المشهد الأول: مفاجأة على أطراف طرابلس
كانت تسعينيات القرن الماضى زمنًا مثقلًا بالتحولات، ومع ذلك ظلّت طرابلس مدينة تفيض بالحيوية، تحتضن ندوات فكرية وسياسية فى قاعة الشعب بحى الأندلس. هناك، حضرتُ ضمن وفد حزب مصر الفتاة برفقة الراحلين على الدين صالح، رئيس الحزب، ومحمود المليجى، أمينه العام، جلسنا نستمع بتركيز إلى النقاشات الحامية، لكن ارتباطًا عاجلًا أجبرنا على مغادرة القاعة قبل اكتمال أعمالها.
خرجنا إلى الشارع المحاذى للقاعة، حيث يخفت الضجيج ويعلو صمت الأطراف. وقفنا ننتظر سيارة أجرة تقلنا إلى الفندق، لكن الانتظار طال، والليل أخذ يزحف ببطء. فجأة توقفت أمامنا سيارة، وفتح قائدها النافذة ليسأل عن وجهتنا، وحين لمس ترددنا، أصرّ بإلحاح أن يوصلنا بنفسه.
لم نكن نعلم أن ذلك الرجل هو الوزير جمعة الفزانى، أمين اللجنة الشعبية العامة للوحدة آنذاك، ما إن استقللنا السيارة حتى بادرنا بالحديث، موضحًا أن ما دفعه للتوقف أمران: أن اثنين من مرافقيه كانا فى سن متقدمة، وأن المكان فى أطراف المدينة لا تتوافر فيه سيارات أجرة بسهولة، وحين أدرك من لهجتنا أننا مصريون، أشرق وجهه واندفع فى حديث طويل عن مصر، وعن محبته العميقة لها.
فى الطريق، اكتشفنا جانبًا آخر من شخصيته: المؤرخ المتابع بدقة للحياة السياسية المصرية، قبل وبعد ثورة يوليو. وحين عرف أن من يرافقه قادة حزب مصر الفتاة، انفتح على حديث شائق عن الحزب وتاريخه، كاشفًا عن معرفته بتفاصيل صغيرة، لا يتقنها إلا دارس للتاريخ مرتبط وجدانيًا بمصر ودورها المحورى فى الأمة.
وصلنا الفندق، فودّعنا بحرارة، ووعد أن يزورنا إذا سمحت ظروفه، لكن رحيلنا فى اليوم التالى حال دون ذلك، بقى المشهد محفورًا فى الذاكرة: وزير يجلس خلف مقود سيارته، يقف على قارعة الطريق ليقل ثلاثة غرباء، لا لشىء سوى لأنهم مصريون، ولأنه يرى فى خدمة الناس امتدادًا لرسالة رجل الدولة المثقف.
 
من طرابلس إلى القاهرة.. بداية الفصول المقبلة
ذلك اللقاء العابر على أطراف طرابلس لم يكن مجرد مصادفة، بل لحظة تأسيس لعلاقة إنسانية وفكرية ما زالت ملامحها حاضرة فى الذاكرة، منذ تلك اللحظة بدا جمعة الفزانى مختلفًا: لم يكن دبلوماسيًا تقليديًا، بل مثقف موسوعى، عروبى نقى، وصديق يفتح أمامك قلبه قبل أن يفتح ملفات السياسة.
وإذا كان المشهد الأول قد أضاء جانبًا من إنسانيته وعفويته، فإن ما سيأتى سيكشف عن ملامح أعمق: كيف استقبلنا مفاجأة تعيينه سفيرًا للجماهيرية الليبية فى القاهرة – أو كما كان يُسمّى آنذاك «أمين مكتب متابعة العلاقات العربى - الليبى» – وكيف تحولت هذه الخطوة إلى محطة جديدة فى صداقتنا.
ولم تكن لقاءاتنا تقتصر على الشأن السياسى وحده، فقد صار يوم الجمعة موعدًا ثابتًا نطوف فيه مكتبات القاهرة نبحث عن الجديد، ثم نلخص الكتب ونرسل نسخًا منها، ولم يكن شغفنا بالكتب يقتصر على الجديد فقط، بل شدّنا دومًا عالم الكتب القديمة، فكنّا نتفقد سور الأزبكية الذى انتقل لاحقًا إلى العتبة، ونمضى إلى شارع السد فى حى السيدة زينب، حيث لأماكن بيع الكتب القديمة حكايات مثيرة وطريفة توازى قيمة ما تحمله من كنوز معرفية.
ثم جاءت تجارب مشتركة أخرى: من إقامة ندوة عن «المثلث الذهبى»، إلى العمل على إحياء نتائج اللقاء الثلاثى، الذى تم بين الرؤساء جمال عبد الناصر ومعمر القذافى وجعفر النميرى فى يوليو 1970، وصولًا إلى تأسيس منتدى المثلث الذهبى، وجمعية رجال الأعمال المصرية - الليبية.
الخاتمة كلها محطات صنعت مشاهد تستحق أن تُروى، وتكشف كيف امتزجت السياسة بالثقافة والدبلوماسية بالصداقة
فى سيرة رجلٍ ترك فى الذاكرة العربية أثرًا 
لا يُمحى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام