مقالات



زمن الشتات (1)

27-9-2025 | 22:29
د. إيمان طاهر

ما من مأزق يمكن أن يكون أكثر حدة، من لحظتنا الزمنية الحاضرة، فالإنسانية كلها بأى مكان كان، تمر بلحظات اختيار عسيرة مربكة، وأخرى ينعدم فيها اليقين المطلق بأى قيم أو مصير قادم.
لا يكاد الإنسان يتعافى من صدمة المفاجأة، ليمسك بناصية الأحداث المؤلمة المتتالية، ليجد نفسه محصورًا بين عالمين، عالم تركه خلفه بكل نجاحاته و مآسيه وآخر أبوابه موصدة. 
لم يعد للإنسان الآن مكان، قد يمنحه ولو بعضا من الأمل، فتحول إلى مشرد يعتريه القلق، الذى بدوره يذهب كل ما لديه من قدرة على التوجه أو التصرف بشكل يرضى ضميره، ويمنحه الهدوء النفسى والطمأنينة.
هذا المزاج العام المزعزع لغالبية البشر الآن، بين هوة الماضى والحاضر الذى لا يطاق، ومحاولات تهيئة النفس لاستحضار خبراتها لمواجهة المستقبل برغم عدم وضوح الرؤية لهذا المستقبل أو تحديده، ما هو إلا طريق آخر عسير، يشق بمحاولات الفصل المأساوية ما بين الماضى والحاضر فى لحظات متطابقة، فى تعاقب مطرد.
هذه الأزمات أو المعضلة الإنسانية الذاتية من عدم التوافق، ولدت مجالا إنسانيا جديدا، وواقعا، يمكن أن نطلق عليه الاغتراب داخل الأوطان،والمجتمعات الواحدة.
فمشكلة المجتمعات الآن، كنتيجة حتمية لآثار العولمة السلبية والرأسمالية، وما خلفته من اختلافات جوهرية سواء على المستويات السياسية أوالثقافية، وغيرها، أحدث عدم توافق إثينى، يوحد ما بين أفراد المجتمع الواحد، أو حتى على المستوى الأسرى، ففشلت الثقافات القديمة فى اختبار التوافق الزمنى مع التغييرات، وشاع عدم الترابط فى العلاقات إلا فى إطار المصلحة.
ووسط كل هذا الهجين من المدخلات الثقافية والسلوكية والنقص الأخلاقى وتلاشى قوة الضمير، لا يمكن أيضا أن نشخص هذا النقص لكل ماسبق على أنه “حنين” ليس لأنه خطأ فى الإيحاء المرضى الذى يحمله فحسب، بل فى خطأ هذا التشخيص فى فهم الطبيعة البشريه مع الأخذ فى الحسبان كيفية ارتباط الإنسان بأسرته ومجتمعه ووطنه، لأنها جماعته الأصلية التى تقدم له الدعم والتفهم والتعاون، فإذا ما وجد نفسه وحيدا من دون ظهير يلوذ به أمام مواجهات لعالم جديد قاس باحتمالات مفتوحة، ولا يتوافر فيها أى قيود أخلاقية سيجد نفسه أسيرا لاندفاعه فى تيار يعدون فيه الماضى جزءا لا يتجزأ من الحاضر، هنا تحدث حالة الالتباس وعدم الفهم وعندئذ يقع الإنسان فى شراك المعضلة الزمنية الآنية، ويصبح غريبا لأنه عليه أن يتعلم التعايش بارتباطه المزدوج، ليبرز فى مشهد زمنه الحاضر فيعيد تقويم مبادئ وتقاليد أومميزات إنسانية فطرية صالحة، ويقوم بإخمادها أو إسكات ضميره ليستطيع الدخول إلى عالم الصراعات وضروب التقارب فى عالمنا المعاصر.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام