سوق ومال



ثورة علمية تحاصرها رياح الحرب التجارية.. صراع الأدوية

27-9-2025 | 22:33
جلال الشافعى

النزيف الصامت فى شرايين الصحة العالمية
 
التوترات تدخل أخطر مراحلها.. وصداها يضرب قلب حياة البشر
 
الابتكار يولد فى المختبرات بطموحات كبرى.. لكنه يتحطم فوق أسوار الجمارك
 
المنافسة تتحول لصراع مفتوح بين واشنطن وبكين.. والدواء يحدد ملامح القوة القادمة
 
اختبار قاس يكشف صلابة الجدار العربى.. ومصر والسعودية والإمارات تتحرك بثقل إستراتيجى
 
أمريكا تتحرك للتوطين بعد 215 مليار دولار واردات فى 2024.. والصين ترد بتعريفات على أدوية السرطان والسكرى
 
لم يعرف التاريخ لحظة أكثر غرابة وتناقضًا من تلك التى نعيشها اليوم، فالبشرية تقف على أعتاب ثورة علمية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعى، ومع ذلك يظل الطريق إلى الدواء محفوفًا بعقبات لم تعد علمية بقدر ما هى سياسية واقتصادية، بعدما غادرت التحديات حدود المختبرات، لتستقر فى دهاليز السياسات الجمركية وأسواق المال، وهنا يتحول الدواء من إنجاز إنسانى إلى ورقة مساومة فى صراعات تجارية عابرة للقارات، فكل زيادة فى الرسوم الجمركية لا تعنى مجرد رقم إضافى فى حسابات التجارة، بل مريض بلا علاج، وطبيبًا عاجزًا، ونظامًا صحيًا يترنح تحت تكاليف لا ترحم، وهكذا يتحول الدواء من رمز للأمل إلى مرآة تعكس اختلال النظام العالمى، فى مشهد يشهد نزيفا صامتا لا تلتقطه الكاميرات، لكنه يترك أثرا بالغا على صحة الإنسان ومستقبل المجتمعات.
 
وقد فرض الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رسومًا جمركية على المنتجات الصيدلانية المستوردة استنادًا إلى المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، التى تمنح الرئيس سلطة فرض تعريفات أو تدابير تجارية إذا اعتبر أن واردات معينة تهدد الأمن القومى، وشملت الرسوم مثل المكونات الرئيسية ومواد التغليف والأدوية ذات العلامات التجارية والبدائل الحيوية، إضافة إلى «الأدوية الجنيسة» التى تحتوى على نفس المادة الفعالة للدواء الأصلى، لكنها تباع باسم مختلف وبسعر أقل، وهدد ترامب برفع التعريفات تدريجيًا من رسوم محدودة إلى 150 ٪ ثم 250 ٪ خلال 18 شهرًا، بجانب الرسوم المفروضة أصلًا على الصين والبالغة 145 ٪، ورغم أن التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالمعدلات والجدول الزمنى للتنفيذ لا تزال غير واضحة، فمن المؤكد أن تحدث هذه الرسوم خللًا فى سلسلة التوريد، وتزيد التكاليف، وتحد من وصول المرضى إلى الأدوية الأساسية، كما أن عدم اليقين فى أسواق رأس المال سيؤثر سلبًا على الاستثمارات المستقبلية فى العلاجات الجديدة، كما تؤثر على المنتجات النهائية والسلع الوسيطة (مثل المكونات ومواد التغليف) المستخدمة فى التصنيع المحلى.
الأساس المعلن من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لفرض الرسوم الجمركية على المنتجات الدوائية هو تحفيز الشركات على التصنيع داخل الولايات المتحدة، وخلق وظائف جديدة، وتقليل الاعتماد على الخارج باعتباره تهديدًا للأمن القومى، فارضًا تعريفات قد تصل إلى 250 ٪ على الأدوية ومكوناتها، وفق تصريحاته، ورغم أن أمريكا هى السوق الأكبر عالميًا، مهيمنة على 51 ٪ من المبيعات بإجمالى 678 مليار دولار، فإنها تستورد معظم احتياجاتها، حيث تضاعفت الواردات من 73 مليار دولار فى 2014 إلى أكثر من 215 مليار دولار فى 2024، وبلغ العجز التجارى 139 مليار دولار من إجمالى 1.2 تريليون دولار لجميع السلع، وذلك وفقا لبيانات الجمارك الأمريكية، كما أشار موقع Trend Economy المتخصص فى تحليل التجارة العالمية، إلى أن الولايات المتحدة استوردت فى العام الماضى منتجات صيدلانية جاهزة بقيمة 212 مليار دولار ومواد خام بقيمة 58 مليار دولار، نتيجة نقل شركات الأدوية خلال العقدين الماضيين جزءًا كبيرًا من عملياتها إلى أوروبا للاستفادة من السياسات الضريبية المواتية هناك.
لكن الرسوم لم تؤثر فقط على الدول المصدرة، بل انعكست أيضًا على كبريات شركات الأدوية العالمية التى تعتمد على السوق الأمريكى كأكبر مصدر إيرادات لها، فقد سجلت شركة Johnson & Johnson انخفاضًا فى أرباحها الفصلية بنسبة 12 ٪، فيما أعلنت Roche السويسرية عن تراجع مبيعاتها فى سوق الأورام بنسبة 9 ٪  نتيجة اضطرابات سلاسل التوريد، أما Eli Lilly الأمريكية فخفضت توقعاتها السنوية بعد خسائر تجاوزت 1.2 مليار دولار مرتبطة بارتفاع تكاليف الاستيراد، هذه الأرقام توضح أن القرار الأمريكى، الذى روج له باعتباره وسيلة لتعزيز الأمن القومى، تحول إلى سيف ذى حدين، إذ ضغط على المستهلك من جهة، وأربك حسابات الشركات الكبرى من جهة أخرى.
 وإلى جانب الرسوم، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا لخفض أسعار الأدوية، مؤكدًا أن المرضى فى الخارج يدفعون أسعارًا أقل بكثير، متوقعًا انخفاضًا يتراوح ما بين 30 ٪ و80 ٪، حيث أوضحت بيانات الحكومة الأمريكية أن أسعار الأدوية ذات العلامات التجارية تزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بالدول الأخرى. وفى 31 يوليو الماضى، صعّد ترامب ضغوطه برسائل إلى 17 رئيسًا تنفيذيًا لشركات أدوية كبرى، طالبهم فيها بتطبيق تسعير «الدولة الأكثر رعاية» (أى أقل سعر عالمى لأى دواء)، ومنحهم مهلة 60 يومًا، مؤكدًا عبر موقع «تروث سوشيال» أنه لن يقبل بعد الآن بحلول تصب فى مصلحة القطاع دون تخفيف فعلى على المستهلك، ومتهمًا الدول المتقدمة بـ «استغلال الابتكار الأمريكي» دون تحمل تكلفته، فى إشارة إلى أن الملف الدوائى تجاوز حدود السوق ليصبح ورقة ضغط إستراتيجية فى العلاقات الدولية.
 
المنافسة تتحول إلى صراع
خلال خمس سنوات فقط، قفزت تجارة الأدوية بين واشنطن وبكين من الهامش إلى قلب المشهد التجارى، إذ ارتفعت حصتها من 0.6 ٪ إلى نحو 3 ٪ من إجمالى التبادل بين البلدين، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأمريكى، ولم يكن هذا النمو مدفوعا بتدفق المنتجات الصينية منخفضة التكلفة، بل يشمل سلعا عالية القيمة مثل أدوية السرطان والمضادات الحيوية المتطورة، وكان التبادل التجارى متوازن، بشكل كبير، حيث تستورد الولايات المتحدة منتجات دوائية من الصين بقيمة 10.2 مليار دولار أمريكى، وتصدر إليها ما قيمته 9.3 مليار دولار أمريكى، ولكن خلف هذا التوازن، تكمن حقيقة أكثر خطورة وهى اعتماد الولايات المتحدة على الصين فى 80 ٪ من المكونات الدوائية الفعالة، و90 ٪ من المضادات الحيوية العامة، وفقا لتقرير صادر عن شركة تحليلات سلسلة التوريد «إكسيجر»، لذلك كانت المنافسة بينهم فى صناعة الأدوية تبدو طبيعية فى إطار التقدم العلمى والتطور التكنولوجى، وانصب التركيز فقط على تسريع الاكتشافات الدوائية، وزاد استخدام الذكاء الاصطناعى من توسيع قدرات الإنتاج الحيوى والاكتشافات، حيث كانت مختبرات بوسطن ووادى السيليكون فى سباق محموم مع مراكز الأبحاث فى شنغهاى وبكين، وكل طرف منهم يسعى لترسيخ مكانته كقوة علمية رائدة.
«لكن اللحظة الفاصلة جاءت مع اندلاع حرب الرسوم الجمركية، لتتحول المختبرات إلى ساحة صراع اقتصادى علنى، وبدأت الصين فى فرض تعريفات جمركية انتقامية، الأمر الذى يحمل عواقب تتجاوز الصراع الاقتصادى، ويؤثر على حياة الناس بشكل مباشر، وشملت التحركات الصينية، رفع التعريفات الجمركية على أدوية مختارة مصنعة فى الولايات المتحدة، مثل علاجات السرطان وأدوية السكرى إلى 125 ٪، وجاء رد الفعل السريع من الصين نظرًا للقوة الكبيرة التى يعيشها التنين الصين فى صناعة الأدوية فى الوقت الراهن، وطموحاته فى أن يصبح الاول عالميَا فى تلك الصناعة، حيث يشهد قطاع التكنولوجيا الحيوية فى الصين تحولاً جذرياً، تقوده شركات الأدوية هناك، والتى قطعت شوطاً طويلاً من التقليد إلى أن أصبحت منافساً حقيقياً للهيمنة الغربية على الابتكار، حيث قفز عدد الأدوية الجديدة فى الصين لعلاج السرطان والسمنة وغيرها، التى دخلت مرحلة التطوير إلى أكثر من 1250 دواء العام الماضى، وفقا لتحليل Bloomberg News، المتخصص فى الأخبار المالية والمعلومات الاقتصادية، ليتجاوز الاتحاد الأوروبى بفارق كبير، ومقترباً من عدد الأدوية الجديدة فى الولايات المتحدة الأمريكية البالغ نحو 1440، الأدوية التجريبية الآتية من بلد اشتهر فى السابق بالتقليد الرخيص ومشاكل الجودة، باتت تستوفى بشكل متزايد معايير صارمة، لتحظى باعتراف الجهات التنظيمية وشركات الأدوية الغربية الكبري.
لتتحول المنافسة الهادئة فى المختبرات إلى صراع علنى على النفوذ والسيطرة، ويتحول السباق من مجال البحث والتطوير إلى صراع تجارى مفتوح، يتجاوز حدود المختبرات ليطال أسواق الدواء العالمية، ولم يعد الابتكار وحده هو معيار التفوق، بل القدرة على التحكم فى سلاسل التوريد، والسيطرة على الأسواق، واستخدام الدواء كورقة تفاوضية فى العلاقات الاقتصادية والسياسية، حيث لم تعد صناعة الأدوية مجرد قطاع صحى يخدم المرضى، بل تحولت إلى أداة إستراتيجية ضمن معادلات التجارة العالمية وحروب النفوذ بين واشنطن وبكين، فكل طرف يدرك أن السيطرة على هذا القطاع تعنى التحكم فى شريان حيوى للاقتصاد والصحة معًا، وأن الانتصار فى هذه المواجهة سيترجم إلى قوة جيوسياسية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الصناعة الدوائية نفسها.
 
هواجس أوروبية متصاعدة
مع احتدام الصراع الأمريكى الصينى فى قطاع الأدوية، برزت أوروبا كطرف ثالث يعيش حالة من القلق المتصاعد، إذ تجد نفسها محاصرة بين ضغوط التحالف مع واشنطن من جهة، وحاجتها الحيوية لاستمرار علاقاتها التجارية مع بكين من جهة أخرى، حيث تعتمد الدول الأوروبية بشكل كبير على الواردات الدوائية والمواد الخام القادمة من الصين والهند، ووفقا لتقرير صادر عن البرلمان الأوروبى، فإن «سلسلة الإمداد تعتمد بشكل كبير على المقاولين من الباطن لإنتاج المواد الأولية الصيدلانية خارج الاتحاد الأوروبى، حيث تكون تكاليف العمالة والمعايير البيئية غالبًا أقل، مما يؤدى إلى إنتاج 60 ٪ إلى 80 ٪ من المواد الفعالة الكيميائية خارج الاتحاد، خاصة فى الصين والهند»، وهذا الاعتماد جعلها عرضة لاضطرابات سلاسل الإمداد، التى تفاقمت منذ جائحة كورونا ثم ازدادت حدة مع الإجراءات الأمريكية الأخيرة، كما ترتبط أوروبا بسلاسل توريد مترابطة مع الولايات المتحدة.
وقد بلغت صادرات الاتحاد الأوروبى من المنتجات الطبية والصيدلانية إلى الولايات المتحدة نحو 90 مليار يورو (97.05 مليار دولار) فى عام 2023، وفقًا لأحدث بيانات يوروستات، كما قامت شركات الأدوية الأوروبية العملاقة فى الآونة الأخيرة بتوسيع مرافق الإنتاج فى الولايات المتحدة، وبحسب الاتحاد الأوروبى للأدوية، شكلت المبيعات فى أمريكا الشمالية ما يقرب من 50 فى المائة من مبيعات الأدوية العالمية فى عام 2021، مقارنة بنحو 25 فى المائة لأوروبا، لذلك فإن فرض رسوم جمركية قد يشكل تحديًا كبيرًا للشركات التى تعتمد على الأدوية الأوروبية المستوردة، ويزيد من تكثيف الخوف الذى تشعر به مراكز تصنيع الأدوية فى جميع أنحاء أوروبا بما فى ذلك أيرلندا، التى صدرت ما قيمته 44 مليار يورو (38 مليار جنيه إسترليني) من الأدوية إلى الولايات المتحدة فى عام 2024.
 لذلك حذرت شركات الأدوية الأوروبية رؤساء الاتحاد الأوروبى من أن الرسوم الجمركية التى فرضها الرئيس الأمريكى، قد تتسبب فى الهجرة من أوروبا نحو الولايات المتحدة، وقالت مجموعة الاتحاد الأوروبى للصناعات والجمعيات الدوائية، إنها دعت رئيسة الاتحاد الأوروبى أورسولا فون دير لاين، إلى الضغط من أجل «إجراء سريع وجذرى» للتخفيف من «خطر الهجرة» إلى الولايات المتحدة، وبالفعل أجرت مؤخرًا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين محادثات مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى منتجع الجولف الخاص به فى غرب اسكتلندا فى شهر يوليو الماضى، سعيا لإتمام صفقة تسنى التوصل إليها بشق الأنفس، وأبرم الطرفان اتفاقًا تجاريًا، تفرض بموجبه رسوما جمركية 15 ٪ على معظم سلع الاتحاد الأوروبى، ليتجنب الطرفان حربا تجارية بين حليفين يمثلان ما يقرب من ثلث التجارة العالمية، ولكن هذا الاتفاق قوبل بالرفض من العديد من مسئولى الدول الأوروبية أبرزهم، رئيس الوزراء الفرنسى فرانسوا بايرو، الذى قال إن الاتفاق التجارى الإطارى الذى تم إبرامه بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأمريكى دونالد ترامب يمثل «يومًا كئيبًا» لأوروبا.
 
اختبار قاس للمنطقة العربية
لم يعد الحديث عن الأدوية فى العالم العربى مجرد شأن صحى تقليدى، خاصة بعد فرض الرسوم الجمركية على واردات الأدوية ومدخلاتها، هذا القرار وضع المنطقة أمام اختبار قاس يحدد قدرتها على الصمود وسط عاصفة من الأزمات، إذ تستورد الدول العربية أكثر من 80 ٪ من احتياجاتها الدوائية بقيمة تقارب 35 مليار دولار سنويًا، بحسب بيانات منصتى سينزا وأبكو وورلد وايد، ومع ارتفاع أسعار الشحن والرسوم الجمركية، قفزت تكلفة بعض الأصناف الدوائية المستوردة بين 20 ٪ و35 ٪ خلال عام واحد فقط، وهو ما انعكس مباشرة على المريض العربى، لكن خلف المشهد القاتم، تكشف البيانات عن محاولات جدية للتكيف، ووفقا لهئية الاستعلامات المصرية، ضخت مصر استثمارات تجاوزت 3 مليارات دولار خلال السنوات الخمس الماضية فى مصانع جديدة، ما رفع حجم السوق إلى نحو 300 مليار جنيه سنويًا، وأتاح إنتاج 91 ٪ من الاحتياجات المحلية، كما تمتلك مصر اليوم 172 مصنعًا للأدوية و116 مصنعًا للأجهزة الطبية و4 مصانع للمستحضرات الحيوية والمواد الخام، إلى جانب 120 مصنعًا لمستحضرات التجميل، بإجمالى يقارب 800 خط إنتاج. هذه البنية جعلت مصر قادرة على المنافسة عالميًا، مع صادرات بلغت 1.5 مليار دولار فى 2025/2024، وفقا لبيان رسمى من مجلس الوزراء، والمستهدف مضاعفتها إلى 3 مليارات بحلول 2030، كما تمكنت من توطين 129 مادة فعالة كانت تكلف 633.7 مليون دولار لاستيرادها، وتفاوض حاليًا على توطين 30 مادة أخرى من أصل 280 مادة غير فعالة.
أما السعودية، صاحبة أكبر سوق دوائى فى الخليج، فقد ربطت أمنها الصحى برؤية 2030، معلنة خطة لرفع نسبة الإنتاج المحلى إلى 40 ٪، وأطلقت المملكة مشاريع كبرى لبناء مدن صناعية دوائية مثل مدينة الملك عبد الله الاقتصادية ومدينة سدير للصناعات الدوائية، وأبرمت شراكات مع شركات عالمية لتصنيع الأدوية داخل أراضيها، هذه الخطوات لا تعكس مجرد سياسة صناعية، بل إدراكًا بأن الأمن الصحى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى والاقتصادى، ومن جهتها اتخذت الإمارات مسارًا مختلفًا، قائمًا على التحول إلى مركز إقليمى للتوزيع والابتكار، مع تركيز على الأدوية البيولوجية والعلاجات المتقدمة، ووفق بيانات وزارة الصحة الإماراتية، تستهدف الدولة رفع نسبة مساهمة الصناعات الدوائية المحلية إلى 30٪ بحلول 2030، مع تعزيز البحث العلمى وتشجيع الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص، وإلى جانب هذه القوى الثلاث، يبرز الأردن كلاعب إقليمى مهم، إذ يصدر دواءه إلى أكثر من 60 سوقًا عالميًا، ويشكل قطاعه الدوائى نحو 8 ٪ من الناتج الصناعى.
أما دول شمال إفريقيا، مثل المغرب وتونس والجزائر، فهى تبنى قواعد إنتاجية متنامية تستهدف تلبية الطلب المحلى والتوجه إلى التصدير. لكن فى المقابل، تظل بعض الدول العربية بلا صناعة دوائية تذكر، مثل ليبيا والصومال وجيبوتى وموريتانيا، فيما تمتلك دول أخرى مصانع محدودة للغاية؛ الكويت لها مصنع واحد، البحرين لها مصنعان، وقطر ثلاثة مصانع فقط.
ما يجعل هذا الاختبار أكثر خطورة أنه لا يتعلق بمواجهة أزمة آنية فحسب، بل بمستقبل الأمن الصحى العربى، فإما أن تظل المنطقة رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وضغوط السياسات الاقتصادية الكبرى، أو تستثمر اللحظة لتأسيس صناعة دوائية مستقلة تقوم على البحث العلمى والتكامل الإقليمى والاستثمار المشترك، إنها لحظة مفصلية قد تحوّل الخطر إلى فرصة، وتفتح الطريق أمام بناء منظومة دوائية عربية قادرة على حماية شعوبها فى عالم لا يعترف إلا بمن يملك القدرة على الصمود والتطور.
 
إفريقيا الحلقة الأضعف
تمثل القارة الإفريقية البعد الأكثر هشاشة فى مشهد الأدوية العالمى، فهى موطن لـ 17 ٪ من سكان العالم، لكنها لا تنتج سوى أقل من 3 ٪ من احتياجاتها الدوائية، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، تعتمد الدول الإفريقية بنسبة تتراوح بين 70 ٪ و80 ٪ على واردات الأدوية من الهند والصين أساسًا، مما يجعلها عرضة مباشرة لأى اضطرابات فى الرسوم الجمركية أو سلاسل التوريد، ووفقا لمركز السيطرة على الأمراض الإفريقى (Africa CDC)، يعانى أكثر من 40 ٪ من الأدوية الأساسية من انقطاعات متكررة فى التوفر، وهو ما يعكس هشاشة غير مسبوقة فى البنية الصحية للقارة.
وعلى الرغم من أن سوق الأدوية الإفريقى تجاوز 45 مليار دولار سنويًا وفقأ لـ (McKinsey & Company)، إلا أن هذا السوق الضخم يبقى مرهونًا بواردات خارجية، مما يضاعف فاتورة الاستيراد مع كل زيادة فى الرسوم الجمركية أو تكاليف الشحن، وتكشف هذه الأرقام أن القارة، التى ما زالت تواجه أعباء أمراض مثل الملاريا والسل والإيدز، تتحمل أضعاف التأثيرات السلبية مقارنة بمناطق أخرى أكثر قدرة على الصمود، إن أى تعطيل إضافى فى الإمدادات لا يعنى فقط أزمة تجارية، بل تهديد مباشر لحياة ملايين البشر، خاصة مع اعتماد نحو 70 ٪ من سكان إفريقيا جنوب الصحراء على أنظمة صحية عامة تعانى أصلًا من نقص التمويل.
 
التوريد المعقد.. وفجوة التصنيع
سلسلة توريد الأدوية شبكة عالمية معقدة ومتشابكة، إذ قد يتضمن الدواء الواحد مواد خاما من الصين، وتصنيعًا فى الهند، وتعبئة فى أوروبا، ما يجعل أى رسوم جمركية على طول هذه السلسلة قادرة على تعطيل الإمدادات ورفع التكاليف، وأظهرت بيانات وزارة التجارة الأمريكية أن واردات الأدوية تجاوزت 50 مليار دولار فى مارس الماضى وحده، أى ما يعادل خمس إجمالى واردات الأدوية لعام كامل، فيما استوردت الولايات المتحدة ما يقارب 108.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها، أى ضعف وارداتها تقريبًا مقارنة بعام 2024، وتكمن الفجوة الأشد خطورة فى إنتاج المكونات الصيدلانية الفعالة، إذ تنتج الولايات المتحدة جزءًا ضئيلًا منها فقط، مع نقص واضح فى المضادات الحيوية وأدوية الأورام والحقن المعقمة، وهى فجوات كشفتها الرسوم الجمركية وأظهرت هشاشة القدرة المحلية على التصنيع.
لكن هذه الفجوة فى السلاسل لا تبقى داخل حدود الاقتصاد، بل تنعكس مباشرة على حياة المرضى والمجتمعات، ووفقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO)، يؤدى أى انقطاع فى إمدادات أدوية السرطان إلى انخفاض معدلات البقاء على قيد الحياة بنسبة تصل إلى 20 ٪ فى بعض الدول منخفضة الدخل، فيما يحرم مرضى السكرى من جرعات الإنسولين الأساسية نتيجة تأخيرات التوريد وارتفاع الأسعار، وتشير بيانات البنك الدولى إلى أن متوسط تكلفة علاج مريض سرطان واحد ارتفع بما يقارب 2000 دولار إضافية سنويًا بسبب الرسوم وتقلبات الشحن، وهو ما يضع الأسر أمام خيارات قاسية بين العلاج والاستمرار فى تلبية احتياجاتها المعيشية. بهذا يتحول الخلل فى السلسلة من مسألة تجارية إلى أزمة إنسانية تهدد الملايين حول العالم.
كما يؤدى تطبيق التعريفات بشكل مباشر إلى ارتفاع ملحوظ فى أسعار الأدوية الجاهزة، مما ينعكس على تكاليف الإنتاج التى يتحملها المصنعون والمستهلكون، إضافة إلى مؤسسات الرعاية الصحية وشركات التأمين، وبناءً عليه، تصبح تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة، إلى جانب صعوبات القدرة على تحملها، مشكلة حقيقية تواجه المرضى الذين يعتمدون على هذه الأدوية، ومن هنا تميل غالبية متطلبات الأدوية العالمية نحو الأدوية الجنيسة نظرًا إلى أسعارها المعقولة، ولكن معظم منتجى هذه الأدوية يعتمدون فى عملياتهم التصنيعية على المكونات الفعالة المستوردة من الهند والصين، اللتين تلبيان أكثر من 70 ٪ من الطلب العالمى عليها.
 
البحث العلمى بين قيود التجارة
يعتمد قطاع الأدوية بشكل كبير على البحث والتطوير، أكثر من أى قطاع آخر، حيث قدر إجمالى الإنفاق على البحث والتطوير فى عام 2023 بنحو 244 مليار دولار عالميًا، وفقًا لتقرير «شركة فارما»  لعام 2023، والذى أشار إلى أن شركات الأدوية تستثمر حوالى 20 ٪ أو أكثر من إيرادات مبيعاتها فى مشاريع البحث والتطوير، ويمكن أن تكون هذه النسبة أعلى بكثير فى الشركات المتخصصة فى البحث والتى تحقق مبيعات منخفضة، ويعد اكتشاف أدوية جديدة أمرًا حيويًا لاستمرار نمو شركات الأدوية، ويمكن أن تسهم مبيعات الأدوية الجديدة ذات العلامات التجارية إسهامًا كبيرًا فى إجمالى الإيرادات، ومع ذلك فإن فقدان حماية براءات الاختراع قد يكون له عواقب وخيمة، وتمثل المنافسة من الأدوية الجنيسة تحديًا كبيرًا للشركات، ويمكن أن يؤدى انتهاء صلاحية براءة اختراع المنتج إلى انخفاض كبير فى الإيرادات، لذلك سيؤدى فرض الرسوم الجمركية إلى ارتفاع نفقات البحث والتطوير، لذلك ستحتاج الشركات إلى تمويل إضافى لأنشطة المشتريات، مما سيجبرها على خفض تمويل عمليات تطوير الأدوية الجديدة، كما تعتمد تلك الصناعة بشكل كبير على الأرباح وأسواق رأس المال لتمويل البحث والتطوير.
وتسبب الرسوم الجمركية حالة من عدم اليقين فى أسواق العملات والأسهم والسندات، مما يؤثر سلبًا على إمكانية الحصول على رأس المال الداعم لاستثمارات الصناعة فى الابتكارات، وقد أظهرت تحليلات اقتصادية حديثة أن إدارات البحث والتطوير التى تعتمد على الاستثمار الأجنبى المباشر (FDI) تميل إلى الانخفاض فى المناطق التى تشهد ارتفاعًا فى الرسوم الجمركية، على سبيل المثال، أشارت شركة الأبحاث العالمية جلوبال داتا (Global Data, Pharma Manufacturing)، إلى أن تهديد الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على واردات من كندا والمكسيك والصين أدى إلى حالة من عدم اليقين فى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر فى قطاع الصناعات الصيدلانية الحيوية، مما انعكس سلبًا على توسع الشركات فى أنشطة البحث والتطوير فى الخارج، فقد انخفضت الاستثمارات الصادرة من الولايات المتحدة فى هذا القطاع بنسبة 53 ٪ فى عام 2024، وبالمثل، أظهر تحليل صادر عن مركز أبحاث الاقتصاد الأوروبى ZEW أن فرض الرسوم الجمركية يمكن أن يؤدى إلى انخفاض عوائد الاستثمار فى البحث والتطوير بنسبة تصل إلى 20 ٪، خصوصًا فى القطاعات المعتمدة على التصدير، مما يضعف من محفزات الاستثمار فى الابتكار والتكنولوجيا، كما أكد تقرير صادر عن منظمة التعاون (OECD) أن بيئة الرسوم الجمركية المرتفعة تُعد من أبرز عوامل تقليص تدفق الاستثمار الأجنبى المباشر والتنمية الاقتصادية فى القطاعات ذات القيمة المعرفية العالية، بما فى ذلك الصناعات الدوائية، حيث تدفع الشركات إلى إنشاء مرافق إنتاج محلية داخل البلدان التى تفرض الرسوم الجمركية (ما يعرف بـ «Tariff-Jumping FDI»)، ما يؤدى إلى تباطؤ تطوير الأدوية عالميًا.
 
المستقبل والسيناريوهات المحتملة
مع استمرار فرض الرسوم الجمركية وتزايد هشاشة سلاسل التوريد العالمية، يواجه قطاع الأدوية ثلاثة مسارات محتملة. السيناريو الأول هو التصعيد، حيث تستمر واشنطن فى رفع التعريفات حتى 250 ٪ كما هدد الرئيس ترامب، ما سيؤدى إلى تضخم أسعار الأدوية عالميًا، وتفاقم أزمة النقص، خصوصًا فى الدول النامية، السيناريو الثانى هو التكيف التدريجى، عبر إعادة توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة وأوروبا، لكن هذه العملية تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وقد تستغرق عقدًا كاملًا قبل أن تؤتى ثمارها. أما السيناريو الثالث فهو التكامل الإقليمى، حيث تتجه كتل اقتصادية كالاتحاد الأوروبى أو مجلس التعاون الخليجى إلى بناء سلاسل توريد محلية بديلة، مستفيدة من الأزمات الحالية لتأسيس صناعة دوائية أكثر استقلالية. وبحسب تقديرات البنك الدولى، فإن أى تعطيل فى تدفق الأدوية الأساسية قد يرفع معدلات الإنفاق الصحى العالمى بنسبة تصل إلى 15 ٪ بحلول 2030، ما يضع الحكومات أمام خيار حاسم: إما الاستثمار فى الاكتفاء الذاتى، أو البقاء رهينة للتقلبات الجيوسياسية، ليبقى السؤال هل يظل الدواء إنجازًا إنسانيًا عالميًا، أم يتحول نهائيًا إلى أداة فى لعبة النفوذ الجيوسياسي؟
 
البشرية تنزف فى صمت
تتركز صناعة الدواء بشكل كبير فى أيدى عدد محدود من الدول التى تمتلك التكنولوجيا والتمويل والخبرة البحثية اللازمة، ما يمنحها نفوذًا واسعًا على سلاسل الإمداد الصحى فى العالم، وتتصدر الولايات المتحدة المشهد من حيث الابتكار والتطوير، وتعد موطنًا لنحو نصف الإنفاق العالمى على الأبحاث الدوائية، كما أن جزءًا كبيرًا من الأدوية الجديدة التى تطرح فى السوق كل عام تطور داخل مختبرات أمريكية، كما يشكل الاتحاد الأوروبى، محورًا صناعيًا رائدًا فى إنتاج الأدوية البيولوجية واللقاحات، وفى المقابل، فإن الصين والهند تملكان اليد العليا فى تصنيع المواد الخام الفعالة والمنتجات الجنيسة، حيث توفر الصين أكثر من 40 ٪ من المواد الفعالة المستخدمة فى الصناعة الدوائية عالميًا، فيما تنتج الهند أكثر من 20 ٪ من الأدوية الجنيسة التى تستهلك فى العالم، وهذا التركز يجعل النظام الصحى العالمى هشًا أمام التوترات الجيوسياسية، أو الأوبئة، أو الكوارث الطبيعية التى قد تعطل الإنتاج فى أى من هذه الدول.
مما يؤكد أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل ستواجه نقصًا حادًا فى الأدوية وارتفاعًا فى الأسعار، نظرًا لعدم قدرتها على استيعاب صدمات الأسعار الناتجة عن ارتفاع تكاليف التوريد متعدد المراحل (تراكم التعريفات الجمركية)، مما يعكس مسار المكاسب فى خفض الوفيات، كما أن تجزئة التجارة تعيق التعاون الدولى فى رصد الأمراض المختلفة واحتوائها، وقد بدأت الحكومات تستخدم الأدوات التجارية كأذرع للضغط السياسى والاقتصادى فى السنوات الأخيرة، بما فى ذلك القيود على صادرات الأدوية والمستلزمات الطبية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى خلال جائحة كوفيد-19 حين فرضت أكثر من 60 دولة قيودًا على تصدير المعدات الطبية والمواد الفعالة، ما أدى إلى نقص حاد فى الأسواق، خاصة لدى الدول ذات الدخل المنخفض، ولمعرفة حجم الأثر الذى قد تخلفه القيود المفروضة على حصول الدول على الأدوية، يكفى أن ننظر إلى حالة فنزويلا، وفقًا لتقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمات الإغاثة الدولية، تسببت العقوبات الاقتصادية خلال عامى 2017 و2018 فى نقص حاد بالأدوية الأساسية فى فنزويلا، وأدى هذا إلى تفشى أمراض مثل الملاريا والاختناق، وحدوث انهيار واسع فى نظام الرعاية الصحية.
 
صعود سوق الأدوية المغشوشة
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 30 ٪ من الأدوية المتداولة فى الدول النامية والفقيرة مغشوشة أو منخفضة الجودة، ما يؤدى إلى وفاة قرابة مليون شخص سنويًا، إضافة إلى خسائر مباشرة تقدر بـ 200 مليون دولار سنويًا. ولا يقتصر الأثر على صحة المرضى فقط، بل يمتد ليحرم الحكومات من عائدات ضريبية كان يمكن أن تمول الخدمات الاجتماعية الأساسية، الأمر الذى يفاقم الأزمات الاقتصادية، وفى عملية غير مسبوقة نسقها الإنتربول الدولى فى 90 دولة بين ديسمبر 2024 ومايو 2025، جرى ضبط 50.4 مليون مستحضر صيدلانى غير مشروع بقيمة تقارب 65 مليون دولار، واعتقال 769 شخصًا وتفكيك 123 شبكة إجرامية، وهى أعلى حصيلة من نوعها فى تاريخ عمليات مكافحة التزوير الدوائى، وتكشف عن ازدهار هذا السوق بالتوازى مع زيادة القيود الجمركية وارتفاع الأسعار.
وإن هذه الإجراءات التى كان الهدف منها حماية الصناعة الدوائية، أدت بشكل غير مباشر إلى دفع المستهلكين، خاصة فى الدول ذات الرقابة الضعيفة، للجوء إلى بدائل مزيفة ورخيصة. وهنا وجد المزورون الفرصة الذهبية لطرح منتجات خطيرة تباع على أنها أصلية، لكنها فى الحقيقة تسرق الحياة قبل المال، وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بأدوية الأمراض القاتلة مثل السرطان والملاريا والعدوى البكتيرية، حيث يؤدى استخدام هذه البدائل المقلدة إلى نتائج كارثية على صحة المرضى، ويقوض الثقة فى المنظومة الصحية برمتها.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام