ثقافة



البطلة الحقيقية لرواية شاعر «أزهار الشر» المجهولة.. بودلير وجين دوفال.. قصة حب لا تبحث عن مؤلف

27-9-2025 | 22:38
عبد الوهاب داود

بودلير عاش حياته لكى يثبت للجميع أنه موجود وأنه بعد هجره قرر أن يتبنى العزلة والوحدة لحسابه
 
كانت دوفال جزءا من الطبقة الدنيا فى باريس من النساء اللائى يسكن على هامش مجتمع النبلاء والصفوة البرجوازية
 
هذه العلاقة التى استمرت طويلا وشهدت منعطفات حادة وكثيرة لم تكن مثالية بأى حال من الأحوال
 
كانت سببا فى منعه من التصرف فى ميراثه وبسوء علاقته بأمه وزوجها وأخيه غير الشقيق
 
المسافةُ بين جين دوفال وبين شخصية «لا فانفارلو» الرواية المجهولة لشارل بودلير، تكاد لا تُرى، أو هى مسافةُ شَرْطةٍ، أو علامةُ فَاصِلة «كومة»، كما يقول بودلير فى نصه الروائى القصير بشأن العلاقة بين بطله «سامويل كرامير» وكُتَّابه المفضلين.. وتذهب غالبية ترجيحات الباحثين والمتخصصين فى سِيرةِ وحَياةِ بودلير، إلى أن إحدى الشخصيات المحورية فى هذه الرواية، شخصية الراقصة والممثلة «لا فانفارلو» مُستَمَدةٌ من شخصية عشيقته الممثلة والراقصة السمراء جين دوفال، التى كانت سببًا فى منعه من التصرف فى ميراثه عن أبيه، وسوء علاقته بأمه وزوجها، وبأخيه غير الشقيق.. فمن هى جين دوفال هذه؟! وكيف افتتن بها شاعر معروف بالرفض لكل قيد، والتمرد على كل شيء؟! 
ما طبيعة العلاقة التى ربطت بينهما؟! وما وجه الشبه بينها وبين بطلة هذه الرواية؟!
 
تقولُ المعلوماتُ المتوافرة عنها أنها عُرفت باسم جين دوفال، وأن بداياتها فى الحى اللاتينى ارتبطت باسم «الآنسة بيرث»، وهى ممثلة مسرحية فرنسية المولد ذات أصولٍ كاريبية مزدوجة، وقيل إنها عملت فى تقديم الخدمات الجنسية لتحسين دخلها، وأنها كانت الملهمة الرئيسية والشريكة طويلة الأمد لشارل بودلير، الذى ربطته بها علاقة متقطعة ومضطربة، استمرت لنحو عقدين من الزمن، وأنه كان يطلق عليها لقب «فينوس السمراء».
غير أنها، فى تصورى الشخصى، لم تكن سوى حلقة من حلقات مسلسل انتقامه المؤلم والممتد، من رفض أمه له وإبعاده عنها، وهو طفل لم يكمل العاشرة من عمره بإرساله إلى مدرسة داخلية بعد زواجها الثانى، وهو الانتقام الذى امتد إلى كل من عرفهم من أصدقاء ومعارف، لم يبالوا بما كان يعانيه، ومن الحياة نفسها.
وربما يمكن الاستعانة هنا بما كتبه فيلسوف الوجودية الفرنسى جان بول سارتر فى دراسته المطولة عن حياة وكتابات بودلير، والتى ترجمها اللبنانى جورج طرابيشى منتصف ستينيات القرن الماضى فى كتاب بعنوان «بودلير»، وفيه تناول سارتر تلك العقدة التى حكمت مسيرة الشاعر الفرنسى الأشهر منطلقًا من تعلقه المرضى بأمه.
يقول سارتر فى مقدمة دراسته المهمة والكاشفة إن بودلير الذى توفى والده وهو فى السادسة من عمره: «كان يعيش فى كنف عبادة أمه له.. وكان يشعر بأنه مُتحِدٌ بجسم أمه وقُبلاتها، كان ضائعًا فى دفء حبهما المتبادل العذب.. ولهذا كان منطقه فيما أحس به من خيانتها وتركها له وحيداً فى مدرسة داخلية، يتلخص فيما كتبه لها ذات مرة، مُعاتباً بحدةٍ ومرارة واضحة: «حين يكون لامرأةٍ ابن مثلى، فإنها لا تتزوج للمرة الثانية أبداً».
وهو ما ظهر فيما بعد فى جميع سلوكياته الحياتية، وتجلى بصورة أوضح فى كتاباته، وما يوضحه سارتر بقوله «إن بودلير عاش حياته كلها لكى يثبت للجميع أنه موجود، وأنه بعد أن تم هجره وطرحه بعيداً، قرر أن يتبنى هذه العزلة والوحدة لحسابه هو فقط»، و»عندما تأكد من وجوده الفردى، جعل من نفسه، وبحدة وعنف وحزن، شخصا آخر غير أمه، شخصاً غير رفاقه اللامبالين.. إنه يشعر، ويريد أن يشعر، بأنه وحيد إلى أقصى حد، وحيد إلى حد الإرهاب».. «إن معظم الناس يعجلون بنسيانه، لكن الطفل الذى وجد نفسه من خلال اليأس والحنق والغيرة، سيجعل محور حياته التأمل الساكن لتفرده، إنه يفضل نفسه على الكل، لأن كل شيء يتخلى عنه»، وهو الأمر الذى تمادى فيه إلى أقصى الحدود الممكنة، والمتاحة، ولو بإطلاق الشائعات الكاذبة حول نفسه، لدرجة أنه حين انتقل إلى الحياة فى العاصمة البلجيكية بروكسل، كتب إلى السيدة بول موريس فى يناير 1865 ما نصه: لقد حسبونى هنا رجل بوليس (هذا حَسنٌ) وشاذٌ جِنسيًا (أنا من أذاع هذه الشائعة.. ولقد صدقوني)!!
ويشرح ذلك سارتر بقوله: “إنه بلا شك مصدر تلك الشائعة الماكرة التى لا أساس لها من الصحة”.. ما يؤكد على ميله إلى العقاب الذاتى “لقد صنع كل شيء فيه بإرادته، حتى مرضه بالزهري.. ذلك لأنه يقول إن العاهرات الأكثر بؤسًا هن اللواتى يجذبنه”، “كان يطارد مثلًا أعلى مستحيلًا فى أن يخلق نفسه بنفسه، إنه لا يعمل إلا لكى لا يكون مدينًا لغير نفسه، إنه يريد أن يستعيد نفسه، أن ينقحها كما تنقح اللوحة القصيدة”.
وكما فى روايته هذه، انطلقت علاقته بجين دوفال من الرغبة فى الخروج على ما يمكن أن تتصوره أمه عن حياته، وعلاقاته والبيئة التى يحيا فى وسطها، والوصول إلى أقصى حدٍ يمكن أن ترفضه أو يزعجها، ويحقق له أى انتصار، ولو جزئى، فى معركته الوهمية مع زوجها الثانى، فكانت النتيجة أن وقع فى غرامها، ولم يستطع التخلص من تأثيرها عليه، فامتدت علاقتهما المضطربة، بين مد وجزر لا نهاية له، بين رغبة مشتعلةٍ ورفضٍ حادٍ وعنيفٍ، خيانةٍ وهجرٍ وضعفٍ وإذلال للنفس وللغير لا حدود له، واستمر ذلك إلى ما بعد رحيله.
وُلِدَت جين دوفال فى فرنسا، لكن تاريخ ميلادها الدقيق مُختلفٌ عليه، غير أن مُعظم الباحثين والمتخصصين فى سيرة الشاعر الفرنسى الأشهر يتفقون على أنها ولدت فى حوالى عام 1820؛ ومع ذلك، ففى عام 1859 ادعت أنها ولدت فى 1827، وهى معلومة تبدو غير دقيقة تمامًا، فبحسبة بسيطة، استنادًا إلى المعلومات الخاصة بعلاقتها بالشاعر، فإننا إذا اعتمدنا هذا التاريخ يكون عمرها فى المرة الأولى التى رآها فيها لا يتجاوز سن الخامسة عشرة، وهو ما لا يتسق مع قانونية عملها وقتها كممثلة وراقصة بالحى اللاتينى، فالمعروف أن بودلير شاهدها فى عرض مسرحى عام 1842 بمسرحٍ قيل إنه مسرح “بورت سان أنطوان” حيث أُعجب بها، ووقع أسيرًا لسحرها، وأرسل لها بعد العرض زهورًا، وبطاقة يطلب فيها زيارتها متى شاءت، وقيل إنها كانت تؤدّى دورًا صغيرًا، يكاد يكون غير ناطق، لا تزيد العبارات التى تؤديها خلاله عن بِضع كلمات معدودة، وأنها لم تكن بَاهرة الجمالِ، بل امرأةٌ سمراءُ البَشرةِ، ذات شَعرٍ مُجعَّدٍ وكثيف، ومع ذلك وقع أسيرًا لسحرها.. كما قيل إنه شاهدها بعد ذلك فى أحد مقاهى الحى اللاتينى الذى كان كثيرَ الترددِ عليه، حيث كانت تتشاجر مع شخصين يضربانها بعنف، فسارع لتخليصها منهما، وإخراجها من المكان.
كانت دوفال جُزءًا من الطبقة الدنيا فى باريس، من النساء اللائى يَسكُنَّ على هامش مجتمع النبلاء والصفوة البرجوازية، وغالبًا ما تناقضت أوصاف مظهرها، وغمرتها الصورة النمطية، والتحيزات العنصرية، إذ وصفها الكُتّاب الرجال بأنها تفتقر إلى الذكاء، بينما أُعجبوا بها باعتبارها “جمالًا استوائيًا أصيلا” فى الوقت نفسه.. وعلى سبيل المثال، قال الشاعر ثيودور دى بانفيل، إنها كانت تمتلكُ “مزيجًا من الجمال الإلهى والوحشي”، ووصفها المصور ورسام الكاريكاتير فيليكس نادار، بأنها كانت طويلة القامة، تتجاوز الطول المتوسط بكثير، كما قال إن عينيها كانتا “كبيرتين كطبقى حساء”، ويُقال إن بودلير وصفها فى سنواتها الأخيرة بأنها تمتلك “عيونًا جميلة وناعمة وحنونة، تبدو وكأنها تتوق إلى نخلة جوز الهند الغائبة”، بالإضافة إلى ذلك كان لدوفال أنف مستقيم، وشفتان حمراوان، وُصفتا بأنهما “سميكتان وممتلئتان وفاحشتان”، وقال نادار عن أنفها، إنه “صغير ورقيق، يمتلك أجنحة وخياشيم مصممة بدقة رائعة”، ولاحظ كثيرون أنها كانت “ذات صدرٍ مُسطَّحٍ نسبيًا، وخصرٍ نحيف، وفخذين منحنيين بشكل كبير”، وقال دى بانفيل، إنها كانت تتحرك “بمشيةِ مَلكةٍ، مليئةٍ بالرشاقة”، ووصف معارفها صوتها بأنه “ذو نبرةٍ أجشّة عَذبة، مداعبةٍ بوحشية”.
كانت علاقة شارل بودلير ودوفال مُضطربةٌ ومُعقدة، اتسمت بالشغفِ والتبعية والصراع، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالديناميكيات الثقافية والعرقية لفرنسا فى القرن التاسع عشر، إذ التقى بها وهو فى سن الحادية والعشرين، بينما كانت تكبره بنحو عامٍ، أكثر أو أقل قليلًا، إذا اعتمدنا ميلادها عام 1820.. وقتها كانت تعيش مع والدتها فى “6 شارع دى لا فيم سان تيت”، وهو مكان أكثر رقيًا من مسكن بودلير فى فندق “بيمودان”، وهو الوقت الذى بدأ فيه دوفال وبودلير الظهور معًا فى دوائر الأخير البوهيمية، والتى شملت زيارات إلى استوديوهات فنانين بارزين ومعروفين مثل استوديو أونوريه دومييه.
بعد عامين من لقائهما الأول، قررا الانتقال للعيش معًا، فاستمرا على ذلك لعدة سنوات، قدّم خلالها بودلير ما استطاع دعم مالى، رغم تحكمات محامى عائلته الذى كان هو من يدير شئونه المالية،فكانت شقتهما مفروشة بسجاجيد وستائر شرقية فاخرة على الطراز الشرقى، بما يتناسب مع جمالها الداكن، وسعى بودلير إلى تثقيفها، وتغيير الكثير من طباعها وسلوكياتها بما يجعلها رفيقة أكثر تحفيزًا فكريًا، ما انعكس على علاقتهما معًا، فاتسمت بإساءة معاملة شديدة وعدم استقرار، حتى أنه ضربها ذات مرة بمزهرية تسببت فى كسر جمجمتها، وقيل إنه باع مجوهراتها وأثاثها فى نوبة إفلاس حادة، ودفعها إلى الاستدانة والاقتراض من بعض معارفها.. على الجانب الآخر قيل إنها كانت كثيرًا ما تخونه، وتقترض باسمه لشراء الكحول والمخدرات، وأنها حافظت على سيطرتها عليه، حتى فى أشد أوقات إساءته إليها، حتى أنه فى يونيو 1845، وفى قمة شعوره بالإهانة بسبب منعه من التصرف فى ميراثه الكبير من قبل أمه، حاول الانتحار أثناء وجودهما معًا فى أحد المقاهى، وكتب فى وصيته أن يؤول كل ميراثه إليها باعتبارها “فرحته وراحته”، وذلك بالرغم من أنه هو الذى قال فيما بعد، وتحديدًا عام 1848، أن حبه لها لم يكن أكثر من “مسألة واجب”!!
على الرغم من أنهما افترقا فى عام 1852، ظل بودلير داعمًا ماليًا لها، وظل يزورها مرتين إلى ثلاث مرات شهريًا، ورغم تصالحهما بعد عدة أشهر من تلك القطيعة، حافظت على علاقاتها بعشاقٍ آخرين، قيل إن أحد هؤلاء العشاق كان مُصففُ شَعرها، وكثيرًا ما كان بودلير ما يبالغ فى رسائله إلى والدته فى سرد القصص عنها، ربما لاستثارة تعاطف أمه، سواء بهدف تحنين قلبها، أو للحصول على مساعدات مالية، ومنها رسائله عند وفاة والدتها فى نوفمبر 1853، حيث تكفل بكل تكاليف الدفن والجنازة، ومنها أيضًا رسائله خلال فترة مرض دوفال وتدهور صحتها، وهى الرسائل التى تحدث فيها عن إحراجه من حالتها، قائلًا: “منعتها من زيارتى هنا؛ كان كبريائى البغيض هو ما دفعنى إلى ذلك. لا أريد أن يرى الناس امرأة من نسائى فقيرة ومريضة ومهملة، بينما كانوا يعرفونها امرأة جميلة وصحية وأنيقة”.
تلك الفترة شهدت الكثير من الاضطرابات فى علاقتهما، ما بين انفصال رسمى وقاطع، وعودة للإقامة معًا، ثم انفصالٍ آخر، وعودة أخرى، وهكذا.. حتى أصيبت بسكتة دماغية، يُرجّح أنها ناجمة عن مرض “الزهري”، أدت إلى نقلها إلى المستشفى بعد إصابتها بشلل جزئى، غير أنها عندما عادت إلى منزلها، وحاول محاولة أخيرة للإقامة معها فى ديسمبر 1860، اكتشف عند وصوله أنها تعيش مع رجلٍ آخر، أصرت على أنه شقيقها، لكن بودلير لم يصدقها، وتحدث عن إحباطه ويأسه من دعمها ماليًا، بينما تعيش فى أحضان “رجل لم يساهم فى أى دخل، ولم يفعل شيئًا للأسرة”، وكان أن انفصلا للمرة الأخيرة فى فبراير 1861، وإلى الأبد؛ ومع ذلك، استمر فى تقديم الدعم المالى لها، لبقية حياته ولو بشكل متقطع، بل إنه طلب من والدته رعايتها، وهى التى كانت تكرهها بشدة، وتتخذ منها موقفًا عدائيًا لا تقبل التراجع عنه.
هذه العلاقة التى استمرت طويلًا، وشهدت منعطفات حادة وكثيرة، لم تكن مثالية بأى حالٍ من الأحوال، وكما خانته هى كثيرًا، ورافقت الكثير من الرجال خلال فترة ارتباطهما، فعل هو بالمثل، فارتبط بالممثلة مارى دوبرون، واتخذ من عاهرة أخرى هى أبولونى ساباتييه عشيقة له، بل واعتبرها مصدر إلهام كبيرا له، إلا أن معظم هذه العلاقات لم تُثمر عن أى رضا دائم، وظلت جين دوفال الأكثر حضورًا فى شعره، حتى أنه أطلق عليها “عشيقة العشيقات”، وقال ثيودور دو بانفيل، صديق بودلير المُقرّب، أنها هى المرأة الوحيدة التى أحبها بصدق، بل وقيل إنه تبادل رسوماته لها مع عشيقة الأخرى أبولونى ساباتييه، التى كان يرى فيها الوجه الآخر لجين دوفال، فكان يُطلِق عليها لقب “فينوس البيضاء” وملهمته الملائكية، حتى أنه رسم صورة لدوفال فى ألبوم خاص بساباتييه، وضمنتها هى فى طبعة خاصة من ديوانه “أزهار الشر”، وكتبت أسفل الصورة “نموذجه الأعلى”.
هكذا.. يمكننا التأكيد على علاقة بودلير وجين دوفال، عكست صراعًا واعتمادًا وتلاعبًا متبادلًا، تشكلت جزئيًا من التوترات العرقية التى سادت فرنسا وقتها، فحاول بودلير فرض آرائه الإمبريالية ورغباته الجنسية عليها، وعندما لم تكن تستجيب له، كان يتهمها بالجحود وعدم المحبة، بل وادعى فى بعض الأوقات أنها سوف تدمر عمله إذا أتيحت لها الفرصة، كما حاول تأديبها وتشكيلها وفقًا للمواقف الاستعمارية تجاه النساء ذوات البشرة الملونة، وفى النهاية، كانت هويتها العرقية واستقلالها على خلافٍ حادٍ مع نزعة بودلير للتملك وخيالاته المتقدة، والعنيفة، مما زاد من حدة الصراع بينهما، ووجد أصدقاؤه صعوبة فى تقبّلها، وكافحوا جاهدين لدمجها فى صورة غير مشينةٍ عن حياته.
فى الناحية الأخرى، يحتفى بودلير بها فى الكثير من قصائد ديوانه “أزهار الشر”، مُطلقًا عليها اسم “فينوس السمراء”، ويُصوّرها فى جميع قصائده كامرأةٍ قويةً، حسيةً، قاسيةً، ومُدمّرةً.. يُحبها بعمق، لكنه يراها شريرةً، يصوّرها على أنها جوهر تألقه وخلاصه من العزلة، وينظر إلى علاقتهما كجبهةٍ مُتحدةٍ فى مواجهة العالم، ويراها كعالمٍ آسرٍ وغير مألوف، كانت بالنسبة له هى الآخرُ كُلهِ، وهى تمام الاختلاف، لا كامرأةٍ أو عشيقةٍ فحسب، بل كامرأةٍ سوداءَ بشكلٍ مُتميّز ومثير إلى الحد الرفض، وربما كان ذلك السبب الرئيسى فى ظهور طيفها فى الكثير من قصائده التى قيل إنها مهداة فى الأصل إليها، ومنها قصائد “الشرفة”، و”العطر الغريب”، و”الشعر”، و”لكنها لم تشبع”، و”الأفعى الراقصة”، و”جثة”.
هذا الموقف المعقد، والمريب، يبدو بصورة شديدة الوضوح فى لوحة، “استديو الرسام” لصديقه جوستاف كورييه، وهى اللوحة رسمها كوربيه فى مدينة أورنان الفرنسية عام 1855، ورفضتها لجنة تحكيم المعرض العالمى فى پاريس وقتها، وتُصوّر اللوحة ثلاث مجموعات مُتمايزة، المواطنون الفرنسيون العاديون على اليسار، والنخبة الفنية الباريسية على اليمين، والفنان فى المنتصف يقوم بدور الوسيط بين الفريقين، ويظهر فيها وهو يعمل على لوحة جديدة، وبجانبه الموديل، فى وسط مرسمه، بينما يجلس بودلير فى أقصى اليمين وفى يده كتاب يقرأ فيه، وإلى جواره تقف شابة سمراء تميل برأسها ناحيته، وهى اللوحة التى قام كورييه فيما بعد بحذف تلك الشابة منها بطلبٍ من بودلير، فقام بوضع طبقة من من الألوان المائية فوق الطلاء الزيتى، وظلت اللوحة تُعرض لوقت طويل دونها، حتى فعلت عوامل الزمن وتغيرات الكيمياء والفيزياء فعلها، فبهتت الألوان المائية الفاتحة، وتلاشت، وهو ما لا يحدث مع الألوان الزيتية إذ يغير الزيت من تركيبته الجزئية، مما يؤدى إلى تغيير الخصائص البصرية للطلاء، وإلى تكوين طبقة ناعمة، تصبح معها الطبقات أكثر شفافية مع توالى السنوات، وهو ما خلق مظهرًا طيفيًا غامضًا، سرعان ما ظهرت هيئة ذلك الطيف الغامض، وكشفت أنها هى جين دوفال، رفيقة بودلير وعشيقته، وُصفت هذه العودة بأنها رفض مادى غامض للإخفاء، وأنها طريقة لاستمرار وجود دوفال رغم إزالتها عمدًا من اللوحة.
هذه القصة التى تم الكشف عنها أخيرا فى فيلم تسجيلى ووثائقى بعنوان “المرأة بلا اسم: قصة جين وبودلير”، الفيلم الذى بدأ التليفزيون الفرنسى به سلسلة من الأفلام الوثائقية تحت عنوان “عن الفنون وما إلى ذلك” وتم عرضه للمرة الأولى فى يناير 2022، ويستعرض على مدى 52 دقيقة واحدة من فترات القطيعة بين بودلير وجين دوفال، إذ تدور أحداثه حول شبحٍ يُطارد عملاً للرسام الفرنسى جوستاف كوربيه، ويقول المنشور الدعائى للفيلم: “هذه هى جين دوفال، امرأة سوداء لا أحد يعرف اسمها الحقيقى، لكن الجميع يعرفون أنها ملهمة ورفيقة الشاعر شارل بودلير، بعد أن محاها كوربيه بنفسه من اللوحة بناء على طلب من صديقه الشاعر، وقد عادت إلى السطح كما لو أن ألوان الطلاء لم تستطع أن تتحمل محوها. الغموض يحيط بجوانب كثيرة من الرواية
الرواية القصيرة “لا فانفارلو” التى يُرجَّح أن الشاعر الفرنسى الكبير “شارل بودلير” كتبها فى وقتٍ ما قبل عام 1847، ولكنها لم تُنشر فى كتاب إلا بعد وفاته بعامين فى كتابٍ مُشترك مع مجموعةٍ كبيرة من القصائد النثرية بعنوان “سأم باريس”، وهى الرواية التى مازال الغموض يحيط بكل ما يتعلق بها حتى وقتنا هذا، وبعد مرور نحو 180 سنة على كتابتها ونشرها للمرة الأولى فى دورية “نشرة جمعية الأدباء” فى يناير 1847.
هذه الرواية القصيرة تكشف كيف كان بودلير مفتونًا طوال حياته المهنية بإمكانات النثر وتجريب الخيال، إذ يمكن الاستمتاع بها كحكاية بسيطة ومتشعبة إلى حدٍ ما، إلى جانب امتيازها بحالة سخرية عميقة فى النظر إلى العالم، لكن نظرًا لأنها ظهرت فى وقت مبكر من حياته ومسيرته الإبداعية، فإنه يمكن النظر إليها كعملية اختبار ذاتية لإمكاناته النثرية والأدبية، وحدودِ ما يمكن أن يذهب إليه الخيال، والتجريب السردي.
على أن أهمية هذه الرواية تكمن فى كونها توثق بشكل كبير مراحل مهمة فى حياة بودلير، ويمكن اعتبارها كسرد خيالى للقاء بودلير الأول بالممثلة الكريولية جين دوفال، الجميلة الهايتية التى أطلق عليها فيما بعد لقب “فينوس السمراء”، وكانت بمثابة ملهمته، تجد أثرها واضحا فى عدد كبير من أشهر قصائده، فيما تحكى الرواية عن قصة شاعر شاب، هو “سامويل كرامير”، الذى يحاول مساعدة صديقة طفولته “مدام دى كوسميلي”، التى انبهر زوجها براقصة جذابة تدعى “لا فانفارلو”، بعد أن وعدته تحت وطأة الحاجة بمكافأته، فينتهى به الأمر إلى الوقوع فى حب تلك الراقصة، وتتراجع “مدام دى كوسميلي” عن وعودها له، ونتيجةً لهوسه بـ”لا فانفارلو” وخيبة أمله فى الوصول إلى المكافأة التى وعدته بها صديقته القديمة بعد عودة زوجها إليها، تتلاشى نيران إبداعه، ويجد نفسه ينزلق نحو حياة مادية، وعالم لا علاقة له بالشعر والإبداع.
هذه الرواية ليست مثيرة للاهتمام فقط بسبب الصورة الذاتية التى تتضمنها، ولكن لأنها تتكشف بوتيرة هادئة، ومن الأفضل تناولها بروح الحكاية بدلًا من القصة القصيرة الحديثة التى غالبًا ما تكون متماسكة ومتسارعة الوتيرة، كما أنها تُعطى إحساسًا بالحكاية المطولة، لكنها حكاية شديدة الوعى بالذات، تشعر معها أنك أمام راوٍ، تُزعجه باستمرار ضرورات السرد الأولية، فالأوصاف الطويلة فى الأجزاء الأولى من القصة، والنقاشات المطولة حول الأسلوب الروائى، تُعيق الحبكة، أو تُجمّدها تقريبًا، والنتيجة هى أن الاهتمام الحقيقى هنا ليس بالحبكة، بل بكل شيء آخر تقريبًا..
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام