مقالات



لا تكونوا مثل «جمعة»

30-9-2025 | 23:55
مهدى مصطفى

مصر طائر عملاق، أجنحته وريشه العرب، ولا فائدة للأجنحة دون طائر، ولا طائر دون أجنحة أو ريش، وإن كان ذلك مرهونا بالأحوال، فقد يقرر الطائر أن ينبت ريشه بنفسه، إذا ما دعته الحوادث.
وجمال حمدان، قال: إن مصر محكومة بالعروبة، وإن لها أبعادا أربعة: آسيوى، متوسطى، نيلى، وإفريقى على التوالى، وإنها نسيج عالمى فريد، حتى إن الصعيد «حجازى» والدلتا «شامية».
أندهش حين تخرج أصوات من هنا أو هناك فى لحظات معينة، تقفز على الجدار المصرى، وتعتقد أنه يمكن تجاوزه، بينما هو فى الحقيقة عال جدا.
بعض هذه الأصوات ينطلق بحسن نية، ينبع من غضب عابر، يشكله سرد مختلق عن موقف سياسى أو اجتماعى، وبعضها الآخر يجىء عن قصد وتصميم، يصب فى طاحونة الأعداء، ويبدو وكأنه ثورى ومدافع عن «الأمة».
يتجلى خطر هذه الأصوات حين تستحوذ على السلطة فى هذا البلد أو ذاك، وقد أطلت علينا كثيرا فى توقيتات مضبوطة على ساعات الأعداء.
فى هذه الأيام، ونحن نستعيد الذكرى الخامسة والخمسين لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر، يطل علينا من دار الخلود، نتذكر ما سجله أمام زعماء وأحزاب وفئات مصرية، وكيف كشف  فيه بمرارة أن بعضهم لا يملكون سوى خناجر قاتلة، يطالبون مصر بما لا يفعلون، سواء كانوا أفراد أو أحزابا أو دولا، وسماهم دون مواربة.
لا أحد يزايد على عروبة ناصر، أو على دوره الاجتماعى والسياسى فى الإقليم، ومع ذلك، انطبعت فى أذهان بعضهم صورة مجانية عن مصر، وهى مترفعة لا ترد، لا تفند، تكتفى بالتلميح لا بالتصريح، تصبر وتثابر، حتى إن ناصر نفسه قال إنهم يريدون الحرب إلى آخر جندى مصرى، وقد وثق كل شىء بنفسه، وكأنه كان يعلم أن الكلمات سيحين دورها لتكشف الحقائق العارية.
مرة فى بغداد أوائل الثمانينيات، فى مقهى حسن عجمى، كنا شبانا، شعراء وقصاصين وروائيين، نناقش الأدب: من الأجمل، من الذى نحب، من الذى نكره؟ شأن معتاد فى مثل تلك التجمعات.
كنت الغريب الوحيد بينهم، لكنهم كانوا كرماء معى، قليلا ما كنا نتحدث فى السياسة، فالجدران لها آذان، بعضهم كان يعلق على سترته صورة القائد الجديد صدام حسين، وبعضهم الآخر يفخر بعضويته فى الحزب الحاكم.
عند احتدام النقاش حول من الشاعر العربى الأهم، أحمد شوقى أم الجواهرى؟ فز شخص يدعى «جمعة» لأننى وضعت شوقى فى مكان آخر، وكان من أصحاب الشارات المعلقة، فصاح ساخرا: أنتم «كامب ديفيد»!
لم يراع الضيافة ولا الغريب، سخرت فى البداية، لكنه واصل دون توقف، مهاجما مصر حضارة وثقافة وسياسة، حتى بدا الرفاق الآخرون ممتعضين، كنت أتلقى لكمات الادعاء بهدوء، وحين واصل لغة السباب، لم أجد بدا من رد الصاع صاعين، فتناولت اسم صدام حسين بما لا يليق، وجم الجميع، ولوح هو بشارته الحزبية مهددا، لكننى لم أهتم، قلت له: من يهاجم مصر بالضرورة يصطف مع إسرائيل، أو أى بلد يكره العرب، وقد كان.
بعد أشهر اندلعت الحرب بين العراق وإيران عام 1980، علمت أن «جمعة» التحق بالجبهة، ثم سلم نفسه مع ثلة من رفاقه للقوات الإيرانية عند أول فرصة، وقاتل فى صفوفها ضد إخوته العراقيين، تبين أنه من حزب «الدعوة» المعادى للبعث الحاكم، برغم عضويته المتقدمة فى الحزب “القائد”، ثم عاد مع القوات الأمريكية الغازية عام 2003!
كثيرا ما يقفز إلى ذهنى «جمعة» هذا، حين أرى بعضهم يلوم مصر ويناطحها، سواء أصابت أم أخطأت، يظهرون فى المحطات الصعبة حاملين ألقابا نخبوية، يتشدقون بكلمات كأنها الحق المطلق، وأقول إنهم “جمعة”.
صادفت مثل هؤلاء فى أكثر من عاصمة عربية، وفى مقاه يرتادها الكتاب، يجدون لذة مبهمة  فى الاصطفاف مع الأعداء باسم الدفاع عن “فلسطين”.
ومن موقع الصدق والإيمان بعروبة مصر أقول: ليس هكذا تورد الإبل، فلعل كلام تاجر العقارات الأمريكى توماس باراك، وفريقه من القتلة أولى بالهجوم، لا ذاك الفلاح المصرى الذى يقاتل عن صدق وإخلاص، فلا تكونوا  مثل «جمعة»، أو كأخوة يوسف،  واحذروا نفاد الصبر من الشعوب العربية الحقيقية، ثقافة وحضارة ومعرفة بالأقدار، والأدوار.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام