قبل 52 عاما كان العالم يعيش ما يسمى بعام الضباب، أو عام الوفاق، الضباب، لأن هناك حربا وقعت بين الهند وباكستان، والوفاق لأن الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية توافقا على عدم الصدام المباشر، وعدم تسخين الجبهات آنذاك.
فى تلك الأجواء كانت مصر تسابق الزمن لتسترد الأراضى المحتلة منذ عام 1967، خاضت أولا حربا ضروسا بعد اليوم التالى مباشرة من الخامس من يونيو، استمرت ثلاث سنوات فيما عرف بحرب الاستنزاف.
فى الوقت نفسه كانت تسابق الزمن فى بناء قوة عسكرية، على أسس علمية وإستراتيجية وفكرية، وفى ذات الوقت تعمل على كيفية اجتياز ذلك الخط العسكرى العملاق، الذى يسمى خط بارليف، أقوى خط عسكرى منذ نشأة الحروب، وكانت التقديرات العسكرية العالمية تقول إن مصر لكى تجتاز هذا الخط فقط، تحتاج إلى قنبلة نووية، بمعنى أنهم كانوا يقولون باستحالة هذا الاجتياز، لكننا لم نجتزه فقط، إنما دمرناه، فى مفاجأة عسكرية غير مسبوقة، ظهيرة السبت السادس من أكتوبر عام 1973، وفى ست ساعات، وهو الذى يحتاج إلى أشهر لتدميره، استطعنا أن نجعله ذكرى بعيدة، هزت قواعد العلوم العسكرية.
الحقيقة، بعد 52 عاما لا تزال معركة أكتوبر واحدة من المعارك الإستراتيجية على نحو ما شرحها وفصلها المفكر الكبير جمال حمدان فى كتابه "6 أكتوبر فى الإستراتيجية العالمية" الذى صدر عام 1974، أى بعد عام من الحرب، وفيه كشف أن حرب أكتوبر أضافت إلى تاريخ العسكرية العالمية تاريخا آخر، وأن مصر محكوم عليها بأن تكون قوية، وهى دولة عظمى جغرافيا وتاريخيا، وأن هذه الحرب غيرت من النظرة العالمية تجاه المنطقة، وهو ما انعكس على تغطيات الصحافة الأمريكية والأوروبية، وحتى الإسرائيلية التى أصيبت عناوينها بالصدمة و الدهشة، وبعضها وصل إلى حد التعبير عن تدمير خط بارليف بالمفاجأة الكاملة التى أذهلت الأصدقاء قبل الأعداء.
كان هناك من يكتب عن الاستحالة، ويطالب بمسار آخر تتكيف فيه مصر على ما هى فيه، لكن مصر كما قلت سابقا، لا تتكيف مع استعمار أو مظالم أو أوضاع تنتقص من سيادتها، أو كرامتها التاريخية، وحين نستعرض تاريخا يمتد إلى 7 آلاف عام، يؤكد أن هذا هو جوهر مصر الذى لا يتغير، قد تهتز، وقد ينجح أحد الغزاة، لكنه لا يستطيع المواصلة.
فى ظهيرة السبت العظيم، السادس من أكتوبر 1973، كان جنودنا ورجالنا على الشاطئ الشرقى من قناة السويس، ذلك المانع صعب الاجتياز عسكريا، خصوصا أن وراءه ثلاثة خطوط دفاعية عملاقة، مدججة بأحدث ما فى ترسانة الغرب العسكرية، لكننا استطعنا بالعلم والفكر والتدريب والدم والدموع والعرق، أن نتغلب على أصعب نقطة عسكرية، كان قد وصل إليها المفهوم العسكرى فى ذلك الوقت.
الحقيقة، نستطيع أن نقول: إن جوهر المسألة المصرية، ينطلق من فكرة المبادرة أو المبادأة، قد تبدو مصر ساهمة أو غير مبالية أو ساكتة، لكنها تعرف متى تبادر، وكيف تتحرك، وإلى أين تتجه، فلديها فائض من الصبر، تبادر به، حين تتهيأ الظروف التى صنعتها هى أيضا.
وبنظرة سريعة فى سجلات التاريخ نكتشف أنها صبرت على مدار ما يقرب من قرنين على وجود احتلال الهكسوس، وفجأة بادرت بالذهاب حيث هم، فهزمتهم وحررت البلاد منهم، وهزمت غزاة البحر، وكذلك فعلت مع الحيثيين، والفرس، والإغريق، والرومان، وصولا إلى الفرنسيين، والإنجليز، والإسرائيليين.
كل هؤلاء لم يستطيعوا الإقامة على ضفاف النيل، نتيجة المباغتة، والمبادرة المحسوبة، ومن يسترجع أحداث هذه المعارك، سيكتشف أنها كانت مبادرة من قلب المسألة المصرية، التى دائما لا يخيب ظنها فى التاريخ، والذى يكتب فى سجلاته الانتصار حين تبادر.
فى السادس من أكتوبر، كان يعتقد قادة إسرائيل والغرب، أن مصر ما بعد عام 1967، لا يمكن أن تعود، لكنها عادت ليس لمجرد العودة، إنما قاتلت وانتصرت على أشرس ترسانة سلاح فى العالم فى ذلك الوقت، شاركت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بجسر جوى، امتد إلى أسبوعين من الزمن، وإلى آلاف القطع العسكرية، التى جاءت إلى جبهات القتال، بما عليها من «شحم المصانع»، لكن الجندى المصرى الذى استخدم فضائل المبادرة، والمبادأة فى مسارح العمليات، استطاع أن يهزم السلاح المتقدم، دفاعا عن مصر التى كانت فى خاطره ولا تزال.
قبل حرب أكتوبر 1973، وبعد هذه الحرب، وقعت مئات الحروب، لكن معركة أكتوبر وحدها، لخصت مسار الإستراتيجية العالمية فى مسارح العمليات، فقد تناغمت الأسلحة المصرية فى عزف سيمفونى، بدءا من استخدام سلاح المهندسين فى تدمير خط بارليف بأفكار مصرية خالصة، ومرورا بسلاح الدفاع الجوى الثابت والمتحرك، إضافة إلى المدفعية والدبابات، وأنظمة الاتصالات والمشاة الأبطال، وصولا إلى سلاح الطيران، والبحرية، ونهاية بالتكامل العسكرى بالمعلومات الدقيقة والصحيحة، ذلك التكامل الذى أذهل صناع إستراتيجية الحروب حول العالم ولا يزال. لا تزال حرب أكتوبر توضع كنموذج عالمى للحروب المعاصرة فى المعاهد العسكرية فى العالم، ولا تزال أسرارها الثرية والمتعددة طى معاهد الأبحاث العسكرية، وبشهادة كبار الجنرالات العالميين، فإن أكتوبر صناعة مصرية تشبه بناء الهرم فى عصور مصر القديمة.
من يستعد مانشيتات الصحافة فى لندن وباريس، وواشنطن، وبرلين، وتل أبيب، يكتشف أن حرب أكتوبر غيرّت الأفكار العسكرية والتكنولوجية، وتسببت فى صعود أسلحة واختفاء أخرى، فقد كانت حربا إلكترونية كاملة، جعلت الإستراتيجية العسكرية فى أمريكا وروسيا تنظر على أنها بداية الحرب الحديثة الحقيقية، فلا نكشف مفاجأة عندما نقول إن الطائرات المسيرة الحالية، كانت هناك فى تلك الحرب، تحت اسم طائرات دون طيار، لقد استخدمتها إسرائيل من خلال الجسر الجوى الأمريكى الذى شارك فى الحرب، ونستطيع القول إن مخازن السلاح العالمية تم إفراغها فى ساحة تلك المعركة، وتم تجريب كل شىء، لكن عبقرية الجندى المصرى استطاعت أن تتغلب على هذه الترسانة الرهيبة، بمفهوم "التحدى والاستجابة"، كان هناك تحدٍ هائل واستجبنا، وانتصرنا عليه. فى مسارح العمليات تتقاتل الأسلحة، وفى مسارح السياسة، كانت هناك المعارك الدبلوماسية الكبرى التى أفضت إلى قطع البترول العربى عن الغرب، وكانت النتيجة أن وجد الغرب نفسه يعيش فى الظلام فجأة، واكتشف أن الشرق حين يريد، يستطيع.
كانت المرة الأولى فى الحروب التى يستخدم فيها الاقتصاد بهذه الكثافة، كسلاح لا يقل ضراوة عن أسلحة المعركة، ولحظتها عرف الغرب أن الإستراتيجية السياسية والعسكرية تتغير للأبد. فإدخال عنصر الاقتصاد بهذه القوة، جعلهم ينظرون إلينا نظرة مختلفة، بعد أن كانوا يظنون أن مصر والمحيط العربى لا يمكنهما أن يهزما إسرائيل. إسرائيل اكتشفت أنها قابلة للهزيمة، وقد هزمت بالفعل، وهزم معها الغرب الذى كان يدعمها، فقرر فى تلك اللحظة أن يغير من مفهومه نحو الشرق الأوسط، ويتحرك بإيجابية، ويقدر حاجة العرب إلى التحرر الواجب والمشروع.
فى ظهيرة السبت، السادس من أكتوبر، تغيرت إسرائيل إلى الأبد، ولا تزال بعد مرور 52 عاما، تنظر إلى هذه الحرب، كفارق تاريخى بين زمنين، كانت تعتقد فى اليوم التالى بعد الخامس من يونيو، عام 1967 أن مصر ستذهب إليها مستسلمة، فإذا بها تقف، تقاتل، وتبنى، وصولا إلى السادس من أكتوبر الذى غير العالم للأبد، وغير إسرائيل من الداخل، وفهمت أن غرور القوة لا يمكنه أن يستمر، ولا يمكن أن تتكيف معه حضارة تعود إلى 7 آلاف عام.
وما تدمير خط بارليف بخراطيم مياه إلا سر صغير من أسرار العبقرية المصرية، ونتيجة لهذا التغيير البنيوى العميق أن أصبحت إسرائيل جزءا من توقيع اتفاقيات سلام، لتخرج فى النهاية من كامل الأراضى المصرية، وهو ما لم تفعله فى أى مكان آخر إلى الآن. لقد بادرت مصر بالرد، وانتصرت وبادرت أيضا بالسلام، كنتيجة حتمية للنصر فى هذه المعركة، وبهذا طبقت مصر ما قاله الفيلسوف العسكرى الألمانى كلاوزفيتز، إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، ولأنها مصر تعرف أين تقف؟ ومتى تمضى؟
إن درس حرب أكتوبر الماثل أمامنا نستدعيه الآن وسط معارك ملتهبة فى الإقليم، وبين تصدعات عالمية غير مسبوقة، لنؤكد أن سلام القوة الذى تؤمن به إسرائيل لا يمكن أن يكون حلا لها أو لغيرها، والأفضل أن نستعيد جوهر السلام القائم على العدل، وإعطاء الحقوق لأصحابها، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولعل أهم درس لنصر أكتوبر، هو أن مصر والمصريين مسألة غير قابلة للجدل، حين يتعلق الأمر بالتكيف مع أي احتلال، أو أية ضغوط سياسية، أو أية محاولات لفرض إرادة قد لا تناسب المصريين، هنا تتحرك مصر وتبادر، وتفاجئ العالم السياسى، كما فعلت فى كل تاريخها الطويل.
رحم الله أبطال ذلك النصر، وحفظ قواتنا المسلحة، جيلا بعد جيل، فكل جيل يسلم الراية بأمانة إلى الأجيال التالية، هذه هى مصر. هذه هى مصر، فلا ترتجف.