إذا ما تحوّل الضمير الإنسانى إلى غائب، دمرَت المجتمعات ذاتها بذاتها، لأنها افتقرت إلى عناصر التضامن والإخاء. فكل مجتمع أو وجود بشرى لا يستطيع أن ينجو إلا بمشاركة الخير بين البشر، بوصفه الشرط الذى يجعل الوجود ممكنًا، ولأن التضامن المعبّر عن المشاركة هو محصلة مشاعر وأحاسيس فطرية عديدة مثل التعاطف والرأفة والرحمة وغيرها من السمات الإنسانية، بوصفها شروطًا أساسية لبقاء الإنسان فى حالة توازن نفسى مستمر، نجد أعلى حالات الانتحار فى المجتمعات الغربية، وقد زادت بدرجة كبيرة ومقلقة فى جميع المجتمعات.
ليست مصادفة على الإطلاق محاولتنا الربط بين الحداثة التى جاءت متوائمة مع الانهيار الأخلاقى، ومدفوعة بجشع مشترك مخيف للسلطة والنفوذ فى عالم السياسة. وقد امتدت أعراضه إلى المجتمعات فتحولت إلى شتات، وضاع الانتماء الأسرى والمجتمعى، وأيضًا للوطن، لأن كل فرد شعر بأنه ضيف غير مرغوب فيه داخل وطنه، فضاع حاضره لفقدانه هويته الجماعية وطابعه الإنساني.
هنا تكمن قيمة الذاكرة الإنسانية كسجل للبقاء؛ فهى لا تكتفى بالحيلولة دون انحلال الماضى التام فى مجرى الزمن واختزان ما يتبقى، بل تساعد وتقفز قفزات صغيرة نحو التجربة كمبدأ محدد للسلوك الإنساني.
هذا الإدراك والعمليات المزدوجة داخل العقل الإنسانى من تذكّر، وإعادة ترتيب، وإهمال ما يجب إهماله من الماضى، وإعطاء ما يهم الأفضلية عند استرجاع التجارب، يساعدنا على حسن الاختيار فى تعاملاتنا مع الآخرين، من خلال معايير وقواعد أخلاقية مقبولة للنفس السويّة. وهى الفيصل سواء كانت مؤلمة أو مشجّعة، ناجحة أو فاشلة. ومهما يكن، فإن ما يحدد اختيار كل إنسان هو أصله، فإذا كان أصل الاختيار الإنسانى هو الخير المطلق بغض النظر عن التوقعات أو النتائج غير المرضية، حينها يكون قد نجح فى اختبار الإنسانية.
فالفرد فى أى مجتمع ليس وحده فى هذه الصراعات اليومية، فليست صراعات بين جوهر فرد واحد منعزل وكتلة اجتماعية، وليست علاقة زمنية اجتماعية غير متمايزة أو حضورًا فرديًا وحدانيًا، بل إنها تتوسط كل ذلك وتكتمل عناصرها وتتشابك دون انتفاء عنصر منها. فالماضى الإنسانى بكل ذكرياته ما هو إلا إرث يتشارك فيه الفرد مع من حوله من جيله وأسرته ومجتمعه، والغرض من الوجود الإنسانى أن يجعل الإنسان من ذلك الماضى عملًا متواصلًا لمجتمعه أيضًا، وليس لنفسه فقط.
وسط هذا الصراع الصعب والمتناقض سنجد دائمًا أن الحدود التى تلتقى عندها الأجيال هى منطقة بلبلة على الدوام، مما زاد من حالة الافتراق والتفرق. ولن ينقذنا بحق إلا تهيئة مساحة كبيرة للحوار ومقدار أكبر للتفهّم، لنسمح للتراث الإيجابى المعزّز للضمير بالانتقال إلى تلك الأجيال الجديدة.
هذا لا يعنى أن نجمد الماضى ونوقف الزمن، بل استدعاء الماضى طلبًا للدعم، خصوصًا فى المجالات الأخلاقية، لنصل إلى أرضية تتجمع فيها كل الظواهر غير اللائقة، ونحددها ونبرز آثارها على الفرد والمجتمع، ونمنح البديل الأخلاقى مساحة للتأمل، لنتقارب لا بروح المقارنة والمنافسة، بل بروح التقارب والالتقاء ليكون ثمّة متسع يكفى الجميع.