مقالات رئيس التحرير



فلسطين وحتمية السلام

11-10-2025 | 17:34
جمال الكشكي

لكل حرب نهاية مهما طال زمانها، واتسع مكانها، عامان مرا على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، الخسائر فادحة، أكثر من 67 ألف شهيد، وأكثر من مائتى ألف جريح، دمار وخراب وكوارث بلا حدود. ركام سياسى واقتصادى ومعنوى عميق.
الحرب تجاوزت حيزها الجغرافى، طالت لبنان، سوريا والعراق واليمن وإيران، انتقلت من الرد على هجوم السابع من أكتوبر عام 2023، إلى أوهام توسعية بعنوان "إسرائيل الكبرى".
تداخلت الحسابات، ارتبكت التقديرات، ثمة إفاقة لدى أوروبا، وثمة انتباه لدى الرأى العام الأمريكى، بلغت الأخطار حدا بات يهدد استقرار العالم.
توالت الاعترافات بدولة فلسطين، أصابت الصدمة مخططى الحرب الإسرائيلية، النتائج جاءت عكس التوقعات والتقديرات التى وصفها بنيامين نتنياهو فى خطابات بالأمم المتحدة، وأمام الكونجرس الأمريكى، وفى حوارات مع وسائل الإعلام، وجميعها صبت فى أنه يحارب الإرهاب، فى تغافل كامل بأنه يقاتل شعبا يحوز على هذه الأرض باعتراف كل القوانين الدولية، حتى إن المحكمة الجنائية، ومحكمة العدل الدولية كلتيهما تلاحقان نتنياهو.
لكل حرب نهاية، لكن لا يجب إغفال حجم الخسائر والتداعيات الكارثية لعامين، هما الأصعب فى تاريخ النظام الدولى الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
كل التجارب والمحطات التى مرت بها المنطقة والإقليم، تؤكد أن السلام الإستراتيجى الحقيقى لا يمكن أن يتحقق من دون عدالة وإنصاف للقضية الفلسطينية التى تنزف منذ أكثر من قرن.
إذا استدعينا الميراث الدموى الطويل، سنجد أنفسنا أمام محطات صعبة اجتازها الشعب الفلسطينى، وتمسك بأرضه منذ ثورة القدس عام 1920، تلك الثورة المزدوجة التى واجه فيه الفلسطينيون الانتداب البريطانى من ناحية، والعصابات الصهيونية من ناحية أخرى.
وبعد عقد كامل من ثورة القدس، انفجرت الأوضاع مرة أخرى، حين حاول المهاجرون اليهود السيطرة على حائط البراق، فى ثورة سميت بثورة البراق.
بالطبع قمع المحتل البريطانى المنتدب على فلسطين، هذه الثورات، سواء فى القدس أم يافا، لكن بعد سنوات قليلة اندلعت أكبر ثورة فلسطينية عام 1936، وانتهت بكتاب أبيض بريطانى عام 1939.
كان يمكن أن تُحل المسألة من جذورها، لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية مزق الكتاب الأبيض، وصارت الهجرة اليهودية إلى فلسطين مفتوحة على مصراعيها نتيجة توافق بريطانيا، مع ما يسمى الفيلق اليهودى الذى حارب إلى جانبها فى الحرب العالمية الثانية، فكانت المكافأة أن ساعدت بريطانيا إسرائيل على الاعتراف بها دوليا عبر الأمم المتحدة، عام 1948، وشاركتها فى العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، ودعمتها فى المحافل الدولية، رغم أن الانتداب كان يسمى الانتداب البريطانى على دولة فلسطين.
النكبة غيرت وجه الشرق الأوسط، وتغير معها أنظمة، وحدثت ثورات، وجد الفلسطينيون أنفسهم فى المنافى واللجوء، وصدر لهم القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين إلى ديارهم، ورغم ذلك، وبعد مرور ما يقرب من ثمانين عاما، لم ينفذ هذا القرار الدولى.
ثمة لحظة فارقة، بعد تهجير الفلسطينيين خارج الأراضى الفلسطينية عام 1948، اعتقدت إسرائيل أنها تخلصت من المسألة الفلسطينية، لكنها فوجئت بمعركة الكرامة عام 1968، فى غور الأردن بعد أن أصبح للفلسطينيين منظمات وفصائل تقاتل من أجل إنهاء الاحتلال.
خرج معظم أعضائها من المخيمات التى ظنت إسرائيل أنها ستكون المأوى الأخير لهذا الشعب، لكن الفلسطينيين فاجأوها بأنهم لن يتخلوا عن حلم التحرير والعودة.
بعد سنوات اندلعت الانتفاضة الأولى التى سميت بانتفاضة الحجارة عام 1987، وأفضت إلى مؤتمر مدريد عام 1991، واتفاق أوسلو عام 1993، ثم جاءت الانتفاضة الثانية عام 2000، حين اقتحم أرييل شارون باحة المسجد الأقصى فى حراسة ثلاثة آلاف جندى، وانفجرت الأوضاع وانتهت بانسحاب شارون من قطاع غزة عام 2005، دون اتفاق مع السلطة الفلسطينية، وتركت الفلسطينيين يتقاتلون ما بين فتح وحماس، ذلك القتال الذى أفضى إلى انقسام حاد بين الضفة وغزة، وكان ذلك تخطيطا إسرائيليا، لتصفية القضية الفلسطينية فى مرحلة لاحقة.
لذا اندلعت منذ الانقسام عام 2007 ست حروب، آخرها حرب السابع من أكتوبر، عام 2023، التى كادت تدمر النظام الدولى بالكامل، وكشفت حاجة الإقليم العربى إلى حماية أمنه القومى، وتأكيد دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، وأن أخطار الحروب والأطماع لن تفضى سوى إلى مزيد من التقسيم والتمزيق ليس فقط لخرائط المنطقة، بل لخرائط العالم.
لا سلام بدون دولة فلسطينية، وهذه الحرب ستتوقف، فهى فى النهاية سياسة بوسائل أخرى، لذا كانت مصر على إدراك بالخطر المحيط بالمنطقة منذ اندلاع الحرب، ولم تغير موقفها الصارم والقاطع تجاه كيفية الحل فى الشرق الأوسط.
من ثم تأتى المفاوضات فى شرم الشيخ، التى تجرى برعاية مصرية وقطرية وأمريكية، لتضع حدا للتدمير الذى يحدث، وفى الوقت نفسه حماية الشعب الفلسطينى، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى خطر حرب، قد تؤدى إلى حرب عالمية ثالثة، لذا فإن مصر تؤكد على هذه الفرصة النادرة أمام كل الأطراف، حتى لا تسمى القضية الفلسطينية، قضية الفرص الضائعة.
برغم أن إسرائيل تعلن عن أهدافها وتساعدها الولايات المتحدة الأمريكية على مختلف الأصعدة، فإن فشلها فى تحقيق هذه الأهداف يكمن فى الوحدة الفلسطينية، وتشكيل قيادة واحدة تتخذ قرار الحرب أو السلام دون أن نجد الفلسطينيين موزعين بين منظمات وفصائل وجماعات، وكذلك فإنه آن الأوان أن نتخلص من عبء الدول الإقليمية التى تتخذ من قضية فلسطين قميص عثمان، وقد حان الوقت أن ننتهز فرصة التعاطف الدولى الكاسح مع القضية الفلسطينية، والاعترافات المتتالية من 90 % من سكان الأرض، إنها فرصة يجب ألا تضيع.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام