مقالات رئيس التحرير



حين تكلم الرئيس

16-10-2025 | 20:03
جمال الكشكي

حين تهاوت مواقف العواصم، وقفت القاهرة على خط النار كمن يحرس ميزان التاريخ والقيم.
من يظن أن مصر  يمكن أن تغير مواقفها, فهو لا يعرف تاريخها.
مصر تتحدث، العالم فى ضيافة شرم الشيخ، عاصمة السلام تكتب وثيقة الاستقرار ، الحدث المصرى خبر رئيسى فى الإعلام العالمى، الدبلوماسية والسياسة والقوة على الهواء مباشرة.
الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئيس بحجم مصر، استقبل القادة والزعماء الكبار، بكل إصرار على ترسيخ مفهوم مصر للسلام الإستراتيجى، لحظة أدرك فيها العالم أنه أمام مصر الدولة والدور .
حضور أكثر من 30 دولة، وحضور الولايات المتحدة الأمريكية، أقوى قوة  عالمية، يعنى أننا بدأنا اليوم التالى للسلام، مع ملاحظة أن الرئيس السيسى أكد أمام الجميع على حل الدولتين، وأن إيقاف الحرب هدف نبيل، لكن الأنبل هو الشروع فورا فى تنفيذ مبدأ إنشاء الدولة الفلسطينية، وثمة ملاحظة مهمة، وهي أن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، تغيرت بعض مفرداته فى شرم الشيخ، حول ضرورة إقامة السلام لكل الشرق الأوسط، ودون تفاصيل كثيرة، فإن ترامب وفريقه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين سيبقيان فى المنطقة بعد مؤتمر شرم الشيخ، يشير إلى أننا فى الخطوة الأولى نحو سلام دائم، إن خلصت النيات، فمصر لا تسمع الأوهام التى تتحدث عن إسرائيل الكبرى أو الصغرى.
الدولة المصرية فى كل المحطات، تقف فى قلب التاريخ، كما هى فى المنتصف الجغرافى عالميا، وعلاقاتها إستراتيجية بكل القوى الدولية فى الوقت نفسه، وأظن أنه بعد أن تضع الحرب أوزارها، سوف تبدأ مصر فى اليوم التالى، العمل لإيجاد حلول جذرية للأمن القومى العربى فى البحر الأحمر والسودان، وليبيا، وصولا إلى حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل العظيم.
إن مصر وضعت ركائز واضحة أولاها: إيقاف جميع الحروب فى الشرق الأوسط، وعدم توسيعها تحت أية ذريعة.
ثانيتها: الإعلان عن دولة فلسطينية معترف بها دوليا، ضمن مفهوم حل الدولتين، وقبل ذلك منع التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية، والإسراع فى إعادة الإعمار فى غزة، وعدم الفصل بين غزة والضفة والقدس.
ثمة إشارة، وشفرة تستحقان التوقف والتأمل، وهما أن المؤتمر عقد فى شرم الشيخ، فى سيناء المقدسة، وكذلك من مدينة العريش تذهب المساعدات إلى غزة، وهى فى سيناء أيضا، والرسالة المصرية هى: لا مساومة على أية ذرة رمل مصرية، ولا تهاون فى حماية الأمن القومى المصرى والعربى.
إن هذا الدور العظيم الذى قامت به الدولة المصرية، بكل مؤسساتها رفيعة المستوى، ينطلق من موقف ثابت وراسخ عن القضية الفلسطينية، كأهم قضية مركزية للأمن القومى العربى والعالمى، فحين وقعت أحداث السابع من أكتوبر 2023، انفجرت الحكاية من قلب غزة، فاهتزت الجغرافيا كلها، وبدت القاهرة كمن تستعيد ذاكرة عواصف المنطقة، حين كانت بوصلتها فى يد التاريخ لا فى يد الحدث، فى تلك اللحظة، لم تتكلم مصر بلسان الدبلوماسية، إنما بلسان الأمة التى تعرف أن النار حين تقترب من حدودها تمس روحها العميقة.
قال الرئيس عبد الفتاح السيسى عبارته الأولى: لا للتهجير، لا لاقتلاع الجغرافيا من جذورها، لا لتحويل سيناء إلى وطن بديل، كانت الجملة أقرب إلى قسم وطنى، صيغ بحروف الدم أكثر مما صيغ بلغة السياسة.
من القاهرة، تحركت العواصم لاجتماع قمة السلام فى الشهر نفسه الذى وقع فيه الحدث الأكبر، وجلس العالم تحت قبة مصر يستمع إلى من قال: الحق لا يختصر فى هدنة، بل فى عدالة تضع فلسطين فى موضعها الطبيعى، وهنا صارت مصر مرآة الضمير الدولى، ومركز البوصلة الأخلاقية فى عالمٍ أصم.
بين رفح والعريش، لم تكن المساعدات مجرد قوافل طبية، إنما رسائل من أمة حية وحيوية دائما، تفتح مصر معبر رفح من جهتها على مدار الساعة، لا لتدخل منه الشاحنات فقط، إنما لتمر عبره إنسانيتها التاريخية، تلك التى لا تفصل بين الواجب والسيادة.
يقول الرئيس السيسى دائما، إن مصر لا تشارك فى ظلم، لكنها تدافع عن القضية الفلسطينية، كحق شرعى طبقاً للقوانين الشرعية الدولية، وإنها لن تسمح باختراق حدودها فهذا خط أحمر، وتفهمت معظم دول العالم الرشيدة الموقف المصرى، وقد تجلى مرة أخرى فى مؤتمر شرم الشيخ أكتوبر 2025 أمام نخبة من زعماء العالم الكبار .
تحولت القاهرة إلى مركزٍ للمحادثات العالمية: وفود أمريكية، إسرائيلية، عربية، أوروبية، وآسيوية، تأتى وتغادر، فى كل لقاء، كانت مصر توازن بين الضرورة والمبدأ، بين الأمن القومى والضمير العربى، لم ترفع صوتها بالصراخ، لكنها جعلت الجميع يسمعها ويقرأ رسائلها الواضحة.
فى نهاية 2023، كان العالم يكتشف أن الحرب فى غزة ليست اختبارا للفلسطينيين وحدهم، وأنها كانت اختبارا لمصر، وصبرها الإستراتيجى حربا وسلاما.
الرئيس السيسى يرى أن الاستقرار لا يبنى فوق الركام، رؤية موجزة، تعيد تعريف الدبلوماسية المصرية: الواقعية التى لا تنفصل عن حماية الأمن القومى.
 من منصة مجلس الأمن، قالت مصر: لن نسمح بتكرار النكبة، عندها تحولت السياسة المصرية إلى لغة تحرس المعنى والعدل، أكثر مما تحرس المصالح، وإن كانت مهمة.
حين دعا الرئيس السيسى لإعمار غزة، إنما كان يؤكد أن غزة ليست قضية حدود، إنما قضية هوية، لشعب وقع تحت ظلم طويل.
مع مطلع 2025، تغير الإيقاع، صارت مصر لا تعلق على الحدث، إنما تصنعه، أطلقت مبادرة «السلام المتوازن»، ورفعتها بيدها إلى العواصم الكبرى، كانت المبادرة إعلانا عن عودة الدور المصرى كما هو دائما فى المحطات الفارقة.
المعادلة التى أرادتها القاهرة لم تكن بين نار وسلام، إنما بين ذاكرةٍ وعدالة، أرادت أن تقول للعالم: إذا لم تتوقف الحرب، فلن يبقى أحد آمنا.
فى كل محطة، أعادت مصر تعريف نفسها، لم تكن فقط دولة وسيطة، إنما عقل العالم حين يختل توازنه، كانت تحاول أن تبقى معنى العدالة حيا فى زمن فقد معناه.
من القاهرة إلى الأمم المتحدة، ومن رفح إلى شرم الشيخ، امتدت خيوط الرؤية المصرية كنسيج واحد: الأمن لا يبنى بالقنابل، إنما بالإنصاف، والحدود لا تصان إلا إذا حفظت الكرامة.
العام الثانى للحرب شهد الخطاب المصرى، قوة وعمقا، ولم يتردد فى الإعلان عن نفسه، صار يتجاوز تفاصيل النار إلى فلسفة العدالة، بدت مصر كمن يتحدث لا عن حرب فى غزة، إنما عن امتحان للعصر كله.
العالم يسمع مصر، كما يسمع الضمير، أوروبا تبحث عن التوازن، أمريكا تراجع حساباتها، والمنطقة كلها تستعيد ما نسيت: أن مصر لا تتكلم إلا حين ترى الخطر يقترب من الوجود ذاته.
فى شرم الشيخ 2025، مصر هى الكلمة الأخيرة فى خطاب عالمى طويل.
بعد عامين من الحرب، لا تزال القاهرة على موقفها الأول: لا للتهجير، لا للتصفية، لا للابتزاز السياسى، بقيت فى المنتصف، لا بين طرفين، بل بين ضميرين: ضمير العالم وضمير التاريخ.
حين يكتب هذا الزمن بعد عقود، سيقال إن مصر لم تكن تراقب النار، إنما كانت تمسك بألسنتها، وتمنعها من أن تلتهم ما تبقى من المعنى العربى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام