رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
مقالات رئيس التحرير
رسالة الخلود
30-10-2025
|
18:07
جمال الكشكي
اليوم، الأول من نوفمبر عام 2025، تتجه أنظار العالم إلى هضبة الأهرام، حيث يفتتح الرئيس عبد الفتاح السيسى المتحف المصرى الكبير، أضخم متحف أثرى فى التاريخ الإنسانى، ويعتبر فصلا جديدا فى رحلة الحضارة التى لم تنقطع منذ سبعة آلاف عام، ليس حدثا ثقافيا أو سياحيا فحسب، إنه فعل حضارى يعيد للعالم وعيه بميزان الزمن، ويعيد لمصر دورها الطبيعى كحارسة لذاكرة الإنسان، ففى وقت ينهار فيه المنطق، وتشتعل الحروب، وتتآكل القيم، تفتح مصر أبوابها للعالم لتقول: إن الحضارة لم تكن يوما رفاهية، إنما وعى راسخ بالوجود، واستمرار للحلم الإنسانى فى أبهى صوره.
يقع المتحف المصرى الكبير عند بوابة الأهرام، فى موقع اختير بعناية، ليكون خطوة بين الماضى الحى فى الهرم الأكبر، والمستقبل الذى تبنيه مصر فى قلب العاصمة الجديدة.
هذا المتحف خلاصة جهد علمى وهندسى امتد لعقود، شارك فيه علماء آثار ومهندسون مصريون، ليظل فى جوهره مصريا خالصا، ينهل من روح طيبة وإخناتون، وتوت عنخ آمون، ويحمل ملامح ملوك وملكات نحتوا أسماءهم على الصخر قبل أن تعرف الإنسانية معنى التاريخ.
منذ أن وضع حجر الأساس عام 2002، كان الهدف أبعد من إنشاء مبنى لعرض الآثار، كان المشروع رؤية متكاملة، لإحياء ذاكرة الأمة وتقديمها للعالم فى صيغة معاصرة تليق بمقام مصر. وجاءت السنوات التالية لتشهد جهودا ضخمة فى التصميم والتمويل والترميم والنقل، حتى تحول الحلم إلى واقع مهيب، أكثر من مائة ألف قطعة أثرية، من بينها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، التى تعرض للمرة الأولى مجتمعة، ستروى قصة الإنسان المصرى منذ فجر التاريخ حتى الآن.
المدخل الرئيسى للمتحف يضم تمثال رمسيس الثانى، الذى ظل يستقبل المصريين لسنوات فى ميدان رمسيس، قبل أن يعود إلى موضعه اللائق أمام الأهرامات، وإلى جواره تقف تماثيل الآلهة والملوك، كأنها تحرس ذاكرة مصر من النسيان. أما قاعة الملك توت عنخ آمون، فهى معجزة فى العرض المتحفى، إذ تجمع بين أحدث تقنيات الإضاءة ثلاثية الأبعاد وأنظمة العرض الزجاجى الذكى، لتتيح للزائرين رؤية كنوز الفرعون الذهبى فى حالتها الأصلية، كما وجدت فى مقبرته بوادى الملوك قبل أكثر من قرن.
المتحف المصرى الكبير ليس معرضا للآثار فحسب، إنه مركز بحثى عالمى، يحتوى على معامل متقدمة للترميم والدراسة، مجهزة بأحدث التقنيات العلمية فى تحليل المومياوات والأقمشة والمعادن والألوان.
هذه المعامل تمثل جسرا بين الماضى والمستقبل، بين العلم الحديث والحكمة المصرية القديمة التى تركت للعالم أولى خطوات الطب والكيمياء والفلك والهندسة، لذلك يعد افتتاح المتحف حدثا علميا بامتياز، يعيد مصر إلى قلب البحث الأثرى العالمى، بعد أن أصبحت مركزا للتدريب والتعاون بين البعثات والمؤسسات الأكاديمية الكبرى.
فى لحظة يعيد فيها العالم تعريف ذاته بين الحروب والدمار، تخرج مصر من بين الركام الإقليمى لتعلن أن الحضارة فعل بناء، وأن الهوية تستعاد بالعمل والعلم والجمال، فبينما تنشغل القوى الكبرى بتصدير الفوضى، تختار مصر أن تصدر النور والمعرفة، وبينما تنهار المدن العتيقة فى الشرق، تشيد القاهرة متحفا يختصر الذاكرة الإنسانية فى حجر منحوت وكلمة منقوشة.
المتحف المصرى الكبير مشروع وطنى جامع، يختزل رؤية الدولة المصرية الحديثة فى الربط بين الجذور العميقة والطموح المعاصر، فمنذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى قيادة البلاد، اتخذت مصر مسارا يقوم على استعادة الثقة بالذات، وإحياء الوعى بالهوية، وتقديم الحضارة المصرية للعالم بلغة القرن الحادى والعشرين، وجاء المتحف تتويجا لهذا المسار، شاهدا على أن مصر لا تملك تاريخا فحسب، إنما تصنع حاضرها من هذا التاريخ.
أعظم ما فى هذا الحدث أنه يأتى فى زمن مضطرب، حيث يسقط العالم فى هاوية الاستقطاب والحروب الباردة الجديدة، وتنهار جسور الحوار بين الشرق والغرب. وسط هذا الضجيج، ترفع مصر صوتها الهادئ من جوار الهرم، لتقول إن الحضارة هى الرد الأسمى على الصراع، وإن الإنسان الذى شيد الأهرامات لا يزال قادرا على أن يشيد معنى جديدا للوجود، فالمتحف المصرى الكبير إعلان عن استمرار الفكرة المصرية، فكرة التوازن بين الأرض والسماء، بين العقل والإيمان، بين الماضى والمستقبل.
توافد قادة العالم والعلماء والمفكرون والإعلاميون من كل القارات، ليروا كيف تعيد أمة قديمة رسم صورتها أمام العالم الحديث، وسيدرك الجميع أن ما قامت به مصر ليس افتتاح صرحٍ أثرى فحسب، إنه تدشين لمرحلة جديدة فى الوعى الإنسانى، حيث تتقاطع الحضارة مع السياسة، والروح مع المادة، فالمتحف الكبير يفتح أبوابه للعالم، وفى الوقت نفسه يفتح نافذة جديدة على معنى الإنسانية ذاته.
من المؤكد، أن هذا الافتتاح سيترك أثرا عميقا على السياحة المصرية، إذ يتوقع أن يصبح المتحف قبلةً لأكثر من خمسة عشر مليون زائر سنويا، مما يعيد لمصر مكانتها كعاصمة للثقافة والسياحة التاريخية فى العالم، غير أن الأهم من الأرقام هو الرسالة الرمزية، أن مصر، رغم كل ما مرت به من تحديات، لا تزال قادرة على الإبهار والعطاء، وأن الحضارة ليست ماضيا يعرض فى قاعات، إنما طاقة تستعاد وتبث فى العالم من جديد.
لقد تعلم المصرى القديم أن الخلود لا يتحقق إلا عبر الذاكرة، وأن من يكتب على الحجر لا يموت.
واليوم، يعيد المتحف المصرى الكبير صياغة هذه الحكمة فى هيئة معمارية فريدة تجمع بين الحجر والزجاج والنور، واجهته المثلثة تمتد نحو الأهرامات فى تناغم بصرى وروحى، كأنها تحاورها عبر الزمن.
أما داخله، فتمتد مسارات العرض كأنهار من الضوء، تقود الزائر من فجر التاريخ إلى ذروة الحضارة، فى رحلة تبدأ بالسحر وتنتهى بالدهشة.
فى المساء، حين تنعكس أضواء المتحف على رمال الجيزة وتتلألأ الأهرامات فى الأفق، سيشعر الزائر أن الزمن قد توقف لحظة ليتأمل نفسه، وأن مصر لم تكن يوما صفحة من الماضى، إنما كتاب مفتوح على المستقبل، فبين أنقاض الحروب، تعلن القاهرة عن ميلاد جديد للحضارة، ميلاد يستمد نوره من الماضى ليضيء وجه العالم الذى أظلم.
هكذا، فإن الأول من نوفمبر 2025، لن يكون احتفالا رسميا فحسب، إنه لحظة كونية يعاد فيها ترتيب المعنى، ستقف مصر أمام العالم، كما وقفت من قبل على ضفاف النيل، لتقول كلمتها الأبدية: إن الحضارة لا تموت، وإن الإنسان المصرى حين يصمت، فإنما ليبني.
فى ذلك المساء، حين يفتح المتحف أبوابه، سيعرف العالم أن مصر استعادت نسيج حكايتها، وأن الحكاية لم تنته بعد، إنما بدأت من جديد، ليكتب أهم رسائل البشرية بعنوان "رسالة الخلود".
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
المناورات الملونة
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام