بينما كان المصريون وكل المهتمين بالتراث الإنسانى والحضارات القديمة فى كل دول العالم، يتطلعون إلى يوم الأول من نوفمبر 2025، ويتساءلون عما سوف يسفر عنه ذلك اليوم المُنتظر لافتتاح المتحف المصرى الكبير، لم يكن أى من هؤلاء يتوقع ما أتى به هذا اليوم من جمالٍ وإعجاز بشرى حضارى قلّما نرى له مثيلاً.
ذلك، أن التساؤلات التى طرحت قبل الحدث عما يمكن توقعه من إخراج للحفل ومظاهر للاحتفال ومحتوى فنى واستعراضى، كلها لم ترق أبدا لما رأيناه بأعيننا على شاشات التليفزيون، وما رآه الحضور من الضيوف والمدعويين رؤى العين. فها هى منصة العرض والتى لم تنصب ممتدة من محيط المتحف، وحتى أعماق منطقة الأهرامات الكائنة على بعد كيلو مترات من موقع المتحف، وحسب، لكنها امتدت لنرى فى ذات التوقيت عازفى الأوبرا فى فرنسا وأمريكا والبرازيل، يشاركون العازفين المصريين عزفهم فى ذات التوقيت، فى رسالة واضحة للعالم أن الحضارة المصرية القديمة بكل ما فيها من إبداع ليست حكراً على المصريين فقط، بقدر ما هى تراث إنسانى يجب على العالم كله الحفاظ عليه، لما فيه من عمق تاريخى ومثل حضارى يحتذى به، وكما جاء فى كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى إن الحضارة المصرية القديمة كانت من أوائل الحضارات التى «خطت أول حروف المعرفة، وأطلقت أول شرارة للفكر والعقيدة والفن»، كما شدّد على أن المتحف الجديد هو جسر يربط الماضى بالمستقبل، ويؤكد أن «الحضارة المصرية لا تموت، بل تتجدّد جيلا بعد جيل»، وذكر سيادته أن المتحف ليس فقط لعرض القطع الأثرية، بل «منارة علمية وثقافية للحوار بين الشعوب». من هنا كانت رسالة مصر للعالم واضحة جلية فى كلمات رأس الدولة المصرية. ومن هنا انطلقت فاعليات الحفل فى سلسلة من الرسائل الحضارية المرسلة من مصر للعالم كله، فبالإضافة إلى ذلك الأداء الموسيقى الرائع، الذى تناغمت فيه عقول الموسيقى المصرية مع مثيلاتها فى دول تبعد آلاف الأميال، جاءت أصوات التينور المصرى العالمى رجاء الدين أحمد، والسوبرانو المصرية العالمية فاطمة سعيد ومثيلتها شيرين أحمد طارق، وذلك المزج بين الفلكلور للفنان النوبى أحمد إسماعيل، وترانيم الصلوات المسيحية للشماس مينا فهيم، والتواشيح الدينية للمبدع صاحب الصوت السماوى الشيخ إيهاب يونس، واللقطات البديعة الممتدة من معابد الأقصر وسفح الأهرام، ليتعرف العالم على ذلك الامتداد الحضارى وذلك المزيج الملهم الذى قلما يتكرر، وليؤكد أن المصريين عازمون للحفاظ على تراثهم وعلى إحيائه وتقديمه للعالم فى أبهى صوره. وقد كان للمرأة المصرية صورتها البهية فى هذا الحدث، فبالإضافة لفنانات الأوبرا العالميات المذكورات تواً، شاهدنا إبداع المايسترو دنيا الدغيدى والمايسترو إيمان الجنيدى، قائدتى فرقتى الأوركسترا العالمى عند المتحف وعند سفح الأهرامات. وقد اكتمل ذلك الإبداع وتلك الصورة الجميلة بعازفتى الكمان الأختين أميرة ومريم أبو زهرة، اللتين أبهرتا الحاضرين، مما دفع الرئيس الألمانى لطلب التقاط صورة تذكارية معهما. أما الحضور الدولى والذى تمثل فى وجود 79 وفدا دوليا منهم 39 على مستوى الرؤساء والملوك، فإنما جاء دليلا على ذلك الإهتمام العالمى بمصر الماضى ممثلة فى تراثها الإنسانى، ودليلا على الثقل السياسى والإنسانى للدولة المصرية المعاصرة، وذلك ما رأيناه فى وِد وحفاوة اللقاء بين الرئيس المصرى وضيوفه من رؤساء الدول والوفود. وهنالك أيضا تلك الرسالة الجميلة، التى أرسلتها مصر بمشاركة الطفل آسر أحمد حمدى مع الفنانة فاطمة سعيد والتى أوعزت إليه بقضاء الوقت بصبر فى سبر أغوار حضارة وطنه القديمة، فإذا به يحمل مصباحاً وينطلق داخل المتحف المهيب، لينظر إلى ما صنعته أيادى الأجداد فى سالف الزمان لتكن تلك الحضارة نبراسا يضيء مستقبل الأجيال المقبلة. أما سماء العرض فقد أبت إلا وأن تشارك فى الحدث المهيب، فتلك الطائرات الذاتية (الدرون) ترسم قناع الملك توت ومراكب الشمس والمسلات، وتلك هى طائرات الخفاش الخفيفة تسحب فى السماء لافتات الترحيب بالضيوف على أرض مصر، أرض السلام. لم ينته العرض إلا وقد نقلت الكاميرات صورا للمسلات المصرية التى تزين ميادين كبرى مدن العالم، وهى تضيء معلنة حنينها إلى أرض الوطن، فلم تعد هناك حجة لبقائها فى منفاها، فها هى مصر تثبت للعالم أننا خير من يحفظ التراث، ويصون القديم ويربط الماضى بالحاضر. لقد كانت ليلة، ازدادت فيها مصر الزاهية زهواً وطالت أعناقنا أطراف السماء فخرا وعزة. تحيا مصر تحيا مصر