مقالات



كيف كانت وكيف صارت.. (2)

8-11-2025 | 20:41
د. إيمان طاهر

كما كانت مشكلة ألمانيا، فى بعدها عن المسارات الدستورية الطبيعية وتحكم الإمبراطور بالسياسة والحكم، فغابت حالة التوازن بين السلطات، كانت فرنسا – وهى الجمهورية بتاريخها الدستورى – تواجه الأزمة ذاتها فى نهاية القرن التاسع عشر، حين تصارعت سلطات الدولة الحديثة مع النفوذ الكنسى القديم، برغم محاولة البابا، ليون الثالث عشر، نفى الصراع برسالة طمأنة أعلن فيها أولوية الشعب على الفاتيكان، ودفع سرًا بجاك بيو – أحد أبرز رموز الحركة الكاثوليكية ومؤسس اليمين الدستورى – إلى الواجهة‪.‬

وبالتوازى، كانت قوة جديدة تتشكل، هى اليسار الاشتراكى، الذى مثّل هاجسًا للأجهزة الأمنية بمبادئه الرافضة للملكية، والساعية لإصلاحات اجتماعية وسياسية، وفى خضم هذا الحراك، انفجرت فضيحة قناة بنما، حين انهارت الشركة، وظهرت وثائق كشفت رشى ضخمة لمسئولين وسياسيين وإعلاميين، فخسر أكثر من 800 ألف مواطن استثماراته، ‪ ‬ولم تفلح السياسات القديمة فى التستر على الفضيحة، أو احتواء الغضب الشعبى، فانتهى الأمر باغتيال رئيس الجمهورية، سادى كارنو، عام 1894، على يد الإيطالى سانتى كازيريو‪.‬

ثم برزت «قضية درايفوس»، حين أدين الضابط اليهودى، ألفريد درايفوس، بتهمة تسريب أسرار عسكرية لألمانيا، قادت زوجته وشقيقه حملة للدفاع عنه، وانضم إليهما الكاتب الشهير إميل زولا، الذى نشر سلسلة مقالات تحت عنوان «أنا أتهم»، فضح فيها معاداة الجيش للسامية وتستره على الجانى الحقيقى، أشعلت القضية غضبًا شعبيًا واسعًا، وعلى الرغم من إدانته بالأشغال الشاقة، صدر العفو عنه بعد أربع سنوات، ولم يكن من المصادفة، أن يستغل تيودور هرتزل تلك اللحظة المشتعلة ليطلق حركته الصهيونية الأولى‪.‬

احتدم الصراع السياسى، وتزايد انقسام المجتمع، فعاد اليمين إلى الواجهة بفضل الشاعر والمفكر شارل مورا، المناهض للنظام البرلمانى والمؤمن بالملكية، الذى أسس حركة العمل الفرنسية، وقد منحها مظهرًا جديدًا خاليًا من المرجعية الملكية، لكنها تحولت إلى تيار مضطرب فى مفاهيمه. وتعددت الحركات المعارضة من مثقفين ونساء وشباب، حتى أدرك الساسة خطورة الفوضى السياسية، وبرغم حالة الهدوء النسبى التى عُرفت بها حكومة، جون ميلين، فإنها فشلت أمام تصاعد التوترات، فصعد بيير مارى فالديك – المحامى الجمهورى الوسطى – حاملًا شعار “حكومة الدفاع الوطنى ضد اليمين المتطرف”، وشكّل حكومة ائتلافية ضمت الراديكاليين والكاثوليك المعتدلين والاشتراكيين، فإن اختلاف الاتجاهات جعلها تواجه أزمات متكررة، وأعلن الراديكاليون دعمهم العلنى للماسونية – التى نشأت كحركة عمالية فى أسكتلندا فى القرن السابع عشر – ما زاد من حدة الصدام السياسى، بينما رأى المحافظون فى ذلك بداية انهيار فرنسا الأخلاقى والسياسى‪.‬

استدعت الحكومة الجنرال جالييفى، لتثبيت النظام داخل الجيش والحفاظ على تماسكه، وهو الرجل المعروف بصرامته منذ قمعه ثورة كومونة باريس عام 1871، وبفضل شخصيات كاندريه تاردييه وجوزيف بول، استعادت السياسة الفرنسية توازنها، وأعادت الأحزاب تنظيم صفوفها‪.‬

تلك الأوضاع الفرنسية، كانت على نحوٍ ما صورة مكررة لما شهدته إيطاليا فى زمن ما بعد النهضة، حيث ساد الارتباك وفقدت القيادات وضوح الرؤية، تولى فرانشيسكو كريسبى، وهو فى الثامنة والسبعين، زمام الحكم بطاقة ودهاء، مستندًا إلى أغلبية برلمانية، فأعاد التنظيم الإدارى للدولة، وأقر إصلاحات واسعة، لكنه تجاهل التغيرات المستقبلية، مما أدى إلى تراجع النشاط التشريعى، واستمر الضعف الاقتصادى، وتفككت القاعدة الشعبية، ومعها تراجعت الإمبريالية كأداة نفوذ قديم‪.‬

ومع تزايد الأزمات، جاء الماركيز رودينى رئيسًا للحكومة محاولًا إنقاذ الموقف، لكن ضعف الليبراليين وغياب التمثيل الشعبى الحقيقى فتح الباب أمام الاشتراكيين والكاثوليك للعودة إلى المشهد، برزت أسماء جديدة، مثل رومولو مورى، الذى أسس مجلة «الحياة الجديدة»، لمواجهة المد الاشتراكى، فعاد الدين فى ثوب عصرى حديث‪.‬

وبرغم نُبل أيديولوجية رودينى الليبرالية، فإن الواقع كان أقوى من المثالية، جاء موسم زراعى قاسٍ أصاب البلاد بالقحط، فازداد الغضب الشعبى، وارتفعت وتيرة العنف والفوضى، وخرجت “الهيستيريا الإيطالية”، لتنهى القرن على وقع الاغتيالات: مقتل الرئيس الفرنسى سادى كارنو، ورئيس الوزراء الإسبانى كاتوفاس، والأميرة النمساوية فى جنيف على يد إيطاليين متطرفين‪.‬
اشتدت المواجهات، وواجه الجنرال فيورينسو، المتظاهرين فى ميلانو بمدفعية الجيش، فقتل المئات، ثم كُرّم بوسام عسكرى، ما فاقم الغضب الشعبى، انقسم البرلمان بين دعاة الليبرالية وأنصار المواجهة، إلى أن جاء الجنرال لويجى، بسياسة تشريعية قمعية، زادت الانقسام وأدت إلى انتخابات مبكرة، حصل فيها اليسار المتطرف على 100 مقعد، ومع اغتيال الملك أومبرتو الأول، على يد جابرييل توبرينى، تلقت البلاد صدمة عنيفة أعادت الوعى بخطورة الانقسام‪.‬

عندها استعادت الحكومة رشدها، وأسندت القيادة إلى زاناتارديلى، رمز الليبرالية القديمة، ليبدأ القرن الجديد بسياسة تضمن الحقوق الفردية والحريات العامة‪.‬
وكان هذا التحديث السياسى بجملته، هو ما مهد للقرن الجديد، وعلى الرغم من إنهاء الأفعال المباشرة الحيوية العتيقة بأشكالها، وأخذها فى الأفول باستثناء بعض الأحداث الفوضوية، فإن الاهتمام بالسياسة كمبدأ يحمل الكثير من المرونة والمشاركة أطلق حركة إحياء جديدة.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام