مقالات



إسرائيل ومعضلة الضم والفصل

8-11-2025 | 20:44
نبيل عمرو

الضم.. يعنى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية أو أجزاء واسعةً، منها بما هو أبعد من المستوطنات.
والفصل.. هو تحويل العائق الجغرافى بين الضفة وغزة، إلى فصلٍ دائمٍ ونهائى، بحيث لا مجال لقيام دولةٍ فلسطينيةٍ على الأراضى التى احتلت فى العام 1967، وإذا ما أضيف للأجندة الإسرائيلية فصل القدس، الذى بدأ منذ الأيام الأولى لاحتلالها فى حزيران 1967، فيكون الفصل فى الحالة هذه شاملاً لكل الجغرافيا الفلسطينية، ويتخذ سمة وواقع التمزيق.
فيما يتعلق بالضم، فقد ظهر جليا أن تجاوز التهديد به، إلى تطبيقه على الأرض، باتخاذ إجراءاتٍ تشريعيةٍ وإدارية وأمنية، لابد وأن يكون باهظ الثمن على إسرائيل، ذلك أن الضم الرسمى إن تم بقرار برلمانى وحكومى، فهو إعلان رسميٌ صريح بأن الدولة العبرية أعلنت نفسها دولة فصلٍ عنصرى، وذلك لاستحالة المساواة بين مواطنيها اليهود، والمواطنين الذين سيتم ضمهم، وهم فى هذه الحالة يعدون بالملايين.

إسرائيل التى فشلت فى المساواة بين من ضمتهم إلى مواطنتها من عرب الـ 48، وبين من يشكلون الأغلبية السكانية من اليهود، ستفشل حتما إذا ما أُضيف إلى مليونى فلسطينى حاملى الجنسية الإسرائيلية ضعف عددهم من الفلسطينيين.
كما أن للضم محاذير أخرى، منها إعاقة مسار إبراهيم سواء فيما أنجز منه أو ما يجرى العمل أمريكياً على إنجازه أو استكماله، إضافة إلى تعظيم عزلة إسرائيل الدولية، حيث العالم كله أدان سلفا احتمالات الضم، وربما نشاهد عقوبات على إسرائيل جرّاء القيام به.
إذا ما نظر للأمر من زاوية ما يمكن أن يثير من أزمات فى إسرائيل، فبوسعنا قراءة خريطة المواقف الداخلية بما يشير إلى أن قرار الضم وتنفيذه لا يحمل أى مزايا لإسرائيل سوى إرضاء المتشددين المتزمتين والعنصريين فيها.

وفيما يتعلق بالفصل بين غزة والضفة، وهذا أحد الأهداف المبيتة من الحرب الإسرائيلية على غزة، فإن الفصل الجغرافى قائمٌ فى الأساس، ولكنه ومنذ بداية القضية الفلسطينية لم ينل من وحدة الشعب الفلسطينى، ووحدة الالتزام بالأهداف الوطنية التى اعتنقها الشعب منذ البدايات، وحين وضعت غزة تحت وصاية مصرية وبرعاية أخوية، وكذلك الأمر بالنسبة للضفة فى العهد الهاشمى، فقد توطدت العلاقات الكفاحية بين فلسطينيى غزة وسائر الفلسطينيين فى الضفة وحيثما وجدوا، وما من إطار فلسطينى كفاحى، نشأ منذ وقوع النكبة إلى يومنا هذا إلا وكان الاندماج الغزى فيه واضحاً وفاعلا، سواء فى زمن احتلال العام 1967، أو فى زمن السلطة الوطنية، وهذا ما قلل من التأثير السلبى للفصل الجغرافى، الذى أقامته إسرائيل ولا تزال تعمل على أن يكون دائما ومانعا لقيام الدولة الفلسطينية.

الفصل يمكن أن يكون دائما، إذا ما تنازل الفلسطينيون عن أساسات كفاحهم الوطنى، وهويتهم ودولتهم، وهذا هو المستحيل بعينه، وهذا ما يتكرس فى الواقع نقيضه تماماً، فالعالم يتبنى حل الدولتين، على أساس أن الدولة التى لم تقم بعد هى دولة الشعب الفلسطينى الواحد، والأرض الفلسطينية الواحدة.
ورغم هول الإبادة فى غزة وجرائم الاحتلال والمستوطنين فى الضفة والقدس، فإن الوقائع على الأرض الفلسطينية وفى المحيط العربى والفضاء الدولى الأوسع، تسجّل أن إسرائيل ومن خلال مواصلتها السعى للفصل بين غزة والضفة، إنما تسعى وراء مستحيل لا مسوّغ واقعياً لتحقيقه.

الضم إن واصلت إسرائيل أو القوى النافذة فيها الإعداد له، بغية تنفيذه فى يوم ما وظرف تقدر أنه موات، سيكون ذا مردود مدمر، هكذا يقول زعماء إسرائيليون وازنون، أمثال لبيد وغيره، أما حكاية فصل غزة عن الضفة، فإسرائيل تدرك أن مجرد المحاولة أمر لا طائل من ورائه لأن وحدة الروح والانتماء والمصير لا تفصلها الجغرافيا مهما استبدت.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام