«حين ضاقت الدنيا، وسُدّت أمامنا أبواب الحرية، اكتشفنا أن الكلمة لا تُسجن… وأن السجون لا تُخرس إلا من اختار الصمت». بهذه العبارة التى دوّنها محمود المليجى فى إحدى صفحات «خرابيش على جدار الزمن»، يمكننا أن نبدأ قراءة المرحلة الأكثر عُمقًا فى تجربته: مرحلة السجن، وما تلاها من نضالٍ فكريٍ وسياسى، أعاد صياغة وعيه بالعالم والإنسان والوطن.
فى هذه المرحلة، تبلورت ملامح شخصيته الثائرة الهادئة - ذلك المزيج الذى جمع بين حِكمة الفلاح المصرى وصلابة المثقف العضوي. لم تكن الزنازين بالنسبة له جدرانًا للعقاب، بل فضاء جديد للتأمل فى معنى الحرية. هناك، فى سجن الأجانب، تعرّف على هنرى كورييل، الذى سيترك فى نفسه أثرًا عميقًا حول فكرة العدالة الاجتماعية وتحرر الشعوب، ثم فى سجن المنيا التقى أنور السادات، وموسى صبري، وغيرهما من شخصيات، كانت ستصنع لاحقًا وجوهًا متباينة لمصر ما بعد الملكية.
تجربة السجن بالنسبة له لم تكن انكسارًا، بل امتحان. خرج بعدها أكثر ثباتًا، وأكثر وعيًا بأن العدالة لا تُستجدى من سلطة، بل تُنتزع بإصرار فكرى وشعبى معاً. ومن هنا بدأت رحلته الجديدة فى تأسيس حزب العمل الاشتراكى مع إبراهيم شكرى، ثم إعادة إحياء حزب مصر الفتاة مع على الدين صالح، حيث ظلّ يناضل داخل وخارج قاعات المحاكم دفاعًا عن الكلمة، وعن حق الإنسان فى أن يفكّر ويعارض دون خوف أو نفاق. لقد كان المليجى من ذلك الطراز النادر الذى يرى فى الخلاف قيمة، لا خصومة؛ وفى الحوار طريقاً للثورة لا نقيضًا لها. وفى كل محطاته، ظل وفياً لجذوره الأولى فى البجلات، حيث تعلم أن الكرامة ليست شعارًا، بل أسلوب حياة.
المشهد الثانى: مرافعة فى زمن الانقسامات زارنى فى مكتبى بـ برج معروف فى أحد أيام عام 1989، وكان بصحبته المستشار على الدين صالح، يحملان ملامح البشرى ويخفيان خلفها إرهاقًا طويلًا من معارك الأوراق والقضاء. جلسا، وقبل أن تكتمل التحية، قال على الدين صالح بنبرة المنتصر: «حصلنا على الحكم بإشهار حزب مصر الفتاة الجديد… وجئنا لنشاركك الفرح». بادرت بتهنئتهما، فابتسم صالح قائلًا بهدوء مفعم بالثقة: “تهنئتك الحقيقية أن تنضمّ إلينا.” نظرت إلى محمود المليجى متسائلًا، فبادلنى نظرة تجمع بين الجِدّة والود. كان يعلم تمامًا انتمائى اليساري، ويعرف أن بينه وبين اليسار جدارًا من الشكوك القديمة، منذ أن استقطب التيار اليسارى عددًا من كوادر مصر الفتاة فى الأربعينيات، حتى شقيق زعيمها أحمد حسين، المفكر الراحل عادل حسين. كان ذلك الجرح الفكرى لا يزال طريًّا فى ذاكرته، ومع ذلك لم يمنعه من أن يمدّ يده هذه للشراكة. قدّم لى على الدين صالح برنامج الحزب الذى اعتمدته المحكمة، وقال وهو يبتسم بثقة رجلٍ يعرف حدود اللعبة: “يمكنك أن تُدخل تعديلات تدعم توجهاتك اليسارية إن أردت، وسأدعو المؤتمر العام لإقرارها.” ثم أضاف بلغةٍ عمليةٍ لا تخلو من الحماسة: “أريدك أن تتولى أمانة الإعلام إلى جانب الشئون المالية والإدارية، وأن تضم من تراهم مناسبين للمجلس القيادى للحزب.” طلبت منهما مهلة قصيرة، يومين فقط، لمشاورة من أثق فى رأيهم، وفى مقدمتهم الدكتور رفعت السعيد وبعض الرفاق. وبعد نقاشٍ معهم، عدت إلى المليجى وصالح معلنًا قبولي. ومن هنا بدأ فصل جديد من العلاقة بيننا - علاقةُ عملٍ ونضالٍ مشترك. ضممتُ إلى القيادة عددًا من الأصدقاء، كان بينهم الدكتور عادل العمرى وشريف يونس - اللذان كانا يحرّران مجلة ذات توجّهٍ تروتسكي، وكنتُ قد ساعدتُهما سابقًا فى طباعة أحد أعدادها - إلى جانب المهندس شريف راشد وآخرين من الطاقات الشابة. وحين جاء وقت اختيار رئيس تحرير للجريدة، احتدمت المفاضلة بين حامد زيدان ومصطفى بكري. مال المليجى وصالح إلى زيدان بحكم تاريخه الطويل فى مصر الفتاة وحزب العمل، بينما رجّحتُ مصطفى بكرى لسببين: أولًا، توجّهه العروبى واليسارى كما تبدى لى حينها، وثانيًا، انتماؤه إلى جيل الشباب الذى كنت أؤمن بقدرته على تجديد الخطاب السياسى والإعلامي. ولأننى كنت الداعم المالى للجريدة، فقد تم اعتماد اختياري. صدرت الجريدة وحققت انتشارًا واسعًا، إذ تزامن صدورها مع اجتياح صدام حسين للكويت، وكانت تتخذ خطًا داعمًا لصدام، ما أكسبها قراءً كُثر وأثار عليها خصومًا أكثر. اتسعت عضوية الحزب وبدأ حضوره يزداد فى الساحة السياسية، غير أن الرياح لم تسر كما اشتهينا؛ فقد استخدم أحدَ «الثعالب الصغيرة» لبثّ الفرقة وإشعال الشكوك بينى وبين المليجى وصالح، فى مناورةٍ أتقنها بدهاءٍ صامت.
وكانت النتيجة أن دبّت الخلافات، حتى انتهى الأمر بانسحابى وعددٍ من أصدقائى من الحزب، تاركين وراءنا تجربةً كنا نحلم أن تكون مساحة لقاءٍ لا ساحة فُرقة. تتابعت الأزمات: كتب على الدين صالح مقالاتٍ مثيرة للجدل، دعا فيها إلى تدويل الأماكن المقدسة، فصادرت السلطات الجريدة، ودخل الحزب فى نفقٍ قانونى مظلم بعد انشقاق اللواء عبد الله رشدي. وحين احتدمت الصراعات بين أطراف الحزب، طلب منى صالح والمليجى التواصل مع الدكتور رفعت السعيد لإيجاد مخرجٍ سياسي. أجرى السعيد اتصالاته بـ كمال الشاذلي، فعاد إليه الأخير بشرطٍ قاسٍ: “عودة الحزب مشروطة بإقصاء على الدين صالح”. رفض المليجى العرض قائلًا بحزمٍ نبيل: “لن أبيع صديقى مقابل ترخيصٍ أو لافتةٍ على بابٍ مغلق.” كانت تلك اللحظة درسًا فى الوفاء حين يعجز الآخرون عن الثبات. منها تعلّمت أن المبادئ ليست شعارات، بل مواقف تُقاس عند اشتداد العواصف. بعد ذلك صار مقر الحزب فى الدقى يضمّ أيضًا دار النديم التى كنت أديرها، فتكثّفت لقاءاتنا. وفى جلسات الصراحة التى تلت، وجدته أكثر قربًا وإنصافًا، يعترف ضمنيًا ببعض القسوة التى أظهرها فى الماضي، ويقول بصوتٍ دافئٍ تكسوه المراجعة: “لقد تأكدت أن اليساريين من أنبل الناس… أتذكر هنرى كورييل فى سجن الأجانب؟ كان والده الثرى يرسل له طعامًا من جروبي، فيوزعه بالتساوى على جميع المعتقلين، دون أن يسأل أحدًا عن فكره أو حزبه.” ثم أضاف بابتسامةٍ فيها حنين وصدق: “أنا مدينٌ لليساريين باعتذارٍ متأخر، لكنه صادق.” كانت تلك اللحظة بالنسبة لى مرافعة صامتة عن النبل الإنساني، لا تحتاج إلى منصةٍ ولا قاضٍ؛ فيها التقت الثورة بالعدالة، والضمير بالتجربة، والإنسان بالموقف. من الوفاء إلى السجن… بوابات المشاهد القادمة
كان لقائى بمحمود المليجى فى تلك المرحلة الفاصلة من حياته، كمن يطلّ على رجلٍ جمع بين عناد الثائر وحنكة الشيخ؛ فقد ظلّ برغم كل ما مرّ به ثابتًا على قناعته بأن الكلمة يمكن أن تكون أنبل من السيف، وأن الخلاف مهما اشتدّ لا يبرر خيانة المبدأ أو التنكّر للأصدقاء. وحين جلسنا مرارًا بعد تلك التجربة، أدركت أن ما كان يعتمل فى داخله لم يكن ندمًا بل مراجعة صادقة، وأن هدوءه الظاهر كان يخفى وراءه توهجًا فكريًا لم يخفت. لقد تعلّمت منه أن السياسة - مهما تقلبت - لا تغيّر جوهر الإنسان النبيل، وأن الوفاء عند الرجال لا يقاس بالمكاسب، بل بالمواقف التى تُتخذ حين تُغلق الأبواب. ولذلك ظلّ محمود المليجى فى نظرى المحامى الذى ظلّ يُرافع عن الوطن حتى، وهو يختلف معه. لكن ما لم يره كثيرون هو الوجه الآخر لهذا الرجل: تجربة السجون والمنفى القصير والهروب من القيود، ورفقته فى سجن المنيا مع شخصياتٍ ستتبدّل مصائرها لاحقًا - من أنور السادات إلى موسى صبرى وغيرهما - حيث كُتبت فصول من حياة سياسية مصرية تستحق أن تُروى.
الخاتمة فى الأجزاء المقبلة من «وجوه عبر الزمن» سنقترب أكثر من تلك اللحظات التى اختلط فيها الخطر بالفكر، والسياسة بالقدر, سنقرأ عن سجن المنيا وما دار فى كواليسه، عن الهروب الذى صار أسطورة صغيرة فى ذاكرة جيلٍ كامل، وعن رجلٍ خرج من السجن أكثر إيمانًا بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالعقل والموقف والكلمة.