مصطفى عادل: يضيف نحو مليار دولار سنويا للاقتصاد المصرى د. أحمد شوقى: «رافعة اقتصادية» تستهدف تنشيط قطاعات حيوية منصف مرسى: تأثيره يظهر العام المقبل مع زيادة تدفق السائحين محمد أنيس: أبرز محركات النمو الاقتصادى خلال السنوات المقبلة
مع افتتاح المتحف الكبير أمام السياحة العالمية تتعاظم الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع العملاق، بما يمثله من ركيزة أساسية فى تعزيز مكانة السياحة المصرية خلال الفترة المقبلة ودعم خطة التنمية الاقتصادية، لأسباب عدة، تتراوح وفقا للخبراء والمتخصصين، ما بين زيادة أعداد السياح كونه أكبر متحف فى العالم مخصص لحضارة واحدة، ومن المتوقع أن يسهم المتحف وحده فى جذب ما يصل إلى 5 ملايين زائر سنويًا بعائدات مالية ضخمة تتجاوز المليار دولار، مما يدعم الاقتصاد الوطنى ويوفر مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية.. كما يعمل على تعزيز السياحة الثقافية لتتساوى مع السياحة الشاطئية، مما يخلق تنوعاً ومرونة أكبر فى القطاع السياحي، بالتزامن مع تنشيط القطاعات المرتبط وفى طليعتها الفنادق، والنقل والخدمات، المطاعم، وصناعة الحرف اليدوية والهدايا التذكارية، وذلك من خلال ما يعرف بـ «التأثير المضاعف للسياحة» وهو ما سيؤدى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، وكذلك توفير الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. مشروع المتحف المصرى الكبير قاطرة اقتصادية وسياحية عملاقة، كما يقول الخبير الاقتصادى مصطفى عادل، حيث التقديرات الأولية للعوائد الاقتصادية المتوقعة تشير إلى إمكانية تحقيق إجمالى يتراوح بين 1 و1.2 مليار دولار سنوياً، هذه العوائد تنقسم إلى عوائد مباشرة من التشغيل، وعوائد غير مباشرة هى الأكثر أهمية للاقتصاد القومى، بالإضافة إلى عوائد إستراتيجية طويلة الأجل. وفيما يخص العوائد المباشرة، أوضح الخبير الاقتصادى، أن التقديرات تشير إلى أن المتحف قد يستقبل وحده ما بين 4 إلى 5 ملايين زائر سنوياً، وبناء على افتراض متوسط سعر تذكرة للزائر الأجنبى والعربى يبلغ نحو 25 دولارًا، يتوقع أن تتراوح إيرادات التذاكر فقط ما بين 100 إلى 125 مليون دولارسنويًا. كما أشار إلى أن العوائد الإضافية المتأتية من الخدمات التجارية داخل المتحف، والمطاعم والكافيتريات والمحلات التجارية، ومرافق المؤتمرات والمعارض والفعاليات الخاصة، قد تضيف ما بين 50 و70 مليون دولار سنويًا وفقاً لسيناريوهات التشغيل العادى، وبذلك يصل الإجمالى المتوقع للعوائد المباشرة إلى نحو 170 إلى 200 مليون دولار سنوياً. وشدد الخبير الاقتصادى مصطفى عادل على أن العوائد غير المباشرة هى التى تشكل التأثير الأكبر على الاقتصاد ككل، حيث من المتوقع أن يسهم المتحف فى زيادة عدد السائحين الوافدين إلى مصر بنسبة تتراوح بين 10 إلى 15% سنويًا، وهو ما يعادل قرابة مليون سائح إضافى سنويًا فى المتوسط. واستناداً إلى أن متوسط إنفاق السائح فى مصر يبلغ نحو 1000 دولار، فإن تقديرات هذه العوائد غير المباشرة التى تضخ فى شرايين الاقتصاد المصرى قد تصل إلى نحو مليار دولار إضافى سنوياً تقريباً، لتتجاوز بذلك بكثير العوائد المباشرة المتحققة من التذاكر والخدمات. وإضافة إلى التدفقات النقدية، يلفت الخبير الاقتصادى مصطفى عادل، إلى العوائد الرمزية والإستراتيجية للمشروع، مؤكداً أنه سيعمل على رفع مكانة مصر السياحية والثقافية عالمياً بصورة غير مسبوقة. ومن شأن هذا الصرح الثقافى الضخم أن يعزز الاستثمار فى المناطق المحيطة به، وتنمية قطاعات الفنادق والمطاعم وخدمات النقل. كما أنه سيجذب مؤتمرات ومعارض وفعاليات عالمية كبرى، على غرار النجاحات السابقة، مما يوفر فى النهاية مصدر دخل مستداماً لا ينضب لعشرات السنين المقبلة. القطاعات المستفيدة من جهته أكد الدكتور أحمد شوقى، الخبير الاقتصادى والمصرفى، أن افتتاح المتحف المصرى الكبير يمثل رسالة واضحة على قدرة مصر على تحويل تراثها الحضارى إلى مورد تنموى مستدام يضيف بقوة إلى الناتج المحلى الإجمالى ويُرسّخ مكانتها العالمية. وأبعاد المشروع تتجاوز البعد الحضارى والثقافى لتصبح رافعة اقتصادية مؤثرة فى العديد من القطاعات الحيوية، أبرزها السياحة والتجارة والعقارات. كما أن قطاع السياحة والفندقة هو المستفيد الأكبر والأكثر وضوحاً، حيث من المتوقع أن يجذب المتحف ما بين 5 إلى 7 ملايين سائح سنويًا، بزيادة تقديرية تتراوح بين 15% و20% على المعدلات السابقة، وهذه الزيادة ستدر عوائد مباشرة وغير مباشرة ضخمة، بالنسبة للعوائد المباشرة المتمثلة فى أسعار التذاكر المعلنة (200 جنيه للمصريين و1200 جنيه للأجانب)، يتوقع أن تتراوح إيرادات التذاكر وحدها ما بين 3.5 إلى 5 مليارات جنيه مصرى سنويًا، فضلاً عن الإيرادات الأخرى المتوقعة من الخدمات المتنوعة داخل المتحف. أما العوائد غير المباشرة، فتشمل إنفاق الزوار على خدمات الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والأسواق، مما سيؤدى إلى ارتفاع نسب إشغال الفنادق فى القاهرة الكبرى إلى نحو 80% فى مواسم الذروة، وتضاعف الطلب على خدمات الضيافة والبرامج السياحية المتخصصة، وهو ما سيُضاعف الأثر الاقتصادى الكلى للمشروع على الناتج المحلى الإجمالى للبلاد. وفى سياق متصل، أشار الخبير الاقتصادى إلى الدور المحورى للمتحف فى تنشيط قطاع التجارة والصناعات الحرفية، إذ يضم المتحف منطقة تجارية ضخمة ستصبح منصة عالمية لتسويق المنتجات التراثية والهدايا السياحية الفريدة. ومن المتوقع أن تحقق هذه المنطقة مبيعات تقديرية تتجاوز 500 مليون جنيه سنوياً، مما يسهم بشكل مباشر فى إحياء الحرف التقليدية فى مناطق مثل الفسطاط وسقارة والأقصر وأسوان، ويتضمن دعماً مستداماً للحرفيين وصغار المهنيين المحليين. كما أكد «شوقى» على التأثير الإيجابى للمشروع على قطاع النقل والخدمات اللوجستية، موضحاً أن تطوير شبكة الطرق المؤدية إلى المتحف، كـ«محور روض الفرج» والطريق السياحى الجديد، سيخلق فرص نمو كبيرة فى مجالات النقل السياحى والنقل الذكي. ومن المتوقع أن ترتفع حركة شركات النقل السياحى بنسبة لا تقل عن 25%، إلى جانب تعزيز الطلب على خدمات النقل الجماعى الذكى من مطار القاهرة والمناطق الفندقية الرئيسية. وعن الأثر العقارى، لفت الدكتور أحمد شوقى النظر أن محيط المتحف يشهد نشاطاً عقارياً متسارعاً خلال العامين الأخيرين، حيث ارتفعت أسعار الأراضى بنسبة 40% بالتزامن مع توسع خطط التطوير الفندقى والسياحى من قبل مستثمرين مصريين وخليجيين، مشيراً إلى أن هذا التحول سيدعم تدفقات جديدة من الاستثمار الأجنبى المباشر ويُعزز القيمة الاقتصادية للمنطقة السياحية الممتدة من الأهرامات إلى المتحف. ولفت إلى مساهمة المشروع الكبيرة فى سوق العمل، مشيراً إلى أن المتحف خلق أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة أثناء مرحلة الإنشاء، ومن المنتظر أن يوفر نحو 3 آلاف وظيفة دائمة فى مجالات الإدارة والتسويق والخدمات السياحية بعد التشغيل، بالإضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة فى سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، مؤكداً أن افتتاح المتحف المصرى الكبير ليس مجرد حدث عابر، بل يمثل تحولاً اقتصادياً وحضارياً يبرهن أن الثقافة يمكن أن تكون استثماراً ذا عائد مرتفع، ويؤكد أن مصر القديمة لا تزال تبنى حاضرها ومستقبلها بقوة حضارتها. مؤشرات إيجابية وبدوره قال منصف مرسى، المحلل المالى، إن أداء القطاع السياحى المصرى خلال السنة المالية الماضية وبداية السنة الجديدة، يُظهر مؤشرات إيجابية غير مسبوقة، تعكس مدى التعافى القوى الذى يشهده هذا القطاع الحيوى بعد سنوات من التحديات، فقد تجاوزت إيرادات السياحة حاجز الـ15 مليار دولار، وهو رقم يعكس تحسناً واضحاً عن معدلات الأعوام السابقة التى عانت من التراجع والعجز، ومع استمرار هذا الزخم، تتطلع الدولة إلى تحقيق إيرادات تتراوح بين 17 و18 مليار دولار خلال السنة الجديدة، وهو هدف واقعى فى ضوء الظروف الحالية. وأشار المحلل المالى، إلى أن نسب الإشغال الفندقى تمثل مؤشراً واضحا على هذا الانتعاش إذ وصلت إلى أكثر من 80% فى المتوسط على مدار العام، بل وتجاوزت 90% فى بعض المناطق السياحية مثل الأقصر والبحر الأحمر وجنوب سيناء، وهذه الأرقام لم تأتِ صدفة، بل كانت ثمرة استقرار جيوسياسى ملحوظ، وإصلاحات اقتصادية جريئة، خاصة سياسة سعر الصرف المرن التى طبقت بعد مارس 2024، التى جعلت السياحة المصرية أكثر تنافسية من حيث الأسعار مقارنة بالأسواق الإقليمية المنافسة. وأضاف، البيئة الاستثمارية بدورها أصبحت أكثر جذباً، مع توسع الحكومة فى تقديم التسهيلات للمستثمرين السياحيين، ودعمها لمشروعات تطوير البنية التحتية والفندقية، وعززت هذه الإجراءات ثقة القطاع الخاص وشجعته على تبنى خطط توسعية لزيادة الطاقة الفندقية خلال الأعوام المقبلة. ولا يمكن إغفال الأثر المتوقع لافتتاح المتحف المصرى الكبير، الذى يمثل إضافة نوعية ستسهم فى تعزيز مكانة مصر كوجهة سياحية عالمية، ومن المتوقع أن يظهر تأثير هذا المشروع بوضوح خلال عام 2026، مع زيادة تدفق الزوار وارتفاع متوسط إنفاق السائح. عوائد دولارية من جانبه أكد الخبير الاقتصادى محمد أنيس، أن قطاع السياحة المصرى يعيش مرحلة تحول مهمة تجعله أحد أبرز محركات النمو الاقتصادى خلال السنوات المقبلة، بفضل تنوع أنماط السياحة التى يمكن لمصر أن تقدمها، وتطور البنية التحتية السياحية فى مختلف المناطق. أوضح أنيس، أن السياحة تنقسم إلى عدة أنواع رئيسية من بينها سياحة المؤتمرات المنتشرة فى أوروبا، وسياحة التسوق المزدهرة فى مدن مثل دبى وتركيا، والسياحة الشاطئية التى تمثل ما يقرب من 80% من حركة السياحة العالمية وتتركز غالبا فى المواسم والإجازات، غير أن مصر تمتلك ميزة فريدة تتمثل فى السياحة الثقافية، بفضل تاريخها العريق وغناها بالآثار التى لا تضاهيها أى دولة أخرى فى العالم، مما يجعلها الوجهة الأولى عالمياً فى السياحة الأثرية والثقافية. وأشار أنيس إلى أن افتتاح المتحف المصرى الكبير ومشروعات التطوير الجارية فى منطقة الأهرامات يمثلان خطوة إستراتيجية ستنعكس إيجابياً على زيادة تدفق السياح المهتمين بالثقافة والتاريخ، كما أن مشروعات الساحل الشمالى والمدن السياحية الجديدة تفتح آفاقاً واسعة للسياحة الشاطئية، مما يتيح لمصر الجمع بين النوعين وهما الثقافى والترفيهي. ويرى أنيس أن هذه التطورات قادرة على مضاعفة إيرادات القطاع السياحى التى تجاوزت حالياً 16 مليار دولار، خصوصا إذا استمر العمل على زيادة الطاقة الفندقية من 250 ألف غرفة حالياً إلى نحو 500 ألف غرفة، وهو ما سيخلق فرص عمل ضخمة ويدعم قطاعات اقتصادية عديدة مثل النقل، الخدمات، الترجمة، والصناعات المغذية. والسياحة تعد قطاعاً إستراتيجياً له عوائد دولارية مستدامة، ورغم حساسيتها تجاه المتغيرات الجيوسياسية، فإنها تظل قطاعاً واعداً، يمتلك مستقبلاً كبيراً فى ظل الاستقرار الحالى، والدعم الحكومى المستمر، والإقبال العالمى المتزايد على المقاصد المصرية المتنوعة.