فى السجن لا يُقاس الزمن بالساعات بل بالوعى من لا يتغير بين جدارين، يخرج منهما كما دخل، أسيرًا وإن بدا حرًا. لم يكن دخول محمود المليجى السجن حدثًا عابرًا فى مسيرته، بل محطة فاصلة بين مرحلتين فى وعيه السياسى والإنسانى
من المنابر إلى الزنازين، ومن المرافعات فى قاعات المحاكم إلى الحوارات فى ساحات السجن، تحوّل الرجل من سياسيٍ مثاليٍّ يسعى إلى إصلاح الواقع، إلى مفكرٍ ناضجٍ يعيد تأمل معنى الحرية والعدالة والمصير
كانت مصر آنذاك تضجّ بالتحولات، الملكية فى أفول، والاحتلال فى حذر، والأحزاب فى صراعٍ على البقاء، والجيل الجديد من الوطنيين بين حلم الثورة وخطر القمع. وفى خضم هذا المشهد، وجد المليجى نفسه فى سجن الأجانب بالقاهرة، حيث التقى هنرى كورييل، أحد أبرز رموز اليسار المصري، الذى سيترك فى نفسه أثرا عميقا، عن معنى المشاركة الإنسانية خارج الأيديولوجيا.
ثم نُقل إلى سجن المنيا فى صعيد مصر، ليجاور فى الزنزانة ذاتها رجالًا ستتشابك مصائرهم لاحقًا مع تاريخ البلاد: أنور السادات، وموسى صبرى، وآخرين من رموز الحركة الوطنية. فى تلك السنوات لم يفقد المليجى يقينه، كان يؤمن بأن السجن، مهما ضاق، لا يستطيع أن يحاصر الفكر، وأن الكلمة تملك دائمًا طريقًا خفيًا للخروج. هناك، بين الجدران الباردة، ولدت داخله فكرة جديدة عن الحرية، بوصفها وعيًا ومسئولية لا مجرد شعارٍ سياسي، وعن الإنسان بوصفه مشروعا أخلاقيا لا تابعا لحزبٍ أو زعيم. ولأن السجون كانت - كما قال ذات مرة - «مرآةً للنظام كما هى مرآةٌ للذات»، خرج منها أكثر صفاءً وعمقًا، لا يحمل حقدًا، بل حكمة من ذاق الظلم ولم يتحول إلى جلادٍ جديد. «الزمن لا يغيّر الرجال، بل يكشفهم» كانت هذه العبارة، التى كتبها محمود المليجى فى أحد هوامش أوراقه، كأنها نبوءةٌ مبكرةٌ لنهايته الهادئة. فالرجل الذى ولد فى الثورة وعاشها فكرا وموقفًا، لم يعرف السكون إلا فى اللحظة التى أودع فيها قلمه آخر كلمة على جدار العمر. المشهد الثالث: من الحكايات إلى المخطوط انتقلت إلى مشاركة محمود المليجى مكتبه فى شارع جواد حسنى، ولم ألبث طويلًا، حتى علمت أن ذلك المكان كان يومًا مكتب الزعيم أحمد حسين، مؤسس مصر الفتاة، وكأن التاريخ شاء أن يدور فى حلقةٍ لا تنكسر. منذ تلك اللحظة بدأت ملامح العلاقة بيننا تتبدل؛ فقد جمعتنا الجدران ذاتها، وبدأت المسافة بيننا تنكمش، حتى أصبحنا أقرب إنسانيًا وروحيًا من أى وقت مضى. كان المليجى كثير الحديث، يحكى بصدقٍ ودفءٍ نادرين عن سنواته الأولى فى النضال وعن الزملاء الذين عبروا ذاكرته، لكن أكثر ما استوقفنى، كانت قصته مع أنور السادات، رفيقه فى سجن المنيا. قال لى يوما بنبرةٍ تجمع بين السخرية والتأمل: «القصة التى رواها السادات عن هروبه من السجن ليست دقيقة… الحقيقة أن إدارة السجن كانت تسمح للمعتقلين بالخروج فى نزهة داخل المدينة كل يوم جمعة، على أن يعودوا مساء، وذات جمعة قرر السادات وبعض رفاقه ألا يعودوا»
ضحك، ثم تابع وهو يشعل سيجارته ببطء،«هكذا ببساطة… لم يكن هناك نفق ولا مغامرة ولا بطولات منمقة، فقط قرار بالرحيل فى وضح النهار». كان يحدثنى عن تلك المرحلة، كمن يسترجع فصولًا من روايةٍ يعرف كل تفاصيلها، عن رفاقه فى الزنازين، وعن صراعاته الفكرية مع بعض قيادات الإخوان فى الدقهلية، وعن صداقاته الغريبة التى جمعته بـ الشيخ بيار الجميل، مؤسس حزب الكتائب اللبنانى أثناء إقامته فى المنصورة، ذلك المزيج الذى جعل تجربته السياسية والإنسانية أوسع من أى تصنيف. فى إحدى الجلسات، وقد أثقلت عليه الذكريات، قلت له بإلحاح وصدق، «يجب أن تسجل كل هذا، يا أستاذ محمود، تلك ليست مجرد ذكريات… إنها تاريخ يجب أن يُروى» ابتسم ولم يعد، لكنه بعد فترة جاءنى وفى يده كشكول قديم، وضعه أمامى بهدوء وقال: «هذا ما استطعت أن أكتبه… الباقى عليك». كان ذلك هو مخطوط «خرابيش على جدار الزمن».
قرأته بشغفٍ، ثم سلّمته للصديق مهدى مصطفى، الذى كان مديرًا للنشر فى دار النديم، فتولى مراجعته وتدقيقه، والدفع به إلى المطبعة. وحين صدر الكتاب، كانت فرحة المليجى كفرحة الأب بطفله الأول، قرأه كثيرون، وتناولته الصحف بإعجاب، وكتب عنه الصديق عبد اللطيف المناوى فى الشرق الأوسط، وآخرون لا تسعفنى الذاكرة بأسمائهم.
تلك الردود الواسعة بعثت فينا الحماسة، لإنجاز جزءٍ ثانٍ من الكتاب، لكن مشاغل الحياة حالت دون ذلك. ومع ذلك، ظل المليجى يقول لى كلما التقينا: «يكفينى أننى كتبت ما لم أقله، وأن من أحببت شاركنى إخراجه إلى النور» كان ذلك آخر ما جمع بيننا من مشاريع، لكنه فى الحقيقة كان ذروة العلاقة، حين تحوّل القرب الإنسانى إلى ذاكرة مكتوبة، والرفقة إلى أثر خالد فى الورق. ولعل «خرابيش على جدار الزمن» - بما فيه من صدق وجرأة وحنين - هو الشاهد الأجمل على رجل عاش الثورة حتى وهو يكتبها بقلب يشيخ، لكن لا يهدأ. آخر المرافعات حتى أيامه الأخيرة، ظل محمود المليجى وفيًّا لروتينه الصارم وعاداته القديمة، يستيقظ باكرا، يرتدى بدلته الأنيقة، ويحمل حقيبته الجلدية، كأنه ذاهب إلى جلسة لا تنتهى. وبرغم تقدم العمر، ظل يرى فى مكتبه قلب حياته النابض، لا مكانا للعمل فحسب، بل مرآة لفكره وذاكرة لعقود من النضال. كان قد ترك لى منفردا مكتبه فى شارع جواد حسنى، الذى شاركته إياه لسنوات، وانتقل إلى مكتبه الجديد فى عمارة المحاربين القدماء بميدان سفنكس فى حى العجوزة، ليكون قريبًا من منزله. هناك، فى ذلك الركن الهادئ من الجيزة، واصل عمله اليومى بنفس الحيوية واليقين، يستقبل الزوار، يقرأ الصحف، ويتابع ما تبقّى من أخبار الحزب، متمسكا بالأمل فى أن يعود مصر الفتاة إلى سابق مجده. لكن مع مرور الأيام وتغيّر الوجوه، بدأ يدرك أن الزمن لم يعد زمن الأفكار الكبيرة، ولا الرجال الذين يؤمنون بها. وحين رأى بوادر الانتهازية تطل من بعيد، خشى أن يستغل اسم الحزب بعد رحيله، فدعا إلى مؤتمر استثنائى جمع فيه من تبقى من الرفاق القدامى، وأعلن أمامهم بوضوح يليق بتاريخ من الصدق، «خير أن نحل الحزب بأيدينا… من أن يتحول اسمه إلى لافتة لمن لا يعرفون تاريخه». كان ذلك قراره الأصعب والأشرف
أنهى رحلته السياسية كما بدأها: نقيَّ الضمير، ثابتَ الموقف، مؤمنًا بأن الفكرة أطول عمرًا من أصحابها. لكن ما خشيه وقع بعد رحيله، إذ تنازع أشخاص لا صلة لهم بالحزب اسمه وميراثه، كل يدّعى القرب، فيما ظلّ هو بعيدا عن كل ضجيج، ساكنا فى ذاكرة الذين عرفوه كما كان: نقيا، شجاعا، لا يساوم على ما يؤمن به.
أغلق مكتبه فى العجوزة للمرة الأخيرة، لكن ظله بقى هناك، فى الممرات وفى عبق الأوراق التى تركها مرتبة بعناية كعادته، كأنه سيعود فى الصباح، ليستأنف مرافعة مؤجلة عن الحرية والعدل. ولديَّ من تلك العلاقة، ومن المشاهد التى عشتها معه، الكثير مما يستحق التسجيل، غير أن قواعد النشر ومساحة الصفحات، تفرض علينا أن نتوقف عند هذا القدر، تاركين للبقية أن تُروى فى وقت آخر. يكفينا الآن أن نتذكره كما كان: محاميا عن الإنسان، وشاهدًا على وطن لم يفقد الإيمان به يوما، حتى وهو يكتب عمره على جدار الثورة. الخاتمة ختامًا: وأنا أستعيد صورته الآن، بعد أعوامٍ.
من الغياب، أراه جالسًا خلف مكتبه كعادته، يرفع رأسه عن الأوراق ليبتسم بتلك الابتسامة التى تخلط بين الجدّ والمودة. أسمعه يقول بصوته الرخيم: «يا بني، الثورة فكرة… والفكرة إن صدقت، لا تموت». كان يؤمن بأن الكلمة لا تُهزم، وأن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، بل بما تركه من أثرٍ طيب فى الآخرين. ولعلّ هذا هو سرّ بقائه، فمن يعيش للعدل لا يموت، ومن يكتب على جدار الزمن، لا يُمحى.