مقالات رئيس التحرير



لبنان بين سلطة الجغرافيا وقسوة التاريخ

15-11-2025 | 18:27
جمال الكشكي

يتعرض لبنان لخطر وجودى، خطر يفوق الحرب الأهلية الكارثية (1975 - 1990)، ويفوق المحاصصة والطائفية، بل إنه خطر أصعب من اجتياح إسرائيل لبنان عامى 1978، ثم 1982، وقد يكون الخطر الماثل أكثر ضراوة من حرب تموز 2006، بل إنه يصل إلى مدى لم تصله حرب الإسناد لغزة عام 2023، التى خاضها حزب الله مع إسرائيل.

هذا الخطر الحالى يتمثل فى مخططات بعيدة المدى، تدور حول إذابة لبنان كدولة وشعب، وشطب «ست» الدنيا «بيروت» من خرائط العواصم العربية التنويرية الكبرى.

اللعبة هنا كبيرة، تدور على رقعة شطرنج من لاعبين إقليميين، يرون فى لبنان مغنما قادما من خلال امتلاكه موارد طبيعية، تتمثل فى الغاز والبترول الموجودين فى ساحل المتوسط المقابل للبنان، والمملوك له بحكم أنه المنطقة الاقتصادية اللبنانية، طبقا لقوانين الشرعية الدولية، فهناك من يرغب فى جعل لبنان ميدان رماية، وهناك من يرى فى الثروة اللبنانية من غاز وبترول مخزنا للمستقبل، أو إضافة لما يملك من الموارد نفسها، لذا فإن جميع الأطراف لديها جدول أعمال فى التعاطى مع الملف اللبنانى، كل وفق حساباته ومصالحه.

نعرف أن هناك قرارا دوليا، هو 1701، الصادر من مجلس الأمن، ذلك القرار الذى رسم الحدود بين إسرائيل ولبنان، ووضع خطوطا صارمة لمنع اعتداء إسرائيل على لبنان، بمراقبة قوات اليونيفيل، لكن إسرائيل - كوظيفة - تريد أولا قضم الجنوب اللبنانى حتى نهر الليطانى، وثانيا تقوم بالدور المنوط بها فى منع لبنان من الاستقرار بمحاولة زرع الفتنة بين الطوائف اللبنانية المختلفة، فى وصفة كثيرا ما جربتها فى الساحة اللبنانية، لذا نتابع يوميا، بل فى كل ساعة،  الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وفى الوقت ذاته تقوم بالضغط على الحكومة اللبنانية لترتيب الأوضاع الداخلية طبقا لمخططاتها بعيدة المدى.
هناك أطراف أخرى لديها النزوع الإسرائيلى نفسه، لكنها تستخدم أدوات أخرى باسم قضايا مقدسة كالقضية الفلسطينية، أو الدفاع عن الحقوق، وبعض تلك الأطراف تستخدم المال والإعلام والدبلوماسية فى تنفيذ مخططاتهـــا، ومصالحهــا الإستـراتيجية دون النظر للمصلحة اللبنانية، بينما أطراف دولية أخرى تنظر إلى لبنان كملكية خاصة يمكن القفز منها على المنطقة، وفى كل الأحوال لا يجد اللبنانى نفسه فى كل هذه المشروعات، وهو السياسى والمثقف والفنان والمبدع على مر العصور، فإذا ترك لشأنه الخاص، سوف يبهر المنطقة والعالم، وكثيرا ما حدث ذلك عبر عقود طويلة، حتى قبل الاستقلال عام 1920، فلبنان قدم الشعراء، والكتاب والمفكرين، ولا ننسى شعراء المهجر الذين ملأوا الأرض فى النصف الغربى بالإبداع العظيم.

وسط كل هذا الحصار السياسى والاقتصادى والاجتماعى على لبنان، فإن اللحظة تستوجب من كل هذه الأطراف أن ترفع  أيديها عن لبنان، فأولا لبنان دولة مستقلة، وشعب حر، ويستحق أن ينفصل  عن كل  المشاريع  التى  لا تصب  فى مصلحته.

ثانيا: إن جغرافية لبنان، شاء حظها أن تكون فى مفرق صدام على مدى قرن كامل بوجود إسرائيل التى نشأت عام 1948، فتلقى صدى الحروب جميعا، بل أحيانا يكون هو المصد  الأول للغزو والاجتياح، وقد تعرض لذلك أكثر من مرة خلال مائة عام.

ثالثا: إن  لبنان  دولة عضو فى جامعة الدول  العربية، ويجب على العرب أن يرفعوا  الصوت عاليا، بأنه كفى تدخلا فى لبنان، وكفى أن تدس أطراف إقليمية أنفها فى الشأن  اللبنانى، لا سيما أن بعض هذه الأطراف غير مخلص  للقضايا العربية، إنما تبحث عن توسعاتها الإقليمية، وتكشف علنا هذه  الرغبة، ظنا  أن  المنطقة فارغة أو خالية، فى حين أن  المنطقة لديها أصحاب يعرفون أقدارها، ومقاديرها، ويستطيعون الدفاع عنها إذا استوجب  الأمر.

رابعا: يجب على المجتمع الدولى أن يعيد حساباته تجاه  لبنان، ويطبق قرار 1701 كما ينبغى  له، أن يمنع إسرائيل من الاعتداء  علــــى الشعـــب  اللبنانـــى، ويعاقب المتطرفين، الذين ينظرون إلى لبنان كمغنم، أو كما قلت من قبل "ميدان رماية"، فهناك  دول عالمية تعتبر لبنان جزءا من هويتها، كفرنسا على سبيل المثال، وهناك من يعتبرها نقطة انطلاق أو ترانزيــــت للقفــــز  علـــى الإقليم، ويجب أن ينتهى كل ذلك فى الفلسفة السياسية العالمية،  فليس  سهلا شطب  لبنان من الجغرافيا، أو تغييبه من التاريخ.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام