مقالات



كيف كانت وكيف صارت؟ (3)

15-11-2025 | 18:27
د. إيمان طاهر

على أعتاب القرن الجديد، كانت أوروبا كلها تتجه نحو هدف واحد وواضح: التحديث السياسى، حتى إسبانيا، التى اتهمت طويلا بالتخلف، وجدت نفسها أمام اختبار صعب بين إرثها الثقافى والسياسى البالى وسرعة الحداثة من حولها، فتخبطت بين الفوضوية والعنف، إلى أن جاءت هزيمة 1898، أمام الولايات المتحدة لتُجبرها على التخلى عن إمبراطوريتها، وتخرج من قائمة الدول العظمى‪.‬

كانت تلك الحقبة، التى سبقت الحرب العالمية الأولى، تُسمّى «الحقبة الجميلة»، فى نظر الأرستقراطية الأوروبية، لكنها كانت فى حقيقتها زمن المعاناة للشعوب، بين فقر، وبطالة، وتفاوت طبقى فادح، جعل الطبقة الوسطى تترنح بين الحلم والرغبة فى الارتقاء‪.‬

وفى إنجلترا، مهد التطور السياسى والاجتماعى، كانت «الإمبراطورية العظمى»، تواجه تحديات داخلية غير مسبوقة، فقد كشفت الحروب الاستعمارية فى إفريقيا، عن أزمة مجتمع يفتقر إلى شباب مؤهل جسديًا، بفعل الفقر وسوء التغذية، أدرك الليبراليون أن الإصلاح الاجتماعى صار ضرورة وطنية، فقاد لويد جورج حملة لإعادة توزيع الثروات، وإقرار حقوق التعليم والرعاية الصحية، لتصبح الدولة مسؤولة عن شعبها‪.‬

وبحلول عام 1906، ارتفعت مقاعد الليبراليين فى البرلمان، وأقاموا تحالفاً تقدمياً مع العمال والإيرلنديين، تبنى تشريعات لحماية الفئات الفقيرة، وتمويل معاشات الشيخوخة عبر ضرائب جديدة على الثروات غير المنتجة وملكية الأراضى، لكن تلك الخطوات أثارت غضب المحافظين والنبلاء الذين اعتبروا تسليم الموازنة لبرلمان شعبى، «كمن يضع الحليب فى حراسة القط».
رفض مجلس اللوردات تلك التشريعات، واشتعل الصراع بين المجلسين حتى جاءت أزمة 1910، التى وُصفت بأنها أخطر اختبار للدستور البريطانى، وعندما فشلت محاولات التفاهم، جرى حلّ البرلمان مرتين خلال عام واحد، لتُولد تسوية تاريخية حرمت مجلس اللوردات من حق المساواة مع مجلس العموم، وأصبح الأخير صاحب السلطة التشريعية العليا‪.‬
عرفت بريطانيا آنذاك ما سُمّى بـ «مجموعة يهوذا»، وهم بعض اللوردات المحافظين الذين تمرّدوا على حزبهم وأيّدوا الإصلاح، فكانت بداية سقوط «الأسطورة البريطانية» القديمة، وبزوغ نموذج جديد يقوم على العدالة الاجتماعية كأساس لأى نظام سياسى ناجح‪.‬

امتد هذا التحول إلى أوروبا كلها، فقد تهاوت التوازنات السياسية القديمة، وانهارت حكومات عجزت عن التكيف مع واقع اقتصادى واجتماعى متغير، فى ألمانيا، فشل المستشار فون بولوف فى تشكيل كتلة حقيقية، وسقط تحت ضغط الانقسامات بين الأحزاب، فى ظل تدخل إمبراطورى خانق وهيمنة المصالح‪.‬

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، لتعمّق الفوضى والانهيار، وتكشف زيف الشعارات المثالية التى رفعتها القوى الكبرى، حذر الليبرالى جون مورلى، حينها من أن الحرب ستصيب الطبقة العاملة باليأس وتدمّر الصناعة، وهو ما حدث بالفعل، خرج العالم من الحرب منهكًا، بلا يقين ولا استقرار، لكن بوعى جديد بأن الشرط الأول لبقاء أى دولة هو استقرار مجتمعها لا مجد إمبراطوريتها‪.‬
وحين وضعت الحرب أوزارها، اكتشف المنتصرون قبل المهزومين أن المجد الإمبراطورى لا يصمد أمام هشاشة المجتمع من الداخل، وأن الدولة القوية لا تُبنى على التوسع بل على استقرار مجتمعها وعدالة نظامها‪.‬

وهكذا، تحولت أوروبا بين نهاية القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، من ساحة صراع بين طبقات ونخب، إلى مدرسة كبرى فى الإصلاح الاجتماعى والسياسى، حيث أدركت أن مستقبلها لا يُصنع بالبندقية، بل بالمساواة والتعليم والصحة والكرامة الإنسانية.
وهكذا، ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تحولت أوروبا من حلم التوسع الإمبراطورى إلى واقع الإصلاح الاجتماعى، ومن أنانية الساسة إلى وعى الدولة الحديثة، التى لا تكتمل قوتها إلا بعدالة مجتمعها.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام