ثقافة



محمود درويش .. سيرة الشاعر العابر للقارات

18-11-2025 | 00:18
⢴ ‪ ‬ زياد عبد الفتاح

لم يؤمِّن لهم يوماً، كان شيوعياً ورفيقاً للكثيرين منهم، وهو لم يكن عنصرياً، بل إن بعض القوميين أخذوا عليه أنه أحب المجندة ريتا وأحبته، وإنه أسرّ لى أنه برومانسية الشاعر، انجذب إلى المفارقة فى المعنى، وإسقاط انتصارٍ ما، لتعويض ما عجز عنه الفلسطينيون.
ربما كانت تلك رؤيا اختلطت فيها أحلام مراهق، مع عملية تعويض ظن أنها تقفز به بعيداً فى معاناته الداخلية وانكساراته. 


الطفولة والمنفى الأول
ذلك اللاجئ الطفل الذى هاجر به جدّه، الآمر الناهى، وبالعائلة إلى لبنان متسللاً من قريتهم “البروة” فى الجليل، بعد أن احتلتها العصابات الصهيونية.
على أن هذا الجد، من جديد، بعد أقل من عام فى مخيمات اللجوء، راح يفتش بصمت عن دليل يعود بهم، ضاق صدره، ولم يعد يحتمل الغربة والهجرة والبعد عن تراب الوطن، وعن زيتونة كان قد زرعها قبل هجرتهم بعامين.
فقرّر هذا الآمر الناهى، الذى فرح كطفلٍ عندما عثر على الدليل، أن يرتب خطة العودة.

الجد والدليل
فى هذا يقول درويش، الذى كان فى سن السابعة، وكان الأثير لدى جده من بين أحفاده، إن الجد قد خصّه بسره الذى حجبه عن الجميع، وذلك حين سأله عن سر ذلك الرجل الغامض الذى ظهر فى حياتهم فجأة، وظلّ يأتى كل ليلة عند المساء فيرحب به الجد، بل يستقبله بحفاوة بالغة تشيع فى وجهه، وينتابه فرح عميم يفرح له محمود، إذ كان هو كذلك يحب جده أكثر من أى فردٍ آخر فى العائلة.
فى تلك اللحظات الفارقة، وشوشه جده قائلاً:
يا حفيدى، هذا هو الدليل الذى يعرف طرق ومسالك البلاد، وسيعود بنا إلى البروة.
ويقول محمود فى ذلك، إنه فرح فرحاً عظيماً، لا لكونهما عائدين إلى البلاد، إنما لفرح جده الذى كان يساوى لديه كنوز الدنيا.

السر الكبير
لقد طلب الجد من محمود، أن يبقى الأمر سراً خالصاً بينهما، إلى حين يقررا هو والدليل موعد رحلة العودة، وقال له: إن الرحلة ستكون خطرة وشاقة.
ولما سأله محمود، إذا كان يثق بالدليل، حد أنه يأتمنه على حياتهم خلال رحلة لا يملك فيها الجد، ولا أى فرد آخر كوالده أو أحفاده حق القرار أو الاعتراض، نهره الجد قائلاً: يا ولدى، ثق بفراسة جدك، فأنا منذ عشرة أيام وأنا أناقش خطة العودة مع الدليل، وقد استقر فى ضميرى أنه صادق وأمين، وعلينا أن نثق به، وإلا سنعيش ونموت فى الغربة ولن نعود أبداً للبلاد.
يا حفيدى، لا تكن خرع، إجمد يا ولدى، وسنعود، وستكبر الزيتونة التى غرسناها معاً، وسنسقيها بماء عيوننا، وسنأكل من زيتها الصافى المعصور على البارد أشهى زيت، بلسعة شهية نغمسه بالزعتر الذى سهرتُ على طحنه وخلطه، وخلّفناه وراءنا فى الدار، ونأكل منه هنيئاً مريئاً.
ويقول محمود درويش، إن جده أخذه بين أحضانه وقبله، وهو يبدو على سعادة لم يره عليها من قبل، ثم وشوشه مرة أخرى، وهمس فى أذنه: هذه الليلة سنبدأ رحلة العودة للبلاد.

الرحلة إلى البروة
كانت الرحلة خطرة وشاقة، أبدى خلالها الدليل حنكة، ومعرفة قربته من الجد، لم يتذمر ولم يشك، ولم يغال فى أية طلبات مالية، وبدا فرحاً عندما اقتربوا من “البروة”.
كاد الجد يركض فى سباق للوصول، لكنه فوجئ بتغير ساحق فى خريطة المكان، فالقرية بدت قبل منتصف الليل لا حياة فيها.
وعندما اقتربا وكادا يلامسان حوافها، اكتشفا أنها مسورة ومحاطة بأسلاك شائكة، وأمامها بوابة تمنع دخول الفضوليين، وثمة يافطة بالعبرية مكتوب عليها: جيش الدفاع، منطقة عسكرية، ممنوع الدخول.
لم يكن محمود درويش قد درس اللغة العبرية، ولا أجاد جده النطق بها، ولكن الدليل فسر للجد ما هو مكتوب، متسائلاً بقلق: ما العمل يا جدى؟
فأجاب الجد بثبات: هل تعرف، أيها الدليل العزيز، قرية الجديدة؟
قال الدليل: إننى أعرفها وأعرف الطريق إليها، لكن نظرى لا يسعف.
فأجاب الحفيد والدليل معاً: بل نعرفها، وهى ليست بعيدة.

الهجرة الثانية
لم يتردد الجد، إنما أمر بأن يعودا إلى حيث خلف العائلة فى حراسة الوالد فى مكان قريب، كان الجد يعرف أصدقاء له فى القرية، فقرر اللجوء إليهم، وقال وهو يتوكل على الله: يا محمود، ها نحن ندخل هجرتنا الثانية، فكن حارسها وتسلح بالكتمان، أما أنا فسأتولى كتماناً سيحافظ عليه صاحبى.
ثم التفت إلى الدليل قائلاً: أيها الدليل العزيز، سلام عليك حتى مطلع الفجر، وانتبه جيداً فى رحلة العودة.
وأخرج من جيب قمبازه الداخلى مبلغاً من المال، رفض الدليل أن يأخذه، وعندما أصر الجد على أن يأخذ ما يستحقه، مد الدليل أصابعه، وانتشل ورقة واحدة لم يتبين محمود قيمتها.
احتضن الجد دليلهما، ومضى إلى صديقه ينشد أماناً وحضناً دافئا، يجيد القرويون تبادله فى السراء والضراء.

البدايات والرحيل الأول
لا أعرف الكثير عن محمود درويش، بعد رحيلهم الأول مطاردين إلى لبنان، فعودتهما متسللين إلى قريتهم “البروة”، سوى مقتطفات متقطعة كنا نتذاكرها عندما يتخاطفنا حديث الذكريات.
فى هذا السياق والسرد، كان محمود درويش هو السارد الوحيد بلا منازع، فلم تكن قد جمعتنا المصادفة ولا المكان، فلقد عاش طفولته ودراسته الابتدائية وبواكيره الشعرية فى بلدة “الجديدة”، التى أتيت على ذكرها قبل صفحة أو صفحات، وكنت أنا فى مدينتى “طولكرم”، البلدة ثم المدينة التى توقف عندها خط الهدنة الأولى بعد الحرب، التى أرادها الغرب احتلالاً إحلالياً وطرداً وتهجيراً للفلسطينيين.


النكبة ومشاهد الحرب الأولى
لقد مارست العصابات الصهيونية “شتيرن”، و”الهاجاناه”، وغيرهما، بتسهيل كامل ومباشر، من سلطة الانتداب البريطانى، ودول أوروبا الغربية، جرائم جماعية ضد أهلنا المدنيين البسطاء العزل، سمعت أصداؤها فى كل أنحاء البلاد، فخاف السكان وهربوا، وهاجر بعضهم، أولئك الذين صدقوا شعار «على النجدة هيا يا رجال»، الذى أطلقه “جيش الإنقاذ”، والجيوش العربية الأخرى: العراقى والمصرى والأردنى، ومتطوعون قدموا من البعيد، من تونس والمغرب والجزائر.
لكنهم وقعوا فى قبضة سلطة الانتداب البريطانية، التى حاصرتهم وحاربت الجيوش العربية التى “تطوّعت”، لمساندة الفلسطينيين.


ذاكرة طفل فى طولكرم
ولسوف أختتم هذه الفقرة من القص والشهادة بأننى، وأنا الطفل فى ذلك الوقت الذى لم يركب سيارة، ولم يتعرف على الطائرة بعد، عاصرت فى سماء طولكرم طائرات قيل إنها صهيونية، تغير على بلدتنا، وأنها أسقطت قنبلتين لم تنفجرا، إحداهما فى شارع طولكرم الرئيسى أمام دار للسينما.
لم نفقه نحن الأطفال معنى ذلك، فهرعنا إلى المكان نعاين الوضع وكأنه مشهد سينمائى، فوقفنا مبهورين أمام ذلك الجسم الإسطوانى الممدد الذى تحدث عنه الكبار فى ليالى السمر، فقالوا إنها لو انفجرت لحصدت أرواح العشرات.

وجوه الرعب والتهجير
لم تكن القنابل بدائية فى ذلك الزمان، فقد كان الغرب يمتلك القنابل الذرية التى دمرت فيها الولايات المتحدة، مدينتى “هيروشيما” و”ناجازاكى” اليابانيتين.
إذن، ليس لأن الغرب لم يكن يملك تزويد الصهاينة، بما هو أثقل وأشد فتكاً، لكن لأن الهدف كان “تخويف الفلسطينيين وتهجيرهم”، واستخدام الدعاية السوداء، كما فعلوا فى “دير ياسين”، المجزرة التى نفذوها فى تلك القرية فى محيط القدس، وطافوا بالجثامين فى شاحنات مكشوفة، ثم فى مجزرة “قرية الطنطورة”، وبعد ذلك بزمان فى “قبية” و”السموع”، وفى عام 1967، أثناء «مجزرة كفر قاسم»، وقبية والسموع.
ما أشبه اليوم بالبارحة، فى «قطاع غزة»، الذى شهد مجازر قصف وقتل وإبادة، تعز على كل وصف، على مرأى وسمع العالم، وبمساندة أمريكية هى «فضيحة الفضائح»، بما انطوت عليه من جنون وإرهاب، وكذب وتضليل وتزوير، وصل حد إعلان الولايات المتحدة منفردة «الفيتو» خمس مرات، ظالمةً وكافرةً ومأفونة،  ما علينا.

محمود درويش شاعر الحداثة والذاكرة
وسأتوقف عند هذا الحد، كى لا أخرج عن نص يحدث عن «محمود درويش»، شاعر الحداثة والتفعيلة، والنصوص الشعرية المتفردة، التى ذاعت وانتشرت، ووضعته فى أعلى سياقات الشهرة والمكانة.
كنت قد أحدثت أننى لم أتعرف إلى محمود درويش، وهو فى قرية الجديدة فى الجليل، فهو كان فى دنيا، وأنا فى مكان وعالم آخر، فى طولكرم، ثم كمعلم فى «مخيم عين السلطان فى أريحا»، فإلى مطارد بين دمشق وبيروت والكويت، فدمشق من جديد، ثم «القاهرة»، التى كنت أزورها مصادفة قلبت مجرى حياتى، من «معلم إلى مؤسس وحكاء ومعلق سياسى» فى إذاعة «صوت العاصفة – صوت فتح – صوت الثورة الفلسطينية”.
مصادفة اللقاء فى أم الدنيا
فى تلك الفترة من رحلتى إلى “أم الدنيا”، وعملى فى إذاعة “العاصفة”، رتبت لنا الأقدار لقاء مصادفة.
كان ذلك فى عام “1971”، حيث كان “محمود درويش”، قد انتهى من عشق الشيوعية وقرر مغادرة «موسكو»، التى كانت رائحة الفساد فيها تزكم الأنوف!
قال لى بعد سنوات طالت وستطول: «أقمت فى موسكو أقل من عام، لكننى لم أطق العيش فيها، كنت أود استكمال دراستى الجامعية، لكننى راجعت نفسى وضميرى الشيوعى، فقررت الإفلات بجلدى، لكى لا أكفر بالحزب والمبادئ التى تربيت عليها».

لقاء محمود درويش وأحمد بهاء الدين
فى تلك اللحظة الفارقة، تصادف أن مر بموسكو الصحفى والكاتب والمفكر “أحمد بهاء الدين”، وكان وقتها رئيساً لمجلس إدارة “دار الهلال”.
لم نكن على معرفة مسبقة، لكنه كصحفى ومثقف ومتابع كان يعلم أننى فى موسكو، فطلب من مرافقه الروسى أن يرانى.
لم يكن الأمر صعباً على “إيجور”، ففى الأنظمة الشمولية اطلب لبن العصفور تجده فى طرفة عين، أمامك وفى متناولك.
قال لى “بهاء الدين” بعد انتهاء مراسم تعارفنا: «محمود، مكانك ليس هنا، وأقترح عليك السفر معى بعد غد إلى القاهرة، لا تشغل نفسك، فسأقوم بترتيب سفرك على نفس الرحلة التى تقلنى، فإذا لم توافقك الإقامة، بيننا فستكون تذكرة العودة معك وفى جيبك».

من موسكو إلى القاهرة
لم يطل بى المقام فى فندقى بالقاهرة، إذ سرعان ما صدر قرار بتعيينى صحفياً فى “دار الهلال” برتبة “شاعر”.
ولم يطل الوقت حتى سمع بى “محمد حسنين هيكل”، رئيس تحرير “الأهرام”، فهاتف العزيز “أحمد بهاء الدين”، قائلاً إنه يرجوه أن يكون درويش فى الأهرام غداً، فلقد تم تعيينى لأكون فى صالة واحدة مع “نجيب محفوظ”، و”يوسف إدريس”، وإلى جوار “توفيق الحكيم”، وعلى بعد طابق واحد من مكتب الدكتورة “بنت الشاطئ”.
لم يكن الأستاذ هيكل، ممن يرد لهم رجاء، فانتقل درويش بجرة قلم ومكالمة هاتفية ليصبح كاتباً صحفيا، إلى جانب أعلام مصر الثقافية والأدبية.

درويش ويوسف إدريس: صداقة وود
عن تلك الفترة تحدث “محمود درويش”، عن علاقة ود ربطت بينه، وبين الأديب “يوسف إدريس”، ربما كانت بسبب فارق السن، الذى باعد بينه وبين زملاء الأهرام، فكان أقربهم إلى قلبه يوسف إدريس.
جمعت بين ثلاثتنا مصادفة عشاء لدى وزير الثقافة التونسى، تعززت بلقائين:
لقاء على غداء آخر، دعيت إليه فى فندق «أبو نواس»، فى ضاحية «المرسى»، أما اللقاء الثالث فكان مصادفة أخرى على متن الطائرة المصرية.
كان «يوسف إدريس»، عائداً إلى وطنه، وأنا تلبيةً لدعوة كريمة من الرئاسة المصرية، بصفتى رئيس تحرير مجلة لوتس الأفرو - آسيوية”، و«محمود درويش»، بوصفه الشاعر الفلسطينى العالمى، والشخصية الأدبية ذائعة الصيت، لحضور حفل تكريم فى مقر الرئاسة المصرية، للروائى العالمى «نجيب محفوظ»، بمناسبة منحه «جائزة نوبل للأدب»، وهى أرفع الجوائز على الإطلاق، تُمنح فى كل عام للشخصيات العالمية، التى أثرت الحضارة الإنسانية.

حوار  فى  السماء
التقينا معاً: يوسف إدريس فى مقصورة الدرجة الأولى، ويوسف إدريس وأنا بصفتنا مدعوين من الرئاسة، أما ثالثنا محمود درويش، فكان على متن طائرة أخرى فى طريقه من باريس إلى القاهرة.
قطعنا رتابة الطريق والرحلة فى أحاديث، ضاعفت من تعارفنا وتآلفنا، غير أن جملة عابرة كادت تطيح بذلك الود الذى سادنا، عندما أعلن إدريس بأنه شأنه شأننا مدعو للاحتفال، لكنه لن يحضر.
بدا لى ذلك الرأى غريباً، وبما أننى لم أكن ملمًّا بخلفيات الصراعات، اعتبرت موقفه خارجاً، وأبديت ما ظننته صواباً، وهو أن الجائزة هى تقدير “لمصر، وأدبائها وكتّابها ومثقفيها أياً يكن الفائز بها”.
فجأة أمتقع لونه وجحظت عيناه، فآثرت الصمت حتى آخر الرحلة، وهو فى المقابل كان قد دخل فى نعاس، فمضى إلى خدر قاده إلى آخر الرحلة.

زواج مفاجأة صاعق
وكان محمود درويش، قد أجاب بفصاحة عن كل ما يتعلق بزواجه الذى كان مثار تساؤل من أقرب المقربين له، ومن الأبعدين الذين يثيرهم فضول لا يتوقف، كان الشاعر المضرب عن الزواج بالثلث فى هذه اللحظة التى أحكى فيها عن شئوننا وأسرارنا فى الثانية والثلاثين، إذ هو من مواليد 1942 ونحن الآن فى عام 1974، حين دُعى ياسر عرفات بمثابة ضيف على الجمعية العامة للأمم المتحدة، فى نيويورك مقرها الدائم والمختار.
كان الذى اخترع الدعوة ووجهها دولة الجزائر، عبر وزير خارجيتها عبد العزيز بوتفليقة، ولقد تلقف ياسر عرفات الدعوة التى لا تفوته فائتة، فقام على الفور بتشغيل آلته الإعلامية، فاستدعانى إلى مكتبه فى الفاكهانى، وطلب حضور محمود درويش، على الفور، وأحمد عبد الرحمن، رئيس تحرير “فلسطين الثورة”، ومحمود اللبدى مسئول الإعلام الخارجى، كان نبيل شعث مسافرًا، فحضر فى اليوم التالى، وحضر كذلك من الولايات المتحدة، كل من له رأى أو معرفة أو دالة وعلاقات مميزة بالإدارة والمجتمع الأمريكى، وفى مقدمتهم صاحب نظرية الاستشراق إدوارد سعيد، والبروفيسور إبراهيم أبو لغد.

فريق عرفات وخطاب التاريخ
شكل أبو عمار فريقًا هائلًا متخصصًا فلا يخر منه الماء، اجتمعنا لساعات وليال وأيام، تقاسمنا الأدوار ورسمنا الخطط ووضعنا الأفكار، وافترقنا على أن نجتمع لمناقشة الخطط، والأفكار الرئيسية التى كان على ياسر عرفات أن يضمنها خطابه، الذى سيتوجه به إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن خلالها إلى العالم أجمع.
وضع أعضاء اللجنة الأفكار وأودعوها لدى ياسر عرفات، ولأول مرة لم يتدخل عرفات بقلمه الأحمر، ولم يعترض على حتى كلمة واحدة، وإنما استدعى محمود درويش “صاقل الماس”، وخاطبه قائلاً: “الله يعينك ياخويا يا محمود، كلى ثقة أن خطابًا فلسطينيًا بهذا الوزن يعكف عليه الحبيب محمود وتنقحانه معًا ومعك زياد عبد الفتاح، لا بد وأن يخرج خطابًا رائعًا.”
رد عليه درويش قائلاً: “أبو عمار، لا تقلق، سنسلمك الخطاب منقحًا مشكولًا بعد يومين”.

تأشيرات ضيقة وجوازات كثيرة
قبل أيام من سفرنا إلى نيويورك، فوجئنا بأن السفارة الأمريكية منحتنا تأشيرات دخول لنيويورك فقط، محددة حركتنا بخمسة وخمسين ميلًا مربعًا لا أكثر.
كانت ثمة مشاكل أخرى تفرغ أبو عمار لحلها، من نوع أن بعض أعضاء الوفد لم يكن لديه جواز سفر، تغلب عرفات على المشكلة، إذ كلفنى بالاتصال بالأخ سفير فلسطين فى اليمن الديمقراطى “الجنوبى”، الذى قام بحل المشكلة على الفور، وطلب أن أرسل له أسماء أعضاء الوفد مع مبعوث خاص سافر عبر أكثر من مطار، وعاد فى اليوم التالى، وفى جعبته خمسة وأربعون جواز سفر دبلوماسيًا، أرسلناها إلى السفارة الأمريكية فى بيروت، بعد أن أرفقنا بها جوازات السفر التى كان العديد من الأعضاء يتمتعون بها.
كنا محمود درويش، وأنا ضمن أعضاء الوفد، باعتباره حائك القماشة ومصنع الثوب، وأنا باعتبارى المراجع والقائم على ضبطه نحويًا، وكذلك مسئول الظل الإعلامى.

غياب محمود وأمسية فى واشنطن
غاب عنى محمود يومًا ونصف اليوم، لم يتحدث لحظة عن سبب غيابه سوى أن صديقنا الدكتور كلوفيس، مقصود قد نظم له أمسية شعرية فى إحدى الجامعات فى واشنطن، وأنه طلب إذنًا خاصًا لخروجه إلى ما يتجاوز حدود التأشيرة الممنوحة، وقد مُنح ذلك الإذن من وزارة الخارجية الأمريكية.
فى ذلك الوقت، لم يكن درويش قد تُرجم بعد إلى لغات الأرض، فكان الإقبال على الأمسية من العرب المقيمين، وكذا من الطلاب الدارسين للغة العربية.

لقاء المصادفة مع رنا القبانى
هنا أستعير من السيدة رنا قبانى، التى أصبحت زوجته الأولى، إذ تقول إن إحدى صديقاتها، وهى مصرية، طلبت منها أن ترافقها لحضور الأمسية، لكنها اعتذرت، وأمام إلحاح الصديقة، وافقت رنا القبانى على أن تجلس فى آخر القاعة ثم تغادر وتمضى إلى شئونها.
وتقول رنا، كما جاء فى مذكراتها إنها حين كادت تهم بالخروج أطبقت على معصمها يد سمينة، قادتها لتجلس فى الصف الأول أمام محمود درويش، كانت ترتدى صندلًا مخمليًا مفتوحًا بلون وردى، يظهر أظافر قدميها المطلية باللون الأسود، وكانت فى تلك الفترة فى سن الثامنة عشرة أكثر أو أقل قليلًا. تلك الهيئة العبثية أبرزت تناقض الأبيض الناصع لبشرتها والأسود فى أظافرها.

يد كلوفيس مقصود والمشهد الأول
كانت اليد السمينة التى أطبقت على يد رنا القبانى، كما وصفتها، هى يد كلوفيس مقصود الذى كان بدينًا وضخم الجثة، لكنه كان صديقًا رائعًا ودمه عسلًا، كانت رنا قد وقفت لتغادر، عندما اعترضها كلوفيس الذى كان يجلس إلى جانبها، أما محمود، فقد ضبطته أكثر من مرة متلبسًا بتأمل بياض بشرتها وسواد أظافرها حتى كاد ينسى الشعر.
وعندما أنهى درويش أمسيته، أمسك كلوفيس يد رنا من جديد معاتبًا باللهجة العامية: «مو عيب عليكى ما تودعى الشاعر؟»
لم يكن المشهد بحاجة إلى وقفة درامية، كان درويش قد وصل، فطبعت على وجنتيه قبلتين، وقال: «هل تسمحين لى بخمس دقائق على انفراد؟»

عرض الزواج العاجل
وانتحى بها جانبا، حدق فى وجهها بأنفاس متلاحقة وسألها مباشرة: هل تتزوجيننى الآن؟ 
فلا وقت لدى، ينبغى أن نلحق بالطائرة المسافرة إلى باريس ثم إلى بيروت، فأنا أسكن هناك».
وتقول رنا إنها أجابته بأنها موافقة، شرط أن تكون العصمة بيدها.
فرد درويش مبتسمًا: «وأنا موافق».

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام