مقالات



كيف كانت وكيف صارت؟ (4)

20-11-2025 | 01:20
د. إيمان طاهر

على الرغم من هذه الحرب الداخلية الطبقية المشتعلة، استمرت الحكومة الليبرالية فى مسارها الإصلاحى، عندما أصدر لويد جورج قانونا جديدا خاصا بمعاشات الشيخوخة وجعل تمويله من خلال زيادة ضرائب انتقال الملكية وبيع الأراضى والمشروبات الكحولية، وكان ذلك نموذج الفلسفة الضريبية الليبرالية، حيث استهدفت الثروات غير الناتجة عن الربح دون الناتجة عن النشاط التجارى مثل الثروات المتوارثة وملكية الأراضى، وبعض أنواع الاستهلاك غير الضرورى من وجهة نظر المجتمع أو غير الأخلاقى، حيث اعتبر الليبراليون الكحوليات على رأسها.
أمام تلك التشريعات الجديدة، رفض مجلس اللوردات بنحو 350 صوتا كل تلك التشريعات، فعاد الصراع الدستورى يبرز ويتضخم ما بين مجلس منتخب من حقه تقديم قوانين ومجلس غير منتخب يرفضها!!! 
لتنشب معركة شرسة ما بين الحكومة الليبرالية والمحافظين بزعامة بلفور، رئيس الوزراء الأسبق، الذى هزم أمام الليبراليين فى المعركة الانتخابية، ومحاولتهم التمسك بسيادتهم وثرواتهم، وعندما أغلقت أبواب التفاهم، لجأ الليبراليون لسلاح الحل المبكر لمجلس العموم، لتأتى المفاجأة، حيث يتعادل الليبراليون مع المحافظين بعدد المقاعد ويرتفع عدد مقاعد حزب العمال والإيرلنديين لتضع الأزمة الدستور البريطانى أمام طريق مسدود، فحل الليبراليون المجلس مرة أخرى خلال عام واحد فقط، ونظموا انتخابات جديدة، وكانت تلك الحالة الاستثنائية طوال تاريخ بريطانيا فى 1910، لينتصر المحافظون مرة أخرى، ويتقاسموا المقاعد مع الليبراليين.
ولإنهاء تلك الصراعات توصلوا إلى حل وسط، وأصدروا قانونا يحرم مجلس اللوردات من المساواة مع مجلس العموم، وحصر سلطته على إيقاف القوانين المقترحة خلال ثلاث جلسات كحد أقصى، انخفضت لجلستين فيما بعد، لتصبح القوانين سارية المفعول إذا ما تمت الموافقة عليها من مجلس العموم، وكان هذا الإصلاح السياسى الكبير، له مصطلح شهير ارتبط به فى الأوساط البريطانية، عرف «بمجموعه يهوذا» لأن بعض اللوردات المحافظين انفصلوا عن المتشددين وأيدوا تلك التشريعات.
وعندئذ انهارت أسطورة النموذج الإنجليزى بالقرن التاسع عشر، ليخرج للعالم نموذج آخر حديث، يلائم الأوضاع السياسية والمجتمعية المتفرقة المنهارة، تقوم دعائمه على الازدهار المجتمعى كشرط لأى نظام سياسى يلتزم فيه بمحاربة الفقر، وضمان مستوى معيشى لائق وشبكة تأمينات، بالإضافة لمجانية الخدمات الاجتماعية كحق من حقوق الأفراد على الدولة.
ومن قبل الحرب العالمية الأولى، وصولا لما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت قضيه الانهيار المجتمعى والفقر والمرض أشبه بعدوى عالمية أصابت أوروبا كلها أمام سياسات مليئة بالاضطرابات، فتفككت توازنات سياسية قديمة كانت تعتبر قويه وراسخة. 
فلم تتمكن القيادات السياسية الألمانية من الصمود فى فترة المستشار فون بولوف، وعجزت الحكومة عن تشكيل كتلة حقيقية قوية تساندها، وتمكنت أحزاب مثل حزب الوسط الكاثوليكى الذى كان يرفض تمويل السياسة الاستعمارية من السيطرة على الحكومة، وتوسع حزب الاشتراكية الديمقراطية، فلجأ بولوف إلى كارت الانتخابات المبكرة، وجاءت نتيجتها مخيبة لآماله، حيث عززت من ثقل حزب الوسط، فحاول التحايل وكون حزبا أو كتلة تضم الأحزاب التقليدية القديمة مثل الألمانى المحافظ، الأحرار، القوميين، الليبراليين، وأضاف إليهم حزب التقدم والليبرالى اليسارى الصغير، وهو ائتلاف يرفع راية محاربة الكاثوليكية الرومانية وفكر الاشتراكية الديمقراطية، ولأن اجتماع تلك العقول بشتى أفكارها ومعتقداتها الصلبة واتجاهاتها المتناقضة وتطلعاتها أمر مستحيل، فشلت تلك الكتلة، واضطر فون بولوف لتقديم استقالته، وظلت مشكلة ألمانيا الحقيقية فى افتقار الحكومة للدعم البرلمانى ورضوخها للسلطات المختلفة، بالإضافة لتدخل الإمبراطور المهيمن. 
وفى ظل كل هذا التخبط والانهيار، كان من الطبيعى أن تأتى الحرب العالمية وتصيب العالم بحالة من الفوضى صاحبها انهيار تام للمالية والصناعة، كما حذر الليبرالى جون مورلى «إذا أخذنا بعين الاعتبارالحاله النفسية الحالية للطبقة العاملة، ستكون لمثل ذلك التأثير الكبير على النشاط الصناعى أضرارا فادحةتمتد للصعيد العام، لا يمكن لأجواء الحرب أن تكون إيجابية بالنسبة للأمن العام فى ظل نظام ديمقراطى تسود فيه أجواء شبيهة بعام 48».
وكان من المفترض أن تعنى الحرب للمنتصرين ثباتاً لسلطتهم، ووحدة لشعوبهم ووطنيتهم، وأن تكون بالفعل انتصارا لأهداف الليبرالية، وليس كما زج باسمها ويلسون رئيس أمريكا الأسبق كورقة للتدخل الأمريكى تحت ادعاءات حماية الديمقراطية بالعالم!!
لكن مما لا شك فيه أن شعار تلك المرحلة كان التخبط والفوضوية، والمحاولات المتعسرة للوصول إلى استقرار سياسى يبدو تقدميا.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام