«مش عاوز أمشى عالسطر… الكتابة عندى لحظة حرية مطلقة بلا قيود» وُلد رؤوف مسعد بسطا عام 1937 فى بورتسودان، لأبٍ قبطى من ملوى بمحافظة المنيا، قسٍّ مستنير كان يرى فى الإيمان طريقًا إلى الحرية لا قيدًا عليها. ومنذ طفولته الأولى عاش بين وطنين وحدود غائمة: السودان مسقط الرأس، ومصر منبت الجذور، كأن قدره أن يكون ابنا للهامش والمركز معا. فى البيت اختلط صوت الترانيم بصوت الأسئلة، وكانت تلك الثنائية - بين الإيمان والعقل، الروح والفكر - هى مفتاح شخصيته ومشروعه الأدبى لاحقا. لم يصبح كاهنًا كما أراد والده، لكنه أصبح كاهنًا للكلمة، يعتلى منابرها ليعظ بالحرية لا بالعقيدة، فقد انخرط منذ شبابه الأول فى الحركة اليسارية المصرية، مؤمنا بأن العدالة الاجتماعية وجه آخر للإيمان الحقيقى. دخل السجن فى الستينيات، وخرج أكثر تمرداً وصدقاً، يحمل فى داخله بذرة العصيان التى ستثمر لاحقاً فى أعماله الروائية والفكرية: بيضة النعامة، زهرة الصمت، إيثاكا، لما البحر ينعس… وغيرها، لم تكن كتاباته مجرد أدب، بل تجارب حياة مكتوبة بالدم والذاكرة؛ عن الجسد كما عن الروح، عن السجن كما عن المنفى، عن الله كما عن الإنسان، رافضًا كل ما يُفرض باسم الدين أو الوطن أو الأخلاق. ومن القاهرة إلى الخرطوم، ومن بيروت إلى بغداد، ومن وارسو إلى أمستردام، ظلّ رؤوف مسعد رحّالةً لا يهدأ؛ يحمل وطنه فى حقيبته، ويحمل منفى العالم فى صدره، وحين أغمض عينيه فى أمستردام عام 2025، رحل كما عاش: حرًّا، صادقا، لا ينتمى إلا إلى ذاته، تاركاً خلفه أثراً يذكّر بأن الكتابة الحقيقية لا تموت، بل تستمر فينا مثل ضوء لا ينطفئ. لم يكن لقاؤنا الأول فى بيروت لقاء مصادفة، بل امتداداً طبيعياً لمسار بدأ قبل أن نلتقى، كنت أعرفه من نصوصه قبل أن أعرفه وجهاً لوجه، من تلك اللغة التى تشبهه: جريئة، صريحة، حارّة كأنها خارجة لتوّها من معركة مع الذات والعالم. وعندما جمعتنا بيروت عام 1979، كانت المدينة تضجّ بالأفكار كما تضجّ بالقنابل، وكانت اللقاءات بين المثقفين تشبه الجلسات السرّية لمؤمنين بحلمٍ واحد، وإن اختلفت طرقهم إليه. كان رؤوف يومها لا يزال يحمل وهج الستينيات فى عينيه: خليطا من التمرد والشجن، ومن الإيمان بالإنسان برغم خيبات السياسة، كنت أراه أقرب إلى «الكاتب المقاتل» منه إلى المنظر أو الحزبى، فهو لم يكن يكتب ليؤرخ، بل ليشهد - على نفسه، وعلى زمن آمن به حتى النهاية. المشهد الأول: رفيق الحزب ورفيق الحلم كان لقاؤنا الأول فى بيروت عام 1979، زمنا كانت فيه المدينة تضج بالحلم والرصاص معا، ويبدو فيها المثقفون مثل حراس على أبواب الأمل، كنا حينها رفاقاً فى الحزب، نكتب ونناضل ونحلم بوطن أكثر عدلا وكرامة. لم يطل الأمر حتى قرر رؤوف مسعد الانسحاب من التنظيم، ومعه الشاعر محسن الخياط، والفنان الثورى عدلى فخرى، كان قرارهم مفاجئاً، لكنه لم يكن نزوة، بل احتجاجاً صريحاً على القيادة المزاجية والفردية التى اتبعها المخرج التسجيلى فؤاد التهامى، المسئول عن الحزب فى لبنان آنذاك، رأوا فى تلك الإدارة ما يتناقض مع روح العمل الجماعى التى آمنوا بها، وما لا يمكن البقاء فى ظله. غادر الحزب… لكنه لم يغادرنى، بقيت الصلة الشخصية والفكرية بيننا أعمق مما كانت، وكأن الانفصال التنظيمى منح علاقتنا قدراً أكبر من الصدق والحرية، كان يعمل وقتها فى صحيفتى السفير وبيروت المساء، يحمل خبرة واسعة فى الكتابة والتحرير. كثيرًا ما كنا نلتقى فى مقاهى الحمراء، أو فى أروقة الجرائد، يحدّثنى عن الكتابة، كأنها شكل من أشكال المقاومة اليومية. علّمنى - من دون أن يقصد - كيف تكون الصحافة وطنًا متنقلًا، وكيف يمكن للكلمة أن تبقى سلاحًا حتى فى أزمنة الخيبات، ثم جاءت مغادرتنا لبيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي، فقطعت خيط التواصل بيننا، لكن القدر أعاد جمعنا فى دمشق أوائل ثمانينيات القرن الماضي، خلال معرض الكتاب فى مكتبة الأسد الوطنية، حيث كان مديرًا لدار شهدى للنشر التى أسستها روكسان عطية، أرملة المناضل الشهيد شهدى عطية الشافعى، أدهشنى وقتها حجم الإصدارات التى أنجزتها الدار برغم عمرها القصير. وحين علم أننى شرعت بتأسيس دار النديم إلى جانب عملى الصحفى، بدأ يتحدث معى حديث العائد إلى وطنه، دافئاً، عميقاً، ومحمّلاً بنبرة إيمان لا تتغيّر. كان يلح على بالعودة إلى مصر: «الكتابة فى المنفى تبقيك حيًا… لكنها لا تمنحك الجذور. مصر يا صديقي… هى التربة الوحيدة التى تُثمر فيها الكلمات». كان يرى أن العودة ليست مجرد قرار مهني، بل واجب تجاه الذاكرة والمكان. وظلّ على إلحاحه عامًا بعد عام، كلما التقينا فى معارض الكتب بدمشق، يذكّرنى بأن أغلب رفاقنا عادوا، وأن مصر - برغم كل شيء - تبقى البيت الأخير. وفى عام 1987، عدت بالفعل. وكان رؤوف أول من رحّب بي، كأنه كان ينتظر هذا اليوم، دعانى يومها للعمل معه فى دار شهدى إلى حين استكمال إجراءات دار النديم، ومنذ تلك اللحظة بدأت مرحلة جديدة من علاقتنا؛ مرحلة تقوم على الاحترام العميق، وعلى مودة صافية، امتدت من بيروت إلى دمشق، ومنها إلى القاهرة. عتبة للذكريات الآتية كان لقاؤنا فى بيروت بداية حكاية لم تكتمل، وبذرة صداقة ستتخذ أشكالاً متعددة، تمتد بقدر ما تتسع ذاكرة زمن مضطرب عايشناه معاً. فى رؤوف مسعد التقت الحدة بالرقة، والتمرد بالحاجة الدائمة إلى الطمأنينة، كان قويا فى ظاهره، لكن فى داخله قلقٌ لا يهدأ، يعيش حربًا لا تنتهى بين الإيمان والشك، بين المنفى والذاكرة، بين ما كتبه وما ظلّ يؤجّله للحظة صفاء لا تأتى. سوف نمضى فى الجزءين التاليين إلى ما وراء الستار: إلى الوقائع التى جمعتنا فى دار شهدي، والمعارف التى فتحها أمامى، والأبواب التى دخلتها بفضله، كما سنقف أمام خلافاتنا وصداماتنا الفكرية، وأمام شخصيته القلقة المضطربة - تلك التى كان يصفها بنفسه قائلًا: «أنا ابن أقلية داخل أقلية… قبطى إنجيلى فى بلد يرى الاختلاف خطيئة». تلك التركيبة أثرت كل ما كتبه، وجعلت من السؤال قدره الدائم. وهى التى سنقترب منها أكثر فى الجزء الثاني، ثم فى الجزء الثالث والأخير، حيث نصل إلى سنواته فى هولندا، زياراته السنوية لمصر، ودوره فى دعم دار النديم، وصولاً إلى لحظة الغياب. الخاتمة هذه ليست سيرة كاتب فقط ...... بل سيرة صداقة طويلة، لم تمشِ يوماً على السطر.