فنون وفضائيات



المخرج محمد عبد العزيز عقب تكريمه فى مهرجان القاهرة السينمائى: «الهرم الذهبى» أهم جائزة فى مشوارى الفنى

20-11-2025 | 23:23
⢴ ‪ ‬ حوار أجراه - أحمد سعد الدين

كريم نجم كبير لكنه ينتمى لجيل مختلف لذلك لم نلتق فى أعمال فنية
التكريم يعنى أن العمر لم يضع هباء وأنى مشيت 
فى الاتجاه الصحيح
كرم مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، فى افتتاح دورته السادسة والأربعين، المخرج الكبير محمد عبد العزيز، حيث سلمه النجم حسين فهمى، جائزة الهرم الذهبى لإنجاز العمر، لما قدمه من أعمال سينمائية حققت العديد من الجوائز، وساعدت فى تطوير صناعة السينما على مدار أكثر من اثنين وستين عاماً، قدم خلالها أكثر من 67 فيلما وعددا كبيرا من المسلسلات التليفزيونية وأربع مسرحيات، «الأهرام العربى»، التقت المخرج الكبير محمد عبد العزيز، ليحكى لنا عن مشواره الفنى الطويل فى الحوار التالى.

< ماذا تمثل لك جائزة الهرم الذهبى من مهرجان القاهرة السينمائى؟
التكريم له معنى كبير، خصوصا عندما يكون فى حياة الفنان، فالجائزة تعنى له الكثير وتقول له إنك مشيت مشوارا طويلا على الطريق الصحيح، وإن العمر لم يضع بلا معنى، وإن التقدير جاء إليك من أهم مهرجان سينمائى فى مصر والعالم العربى، وهو مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، الذى شهِدت لحظة ميلاده على يد الراحل كمال الملاخ عام 1976، لذلك فالجائزة تعتبر أهم حدث كبير فى حياتى الفنية.
< هل كنت تتوقع الفوز بالجائزة؟
إطلاقاً لم تكن فى ذهنى، فمنذ نحو ثلاثة أشهر اتصل بى الفنان حسين فهمى، وقال إن إدارة المهرجان رشحتك للفوز بجائزة الهرم الذهبى، لا أنكر أن الخبر أسعدنى جداً، لكن قلت له إن المهرجان أقام دورة عن الكوميديا، وتم تكريمى فيها منذ سنوات، لكن سمعت صوت ضحكاته فى التليفون، وقال التكريم هذه المرة مختلف تماماً عن أى تكريم حصلت عليه من قبل، لأن جائزة الهرم الذهبى هى أعلى جائزة فى مهرجان القاهرة، وتمنح لأسماء معينة أثرت فى تطوير صناعة السينما، فهى تكريم عن مشوار العمر، وقتها فعلاً غمرتنى الفرحة، وبعد أن أغلقت التليفون جلست لحظات فى سكون تام، مرّ أمام عينى شريط حياتى منذ أن تقدمت بأوراقى للمعهد العالى للسينما، وسنوات الدراسة ثم العمل كمساعد ثم مخرج، حتى الآن، رأيت كل شىء أمامى عينى فى لحظة واحدة، تذكرت صعوبة البدايات والجهد والتعب، تذكرت الحلم الذى كان بداخلى منذ الطفولة وكيف تحقق، تذكرت المعارك الكبيرة التى خضناها جميعاً أنا وجيلى حتى نثبت أنفسنا فى مجال السينما.
إنها فعلاً لحظة جميلة تعتبر تتويجا لمشوار تعدى الستين عاما. 
< لماذا اخترت أن تكون معظم أعمالك بصبغة كوميدية ولم تلجأ للتراجيديا مثل معظم جيلك؟
عندما كنت طالبا فى معهد السينما، كان الراحل العظيم أ. لويس عوض يدرس لنا مادة الدراما، وبالتأكيد كانت الدراما جادة فى معظمها، لكنه فى يوم ما، قال إن أهم خطوة فى وصول الرسالة الدرامية للمشاهد أن تصل بابتسامة، لا أعرف لماذا ظلت تلك الجملة فى أذنى سنوات طويلة، عندما أصبحت مخرجا قررت أن أقدم أعمالا كوميدية تحتوى على رسالة جادة، فالكوميديا أسرع الفنون وصولًا إلى الجمهور، لكنها بالنسبة إليّ ليست مجرد وسيلة للإضحاك، كنت دائماً أحرص على أن أضع فيها عمقاً فكرياً، وأن أحملها قضايا ومضامين إنسانية، وهذه معادلة صعبة جداً أن تُضحك الناس، وفى نفس الوقت تجعلهم يفكرون فيما يحدث حولهم، لذلك اخترت معظم أعمالى بصورة تحتوى على ما يطلق عليه الكوميديا السوداء، ساعدنى فى ذلك وجود مجموعة من الشباب الذين يجيدون تجسيد اللون الكوميدى على الشاشة، مثل عادل إمام، وسعيد صالح وغيرهما، فيكفى أن تعرف أنى قدمت مع عادل أمام وحده ثمانية عشر فيلماً، وهو ما يعتبر رقماً قياسياً بين ثنائى فنى فى تاريخ السينما المصرية.
< البعض يتصور أن إخرج الكوميديا قائم على الهزار وخفة الظل  طوال الوقت؟
للأسف نظرة الناس للكوميديا، تتركز على أنها نوع من الترفيه فقط لا غير، ويتصورون أن المخرج، والممثل الكوميدى يضحك ويهزر طوال الوقت، وهذه نظرة خاطئة مائة بالمائة، لأن أصعب ألوان الفنون هو اللون الكوميدى، فطبيعة الشعب المصرى والعربى، أنه يميل أكثر نحو التراجيديا والشجن، وكما يطلقون عليه، دمعته قريبة، لذلك من الصعب أن تجعله يضحك وعليك أن تبذل مجهودا جبارا حتى تستطيع إضحاكه، لذلك العمل الكوميدى يجب أن يقاس بمقياس دقيق جداً أثناء التحضير للفيلم، بمعنى أن عليك أن تضبط إيقاع الجملة والإفيه مع الصورة والأداء، وبقية عناصر العمل حتى يكون المشهد صحيحا، وينتزع الضحكة من فم المشاهد، فأى خلل فى تلك العناصر حتى لو استغرق ثانية واحدة، من الممكن أن يخرج خارج الإطار تماماً، ويجعل المشاهد لا يضحك، ومن الممكن أن يضحك عليك وليس معك.
< أنت مخرج كوميدى لكن قدمت أفلاما أخرى غير كوميدية، فهل حققت هذه الأفلام النجاح الذى كنت تنتظره؟
أنا فعلا أحب الكوميديا، لكن أولا وأخيرا أنا مخرج يهمنى الموضوع، وعندما أقتنع بفكرة ما وأجدها مناسبة، أدخل إليها مباشرة، بصرف النظر إن كانت كوميدية أم لا،  فمثلا  فى نهاية السبعينيات حدثت أمام عينى مشكلة تخص فتاة جميلة تدرس فى الجامعة، ولديها زميل يحبها وتحبه، وبالفعل تقدم لخطبتها، لكن والدتها تريد أن تزوجها من أحد أقربائها غير المتعلم، لكنه يمتلك ورشة خراطة، تدر عليه دخلا أسبوعيا يتعدى المائة جنيه، وهو رقم كبير فى ذلك الوقت، وظلت المشكلة قائمة إلى أن فسخت الفتاة خطبتها وتزوجت من قريبها، هذا برغم جهله، لكن الزيجة لم تستمر أكثر من ستة أشهر، وتم الطلاق لأن الثقافة مختلفة، والتفاهم منعدمان بين الاثنين، هذه القصة التى شاهدتها وعشتها، ففكرت أن أقدمها فى فيلم، وبالفعل حكيتها للسيناريست الراحل أحمد عبد الوهاب، فاخترنا أن يكون الصراع بين أعلى درجة علمية فى المجتمع، وهو أستاذ الجامعة وبين أقل الدرجات، وهو الزبال، فمن سينتصر على الآخر، فى ظل مجتمع الانفتاح الاقتصادى.
وكان الفيلم بعنوان «الزبال»، الطريف أنى لم أجد منتجا يتحمس للفيلم، فقررت أن أنتجة بنفسى، واخترت للبطولة عادل إمام، وسعيد صالح، وعندما انتهى من القراءة، اقترح تغيير الاسم من الزبال إلى «انتبهوا أيها السادة»، لكنه اختلف معى، فرشحت محمود ياسين وحسين فهمى، وعندما انتهيت من النسخة كاملة، قال لى الموزع سوف أعطيك سينما صغيرة فى شارع عماد الدين أسبوعين، أو ثلاثة فقط، حتى تلملم ما أنفقته ثم نرفع الفيلم، الغريب أن الفيلم عرض فى ثلاث نسخ فقط، لكن شباب الجامعة دخلوا الفيلم، وأصبح الطلاب يقفون طوابير أمام السينما، وفوجئت بالموزع يطلب نسخا جديدة بكميات كبيرة، لتغطية السينمات الكبرى التى لم تكن فى الحسبان، وأصبح الفيلم يعرض يوميا فى خمس حفلات فى السينما الواحدة، ورفع شعار كامل العدد، وتلقيت اتصالا من الراحل لويس جريس، رئيس تحرير مجلة صباح الخير، بأن المجلة كلها سوف تأتى لمناقشتى، وعمل حوارات معى، وبالفعل قدمت المجلة عددا كاملا عن الفيلم وتحليلا لقصته، وما حدث للمجتمع المصرى من تغيرات قلبت الموازين، وحقق الفيلم إيرادات غير مسبوقة فى تاريخ السينما المصرية فى ذلك الوقت.
< لماذا اتجهت للتدريس بالمعهد برغم نجاحك فى مجال الإخراج؟
التدريس بالنسبة لى متعة مختلفة، فمنذ تخرجت فى المعهد العالى للسينما، وأنا أحب أن أنقل تجربتى وخبرتى للطلاب الجدد، فبعد التخرج تم تعيينى معيدا بالمعهد، وقررت أن أكمل الماجستير والدكتوراه، لكن للأسف اشتغلت فى أفلام التليفزيون وفرقه المسرحية، ثم عملت فى السوق مساعدا ثم مخرجا، فلم أجد الوقت الذى أحضر فيه الدراسات العليا، لأنى كنت أخرج من فيلم، لأدخل فى فيلم جديد حتى وصل رصيدى الإخراجى لسبعة وستين فيلماً، وعشرين مسلسلا، وأربع مسرحيات، لكن لم أنس عملى مدرسا للسينما فى المعهد، حيث كنت أجد متعة كبيرة عندما أجد أحد تلاميذى، ينجح فى فرض نفسه داخل سوق الإنتاج السينمائى، فمثلا من طلابى عاطف الطيب، وعلى بدرخان، وداود عبد السيد وغيرهم، أضف إلى ذلك أن السينما تحب الأفكار الشابة، فكان التدريس والاحتكاك مع الطلاب يمنحنانى أفكارا شابة، خصوصا أثناء مناقشاتى معهم، واليوم أنا فخور بأن هؤلاء الطلاب حققوا نجاحات كبرى.
< هل خبرتك الطويلة تجعلك تستمتع بمشاهدة الأفلام السينمائية أم تراها بعين الخبرة والتحليل فتفقد متعة المشاهدة ؟
هذا السؤال فى يوم من الأيام، ونحن طلبة فى المعهد، سأله لنا الأستاذ حلمى حليم، أذكر أنه قال لنا: عندما تتبحر فى مجال الإخراج، لن تستطيع أن تستمتع بمشاهدة الفيلم السينمائى مثل الجمهور العادى، لأن الجمهور يتفرج بكل حواسه، ويعيش مع العمل ويتفاعل معه، أما ابن المجال فدائما ما يحلل اللقطة التى يشاهدها، وهل هى جيدة أما ستكون أفضل من زاوية أخرى بأحجام أخرى؟ وهكذا، ولا أنكر أننى بعد أن دخلت السوق أصبحت أشاهد الأفلام بعيون مختلفة تماماً، فقد أستمتع بالفكرة أكثر، لكن فى نفس الوقت تجد عقلى يتحدث، كأنه يريد أن يطور هذه الفكرة بمفهوم آخر، حسب وجهة نظرى، وكذلك اللقطات والزوايا والإضاءة والديكور والموسيقى، باختصار أصبحت عينى ناقدة بشكل أكبر، لذلك لا أشعر بالمتعة التامة إلا فيما ندر .
< أخيرا، لماذا لم تصنع فيلماً يجمعك بنجلك كريم عبد العزيز؟
أنا أنتمى لجيل مختلف، بدأنا مشوارنا، أنا وحسين فهمى، ومحمود ياسين ونور الشريف ومديحة كامل وميرفت أمين وغيرهم، حققنا نجاحات كبرى بمقاييس زماننا، أما كريم فهو نجم ناجح استطاع أن يثبت نفسه بقدراته الفنية وموهبته، وهو ابن جيل مختلف، له أفكاره ومحدداته التى قد تختلف مع جيلنا، لذلك أنا أفرح كثيراً بنجاحه بمفرده ودائما أتابع أعماله.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام