رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 10 ديسمبر 2025
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
نحن والعالم
تحدد مسار التعافي ووضع أسس الحل الشامل لدولة فلسطينية مستقلة.. مصر تقود العالم لإحياء قطاع غزة
23-11-2025
|
21:05
هاني فاروق
تأتي استضافة مصر مؤتمر التعافي المبكر وإعادة إعمار قطاع غزة في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لمسار القضية الفلسطينية، لترسخ دورها التاريخي في حماية الشعب الفلسطيني والتصدي للعدوان الإسرائيلي، فخلال الأشهر الماضية قادت مصر تحركات محورية أسهمت في وقف العدوان، وتأمين المساعدات الإنسانية، وإفشال مخططات التهجير القسري، إضافة إلى إعادة إحياء المسار السياسي القائم على حلّ الدولتين بدعم من الشرعية الدولية، ليعكس احتضان القاهرة للمؤتمر انتقال الجهود من مرحلة وقف إطلاق النار واحتواء الأزمة الإنسانية إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تُعنى بإعادة البناء ووضع ضمانات تمنع تجدد الصراع، وفتح مسار سياسي يعيد طرح حلّ الدولتين كخيار واقعي تدعمه الشرعية الدولية.
وتنعقد الآمال على المؤتمر ليكون منصة جامعة للدول العربية والخليجية والمجتمع الدولي، من أجل حشد التمويل والخبرات وآليات الرقابة التي تضع قطاع غزة على طريق التعافي الحقيقي. كما يطرح المؤتمر سؤالًا جوهريًا يتجاوز إعادة الإعمار إلى ضمان عدم عودة إسرائيل للحرب مجددا، خصوصا في ظل سجلّ الاحتلال الحافل بنقض الاتفاقات ورفض الالتزام بتفاهمات شرم الشيخ.
وبذلك، يصبح مؤتمر القاهرة للتعافي المبكر وإعادة إعمار قطاع غزة خطوة مركزية نحو استعادة الحياة في غزة، وتثبيت حقوق الشعب الفلسطيني، وبناء شراكة دولية تضع حدا لدورة العنف وتعيد الأمل بإمكانية تحقيق سلام دائم وعادل في المنطقة.
ترى د. نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية بالجامعة الأمريكية، أن انعقاد المؤتمر الدولي للتعافي المبكر وإعادة الإعمار، يأتي في توقيت بالغ الأهمية لضمان عدم العودة إلى دائرة العنف، ويشكل فرصة لمحاكاة نموذج دولي للتعاون السياسي والدبلوماسي والأمني.
وأوضحت أن المجتمع الدولي بدأ بالفعل التحرك على عدة مستويات لبناء ضمانات تمنع عودة إسرائيل للحرب على غزة، مركزة على آليات سياسية وعسكرية ودبلوماسية متكاملة، مشيرة في هذا الإطار، إلى أن الضغط السياسي الأمريكي المباشر يتولى دورًا رئيسيًا، حيث تعمل الإدارة الأمريكية على تقديم ضمانات للدول العربية بعدم تكرار الحرب، مع التنسيق العسكري الميداني لمراقبة الالتزام بالهدنة، وممارسة ضغط مستمر على الحكومة الإسرائيلية، كما تم اقتراح إنشاء قوة دولية مؤقتة للإشراف على الأمن في غزة، والتعاون مع الشرطة الفلسطينية ومراقبة الحدود لمنع تهريب الأسلحة، بينما تدعم الأطر الدولية مشروع قرار أمريكي في مجلس الأمن يضمن التفويض والدعم الدولي لخطة السلام.
وتضيف أن هذه الجهود ليست سوى جزء من آليات أوسع لربط إعادة الإعمار بالاستقرار، من خلال تقديم المساعدات المالية الضخمة وإطلاق مشروعات إعادة الإعمار، إلا أنها تواجه تحديات حقيقية، بينها محدودية الضمانات القانونية، حيث تبقى الإجراءات أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية وليست ضمانا دائما، بالإضافة إلى رفض بعض الدول العربية لبعض الشروط الأمريكية والإسرائيلية، وتضارب الرؤى بين خطة "ريفييرا غزة" الأمريكية وخطة "عنقاء غزة" الفلسطينية المحلية، مما قد يؤثر على فعالية وحدة الجهود الدولية.
وعن الدور المصري، تؤكد د. نهى بكر أن مصر نجحت في الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة بعد وقف الحرب من خلال قيادة دبلوماسية نشطة وعمل إنساني ملموس، فقد قادت مصر المسار الدبلوماسي، وعقدت قمة دولية في شرم الشيخ في أكتوبر 2025، حضرها أكثر من 20 زعيمًا، بينهم الرئيس الأمريكي، لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق وقف إطلاق النار والتوقيع عليه. ولم تقتصر الجهود على ذلك، بل استمرت مصر في الاتصالات المكثفة مع القوى الدولية مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وكندا، لضمان تنسيق المواقف وحشد الدعم. كما قامت القيادة المصرية بالتعاون مع مسؤولي الأمم المتحدة لضمان مشاركة فعالة لوكالاتها في مؤتمر إعادة الإعمار، والاستفادة من خبراتهم في مرحلة التعافي المبكر.
واستطردت قائلة: في الوقت نفسه، حرصت مصر على إشراك جميع الفصائل الفلسطينية في الحوار لضمان وحدة الموقف، وأجرت المخابرات العامة لقاءات مستمرة مع الفصائل المختلفة، مع الحفاظ على وقف إطلاق النار ومنع العودة إلى الحرب. وتواصل مصر علاقاتها الاستراتيجية مع القيادة الفلسطينية، لتكون وسيطًا رئيسيًا في جهود المصالحة ودفع مسار التعافي، من خلال رؤية شاملة تربط بين وقف إطلاق النار وبدء مشروعات إعادة الإعمار، وهو ما مهد لإطلاق المؤتمر الدولي للتعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة، بهدف حشد التمويل الدولي وبدء المشروعات فورًا.
وعلى صعيد الجهود الإنسانية، أشارت د. نهى بكر إلى أن مصر قامت بإنشاء مخيمات إيواء داخل القطاع، منها مخيم يستوعب نحو 15 ألف أسرة، مع متابعة دقيقة لضمان وصول المساعدات الإنسانية بكميات تتناسب مع الاحتياجات، كما جددت مصر مطالبتها بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، التي تشمل الجوانب السياسية والتنموية والإنسانية، مع التأكيد على ضرورة ضمان عدم عودة إسرائيل إلى الحرب مجددًا، عبر آليات رقابية دولية، والتزامها بالمعاهدات والاتفاقات الدولية، بما يعزز فرص السلام الدائم في غزة.
وأكدت أن نجاح المؤتمر سيعتمد على تكاتف المجتمع الدولي وتوجيه الدعم المالي والفني المناسب، مع قدرة مصر على قيادة الجهود وضمان تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، سواء على صعيد التعافي المبكر أو إعادة الإعمار، وضمان الاستقرار في المستقبل القريب.
خطوات عملية ملموسة
ويشير المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال إلى أن انعقاد مؤتمر التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة، يمثل مرحلة محورية في تحويل وقف الأعمال العسكرية إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض، بعيدًا عن مجرد خفض التصعيد العام. وأوضح نزال أن المؤتمر يتيح تحويل بنود اتفاق وقف النار السياسية إلى خطط تمويلية وتقنية واضحة، تشمل إزالة الأنقاض، إعادة فتح الخدمات الحيوية، وبناء مساكن مؤقتة ودائمة للمتضررين.
ويؤكد نزال أن المؤتمر يمثل فرصة مهمة لحشد التمويل الدولي، مشيرًا إلى أن تكلفة إعادة الإعمار ضخمة للغاية ولا يمكن للدول المانحة التعامل معها بشكل متجزئ، لذا يجمع المؤتمر المتبرعين والمؤسسات الدولية في منصة واحدة لتنسيق الحصص والالتزامات المالية، مع إضفاء شرعية وآليات رقابة ومتابعة من خلال الأمم المتحدة وبنوك التنمية ومؤسسات رقابية لضمان الشفافية في استخدام الأموال.
وأضاف أن الآمال المرتقبة من المجتمع الدولي والدول العربية والخليجية كبيرة، حيث من المتوقع أن توفر أوروبا والولايات المتحدة خبرات فنية في مجالات البنية التحتية، الصحة، المياه والكهرباء، إلى جانب المشاركة في آليات إدارة المشروعات والضمانات المالية. أما الدول العربية والخليجية مثل السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، فتُتوقع أن توفر موارد مالية وتسريع التنفيذ عبر اتفاقات ثنائية وصناديق خليجية، مع إتاحة مساحات سياسية لاحتضان برامج تشغيل وإعادة إعمار سريعة. ويشير نزال إلى أن التنفيذ المتوقع يتم على مراحل: مساعدات إنسانية عاجلة، مشروعات بنية تحتية أساسية، ثم إعادة تأهيل اقتصادي، مع ضرورة توافر ضمانات أمنية وسياسية لضمان الاستقرار.
وحول الدور المصري في الوصول لهذه المرحلة، يرى نزال أن مصر تميزت بكونها وسيطًا تاريخيًا موثوقًا، حيث تمتلك علاقات مباشرة مع جميع الأطراف الإقليمية والفلسطينية والإسرائيلية، ما منحها الثقة لتنظيم المؤتمر وقيادة جهود إعادة الإعمار. كما نجحت مصر في تعبئة المجتمع الدولي من خلال اتصالات رفيعة المستوى مع أوروبا ودول الخليج، واستثمار زخم قمم مثل قمة شرم الشيخ لتقريب المواقف ودفع جدول عمل واضح، إضافة إلى امتلاكها الخبرة التنظيمية والبنية المؤسسية لاستضافة مؤتمرات كبرى وضمان بدء برامج إعادة الإعمار بكفاءة.
وأضاف أن العالم يمكن أن يسهم فعليًا في إعادة الإعمار من خلال أدوات عملية مباشرة تدمج في جدول أعمال المؤتمر، تشمل تمويلا مباشرا مشروطا ومرحليا حسب الأولويات (ماء، كهرباء، صحة، مأوى)، وآليات تنسيق دولية عبر الأمم المتحدة لتفادي التشتت، وفتح ممرات مواد البناء والوقود والأدوية بإشراف دولي، فرق هندسية لإزالة الألغام والأنقاض، برامج تشغيل محلية لتقوية الاقتصاد ومنع البطالة، ولجان رقابة مستقلة للتأكد من الشفافية وربط الدفعات المالية بتحقق معايير الحماية والحوكمة.
وفي ما يتعلق بضمان عدم عودة إسرائيل للحرب بعد إعادة الإعمار، يشير نزال إلى أن لا ضمان مطلق في بيئة سياسية متقلبة، لكن هناك إجراءات تقلص احتمال العودة للصراع، مثل: نشر قوة دولية واضحة بصلاحيات مراقبة الأمن ومنع التسلل، وربط التمويل بآليات تحقق من الالتزام، وآليات دولية للرقابة والتحقيق مع تقارير دورية، ومبادرات سياسية متوازية لإشراك السلطة الفلسطينية، ومتابعة دولية مستمرة، وخطط استباقية للتصعيد عبر وساطات سريعة من مصر وقطر وتركيا والأمم المتحدة.
وحذر من المخاطر والتحفّظات العملية، بما في ذلك إمكانية عرقلة إسرائيل لواردات المواد الحساسة، والانقسامات الدولية بين الدول المانحة، إضافة إلى أن غياب معالجة الملف السياسي الطويل الأمد سيبقي احتمالات تجدد العنف مرتفعة.
وختم نزال بالإشارة إلى أن نجاح المؤتمر يعتمد على تحويل التعهدات المالية إلى خريطة طريق زمنية واضحة، مع صندوق إدارة دولي وآليات رقابة، وقرار دولي أو تفويض قوة استقرار، مؤكدا على أهمية إشراك القوى الإقليمية كميسر دائم، وربط الدفعات المالية بتحقق شروط حماية المدنيين، وتنفيذ برامج تشغيل فلسطينية محلية لضمان ملكية المشاريع وتقليل الاحتقان، بما يجعل المؤتمر منصة فعلية للتعافي المبكر وإعادة الإعمار المستدامة في غزة.
خطة قابلة للتنفيذ
ويشير الخبير في الشئون الفلسطينية الإسرائيلية د. نهاد أبو غوش، مدير مركز المسار للدراسات، إلى أن انعقاد المؤتمر يكتسب أهمية مضاعفة في ظل الضغوط الإسرائيلية على الخطة الأمريكية، التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى تحويل نتائج الحرب الأخيرة إلى مكاسب سياسية واقتصادية لصالحها، بما يضمن هيمنتها على الشعب الفلسطيني وفرض حلول تصفية للقضية الفلسطينية.
وأكد أن مواجهة هذه الخطة الإسرائيلية تمثلها المبادرات العربية والإسلامية، خصوصًا الخطة العربية الإسلامية لإعادة الإعمار، التي تحولت إلى خطة دولية بالتعاون مع المجتمع الدولي، ما ساهم في تعديل توجهات الإدارة الأمريكية وضمان تعزيز الموقف الفلسطيني، موضحا أن المؤتمر يمثل الانتقال من مرحلة النظرية والدعاية إلى مرحلة خطة عملية قابلة للتنفيذ، تشمل إعادة بناء قطاع غزة وتثبيت حقوق الشعب الفلسطيني.
وأضاف أن الآمال العربية والفلسطينية تتجلى في إنهاء الحرب الإبادة وتثبيت وجود الشعب الفلسطيني، وضمان عدم استمرار العدوان الإسرائيلي على المدنيين والبنى التحتية، بعد أن شهد القطاع تدميرًا واسعًا شمل المستشفيات والمدارس والمساجد والجامعات وشبكات الطرق والصرف الصحي، وخسائر بشرية بلغت أكثر من 10% من سكان القطاع.
وأوضح د. أبو غوش أن المؤتمر يشكل فرصة لضمان إعادة بناء غزة بطريقة تتيح للفلسطينيين العيش بحرية وكرامة، مع التأكيد على تحمل إسرائيل كامل المسئوليات القانونية والأخلاقية عن جرائم الحرب والإبادة التي ارتكبتها، والعمل على تهيئة الأرضية الدولية والدبلوماسية اللازمة لتمكين الفلسطينيين من الاعتماد على أنفسهم واستعادة نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار د. أبو غوش إلى الدور المحوري لمصر، بوصفها الوسيط الإقليمي الرئيسي، حيث تمتلك ثقلًا سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا، وتاريخيًا واستراتيجيًا في القضية الفلسطينية، ما يؤهلها للعب دور قيادة على المستوى العربي والدولي، لضمان حماية حقوق الفلسطينيين، ومواجهة المخططات الإسرائيلية التي تهدف إلى تهجيرهم وحرمانهم من حق تقرير المصير.
وأضاف أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة النظام الدولي، وعجز المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، عن لجم العدوان الإسرائيلي، ما عزز الشعور العالمي بضرورة تحرك شعوب ودول العالم والمجتمع الدولي لإنصاف الشعب الفلسطيني، وإعادة بناء غزة على أسس قانونية وإنسانية واضحة، لضمان الاستقرار ومنع تراكم الأزمات التي قد تؤدي إلى تطرف سياسي أو ظواهر هجرة وعنف مستقبلي.
وأكد د. أبو غوش أن استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، والذي تجاوز 75 مليار دولار خلال الإدارتين الأخيرتين، عزز من شعورها بأنها فوق القانون، مشددًا على أن الاستفاقة الدولية الأخيرة، خصوصا في أوروبا وقطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي، بدأت تدفع نحو تغيير المواقف تجاه إسرائيل ودعم حقوق الفلسطينيين، بما يشكل ضغطا سياسيا ودبلوماسيًا لتعزيز فرص نجاح مؤتمر إعادة الإعمار وضمان عدم تكرار العدوان في المستقبل.
جهد استثنائي
ويرى الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن القاهرة تبذل جهدًا استثنائيًا من أجل إنجاح المؤتمر التعافي وإعادة الإعمار، معتبرًا أن المؤتمر يأتي في واحدة من أكثر اللحظات حساسية وخطورة بالنسبة لقطاع غزة. ويشير إلى أن ما تعرض له القطاع من دمار ممنهج جعل منه «بيئة طاردة»، الأمر الذي يفرض ضرورة الإسراع في جهود التعافي وإعادة الإعمار ولو بشكل جزئي، خصوصا في مجالات البنية التحتية والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.
ويؤكد أن مصر تتحرك على كل المستويات مع الجهات الدولية لضمان خروج المؤتمر بنتائج عملية تدفع باتجاه «إعادة بناء الحياة» في غزة، موضحًا أن أكثر من 50% من المساعدات ما تزال إسرائيل تعرقل دخولها، وهو ما يجعل الانتقال من مرحلة وقف إطلاق النار إلى مرحلة إعادة البناء أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، مضيفًا أن الخطة المصرية لإعادة الإعمار تقدّر التكلفة بأكثر من 60 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم المأساة التي خلّفتها الحرب، ما يستوجب دعمًا سخيًا من الدول الأوروبية والخليجية والعربية.
ويشير الرقب إلى أن مصر استطاعت، بفضل موقعها ودورها الإقليمي، أن توسّع هامش حركتها الجيوسياسية منذ اللحظات الأولى للحرب، إدراكًا منها أن ما يجري يمس أمنها القومي بشكل مباشر، لافتا إلى أن القاهرة تحركت مبكرًا لوقف الحرب ومنع مساعي الاحتلال لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة القسرية، وهو ما ظهر بوضوح في مؤتمر شرم الشيخ للسلام في 13 أكتوبر الماضي، الذي سعت من خلاله مصر إلى حشد المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، للاتفاق على مسار سياسي يفضي إلى سلام شامل وحقيقي، لا مجرد «حلول مسكّنة» كما جاء في الخطة الأمريكية.
وأضاف أن القاهرة نجحت في منع سيناريوهات التهجير، وفي تثبيت السكان في الضفة وغزة، وفي الدفع مجددًا نحو هدف إقامة الدولة الفلسطينية كحجر زاوية لأي سلام دائم في المنطقة.
وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، يوضح الرقب أن التجربة السابقة تجعل من الضروري وجود ضمانات دولية قوية تمنع تكرار الحرب، مشيرًا إلى أن مصر سبق أن تبرعت في عام 2021 بنحو نصف مليار دولار لإعادة إعمار غزة، وشيدت المدن والتجمعات السكنية والطرق، لكن الاحتلال دمّرها جميعًا.
وشدّد على أنه من غير المقبول أن يُعاد إعمار القطاع مجددًا ثم يُترك فريسة لتهديدات إسرائيل بإعادة الهدم من جديد، مشيرا إلى أن الحل يكمن في نشر قوات دولية لحفظ السلام أو ما بات يُطرح تحت مسمى «قوات الاستقرار الدولي»، لتكون قادرة على الفصل بين الجانبين ومنع الاحتلال من العودة إلى العمليات العسكرية، بما يوفّر للفلسطينيين بيئة آمنة لإعادة البناء وإطلاق مرحلة جديدة من الاستقرار.
وأكد الرقب أن ضمان عدم اندلاع حرب جديدة لا يتحقق إلا عبر حل سياسي شامل يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، محذرًا من أن الاعتماد على التهدئات المؤقتة أو الحلول الجزئية لن يؤدي إلا إلى عودة الحرب بشكل أسرع مما يتوقع الجميع.
منصة مركزية لحشد التمويل
يؤكد الدكتور نصر عبد الكريم، أستاذ العلوم المالية في الجامعة العربية الأمريكية، أن الدور المصري في الأزمة الراهنة كان محوريًا وحاسمًا منذ اللحظات الأولى للحرب، مشيرًا إلى أن القاهرة نجحت في منع مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ثم لعبت دورًا مركزيًا في وقف العدوان ونزيف الدم، قبل أن تنتقل إلى مرحلة حشد الدعم الدولي لصياغة مشروع سياسي يقود إلى حل الدولتين وفق الشرعية الدولية. ويضيف أن مصر جمعت في أدائها بين الأبعاد الإغاثية والسياسية والاقتصادية، وهو ما يعكس إدراكها العميق بأن أي تغيير في المعادلة الأمنية والسياسية في غزة يمس أمنها القومي مباشرة.
وأشار إلى أن عقد مصر لمؤتمر التعافي وإعادة الإعمار يأتي استكمالا لمسار بدأ التخطيط له بالتوازي مع الاتصالات الدولية المكثفة، بما في ذلك الزيارات المتعلقة بوقف إطلاق النار، لافتا إلى أنه من المنتظر أن يشكل المؤتمر منصة مركزية لحشد التمويل المطلوب لإعادة إعمار القطاع، والذي تتراوح تقديراته — كما يوضح — بين 70 و75 مليار دولار، تشمل إعادة ترميم البنية التحتية، وإحياء الاقتصاد الغزّي، وضمان استمرار المساعدات الإنسانية لسنوات مقبلة.
ولفت إلى أن أهمية المؤتمر لا تقتصر على جانب التمويل، بل تمتد إلى وضع الإطار المرجعي السياسي لإعادة الإعمار، بحيث يتوافق هذا الإطار مع الرؤية الفلسطينية والشرعية الدولية، ويستند إلى وحدة الأراضي الفلسطينية بين الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، باعتبارها ركائز الدولة الفلسطينية المستقلة، مضيفا أن هذا المسار السياسي يجب أن يقوم على تمثيل فلسطيني موحد ومتفق عليه، دون تدخل خارجي في تحديد مصير الفلسطينيين، مع بقاء المرجعية النهائية في يد منظمة التحرير والسلطة الوطنية، لأنها الضامن الوحيد لعدم تكريس الانقسام أو خلق كيان منفصل في غزة.
ويشدد على أن الدول المشاركة، من مصر وتركيا والإمارات والسعودية وقطر وغيرها، تدعم هذا النهج الذي يحافظ على وحدة القرار الفلسطيني ويعزز فرص الحل السياسي المتوافق عليه.
وفيما يتعلق بمتطلبات نجاح إعادة الإعمار، يوضح د. نصر عبد الكريم أن المؤتمر يكرس مبادئ أساسية لا يمكن تجاوزها، في مقدمتها الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من القطاع، أو على الأقل الانسحاب المرحلي وفق خطة واضحة، مشددا على ضرورة فتح جميع المعابر التجارية ومعابر الأفراد لضمان وصول مواد البناء والمواد الإنشائية والمعدات الثقيلة اللازمة لإعادة الإعمار، إلى جانب تسهيل دخول البعثات الدولية والشركات والوفود المهنية، وتمكين أبناء غزة في الخارج من العودة للمساهمة في عملية البناء.
ويؤكد أن حرية الحركة للأفراد والسلع تعد شرطا أصيلا لنجاح أي جهد لإعادة الإعمار، جنبًا إلى جنب مع توفير التمويل، وتثبيت المرجعية السياسية الوطنية، وفتح المسار التفاوضي الذي يعيد الأمل بإقامة الدولة الفلسطينية.
ويختتم عبد الكريم بالإشارة إلى أن مصر تستحق كل الشكر والتقدير على قيادتها لهذا الجهد، مؤكدًا أن انعقاد المؤتمر في القاهرة يمنحه الثقل السياسي اللازم لضمان تحريك المياه الراكدة، وتسريع الجهود نحو سلام عادل وإعادة بناء ما دمّرته الحرب.
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
مصانع الإنتاج الحربى.. أسلحة حديثة وتوطين للتكنولوجيا
الهيئة العربية للتصنيع.. منتجات جديدة واتفاقيات مهمة
منصة عالمية أمام الدول والشركات المنتجة لنظم التسليح.. الرئيس السيسى يشهد
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام