يفتح بابا جديدا للمنافسة غير المتكافئة داخل الأسواق الأوروبية تزايد تدفق السلع الصناعية الصينية إلى أوروبا يهدد مستقبل الشركات الصغيرة والمتوسطة فى القارة تمدد الاقتصاد الرقمى الأمريكى والصناعة الصينية يضغطان على قدرة أوروبا فى الحفاظ على توازن إستراتيجى مستقل أثارت الأسابيع الأخيرة قلق الأوروبيين بشأن علاقاتهم مع بكين، فبينما وقع دونالد ترامب اتفاقية لمدة عام واحد مع الرئيس شى جين بينج، يبدو أن الاتحاد الأوروبى يقف على الحياد، خصوصا بعد القيود المفروضة على المعادن النادرة وتدفق الصادرات إلى القارة، وأصبح السؤال المطروح هل من الممكن تحقيق تحول؟ أم أن أوروبا أصبحت محكومة بالبقاء معتمدة على الصين؟ فى نهاية أكتوبر الماضى، أعلن دونالد ترامب بعد لقائه بالرئيس الصينى شى جين بينج، أن مشكلة المعادن النادرة قد تم حلها بالنسبة للعالم أجمع، ما جعل هناك شعورا بالارتياح فى الاتحاد الأوروبى، الذى اقترح تطبيق الاتفاق الذى تم التوصل إليه، بين الصين والولايات المتحدة، على جميع الدول الأعضاء السبع والعشرين، خصوصا بعد المخاوف الناجمة عن القيود التى فرضتها الصين على المعادن الأرضية النادرة قبل بضعة أسابيع، لكن لا تزال الشكوك تحوم حول مدى ضمان المسألة خصوصا أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على الصين فى هذه المعادن الأرضية النادرة، وهى مسألة بالغة الأهمية للعديد من التقنيات الأوروبية. هناك أيضا مخاوف مماثلة، لا سيما بشأن استبعاد أوروبا من هذه المفاوضات، فأوروبا لا ينبغى عليها اتباع الولايات المتحدة فى تحليلها الخاطئ للصين، فدونالد ترامب من وجهة نظر العديد من المحللين الاقتصاديين الأوروبيين، قد ارتكب خطأً بالفعل، بالاتفاقية التى أُبرمت خلال ولايته الأولى، فالصين شريك لا غنى عنه، ولكنها أيضا منافس منهجي، وبالتالى على أوروبا استخدام الأدوات المتاحة لها، لتحقيق تجارة عادلة مع بكين تحمى مصالحها.. تجارة تقررها هى لا تجارة يقررها رئيس الولايات المتحدة. وفى حين لا تزال مشكلة المعادن الأرضية النادرة مصدر قلق، برزت قضية أخرى أخيرا تتعلق هذه المرة، بما يسمى فضيحة «شى إن»، فالأزياء السريعة والمنتجات التى تبيعها منصة شى إن، هى محور فضيحة فى فرنسا، فقد أثار اكتشاف بيع دمى إباحية للأطفال بالتزامن مع افتتاح العلامة التجارية لأول متجر فعلى لها فى القارة الأوروبية غضبا عارما، وبينما اتخذت الحكومة الفرنسية إجراءات انتقامية، كان رد فعل الاتحاد الأوروبى بطيئا، ما جعل المسئولين الفرنسيين يصفون ما حدث من افتتاح متجر يتعارض مع القيم الأوروبية وينتهك القواعد الأوروبية، هو ضرب من الجنون، ودعا الاتحاد الأوروبى بدوره إلى محاربة موضة شى إن هذه. وفى اللحظة التى اندلعت فيها قضية «شى إن» فى فرنسا، فتحت بكين عبر وزير خارجيتها آفاقا غير متوقعة، عبارة عن اتفاقية تجارة حرة بين الصين والاتحاد الأوروبى، ما اعتبره البعض أمرا بالغ الخطورة، لأنه فى ظل الشروط والجوانب الاجتماعية والبيئية لهذ الاتفاقية، فستكون أوروبا هى الخاسرة، حيث ستشهد فيضا من المنتجات التى لا يتم إنتاجها فقط دون مراعاة للمعايير الاجتماعية والبيئية وحقوق الإنسان فى الصين، بل غالبا ما ستفشل فى تلبية معايير السلامة الأوروبية. التسونامى الصينى سيدمر جميع الشركات الصناعية توشك أوروبا على الوقوع تحت حماية مزدوجة.. أمريكية فى المجال الرقمى وصينية فى الصناعة، وإذا لم تغلق القارة العجوز أبوابها مؤقتا لإعادة تسليح صناعتها، فستقع ضحية لنموذج هيمنة، فقبل أسبوعين وفى حديقة المعارض بباريس، أُقيم معرض “إكويب أوتو” التجارى لقطع غيار السيارات، حيث شهدت نسبة الأجنحة الصينية ارتفاعا هائلا، وفى الأسبوع نفسه وفى قطاع أشباه الموصلات، جاءت الأرقام المعلنة فى الصين لتظهر نية الاستحواذ على حصة سوقية، قدرها 40 % فى جميع القطاعات، ولم تكن أوروبا تواجه هذا الوضع، لو لم يفرض الأمريكيون حظرا على صادرات هذه المكونات. فى الوقت نفسه، تمثل الصادرات الصينية إلى أوروبا 16 % من إجمالى الصادرات، مقارنة بـ 10 % إلى الولايات المتحدة، وكان الوضع معكوسا قبل بضع سنوات، لذا يرى الكثيرون أنه يجب إغلاق أوروبا مؤقتا للسماح لها بإعادة تسليح نفسها صناعيا ولوجستيا، وإلا فإن التسونامى سيدمر جميع شركاتها الصناعية الصغيرة والمتوسطة من بولندا إلى بريطانيا. على الصعيد الرقمى يستمر الاستغلال الأمريكى بلا هوادة، وزادت تراخيص مايكروسوفت مجددا، والغريب أن فائض الحساب الجارى لأوروبا مع الولايات المتحدة، انخفض إلى الصفر منذ عام 2022، مما يعكس التحويلات الضخمة التى تدفعها أوروبا، مقابل خدماتها السحابية وبرمجياتها، وهى تحويلات ستزداد مع الذكاء الاصطناعى. الاتحاد الأوروبى يحاول حماية نفسه تحاول أوروبا التى يتسع عجزها التجارى مع العملاق الآسيوى حماية نفسها، بفرض معايير صارمة أو فرض ضرائب على بعض ماركات السيارات الكهربائية الصينية، وذلك خوفا من أن تفرغ الصين طاقتها الإنتاجية الزائدة على القارة العجوز، مما يثير استياء بكين. وتتفاقم هذه التوترات التجارية، بسبب خلافات جيوسياسية خطيرة فقد أدى دعم الصين الدبلوماسى والاقتصادى لروسيا فى حربها ضد أوكرانيا إلى نفور الأوروبيين بشكل خاص، ولكن هذا لا يمنع بكين من السعى لإبعاد الاتحاد الأوروبى عن الولايات المتحدة، بحجة أن أمريكا لم تعد شريكا موثوقا به، فالصين تريد أن تتبنى أوروبا نهجا أكثر براجماتية تجاهها.. نهجا يتماشى مع توازن القوى الجديد، وفى الوقت الحالى يجد الاتحاد الأوروبى المنقسم بشدة، والمتخلف عن الركب فى مجال الابتكار نفسه فى موقف ضعيف فى مواجهة “رجال أقوياء” أمريكيين وصينيين، مصممين على جعل بلادهما بلادا عظيمة مرة أخرى. هل تستطيع أوروبا التحرر من الصين؟ يعتمد صعود الطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعى، على المعادن الأساسية، مثل النحاس والحديد والكوبالت والمعادن النادرة، التى سيطرت عليها الصين منذ ثمانينيات القرن الماضى، من خلال إستراتيجية رصينة ومنهجية، واليوم يعتمد الجميع على الطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعى، ومع ذلك تعتمد هاتان الفئتان من التقنيات، اعتمادا كبيرا على المواد الخام المعدنية المعروفة بالمعادن الوفيرة، وكذلك على ما يسمى بالمعادن النادرة التى تكاد تختفى فى قشرة الأرض والتى تتميز بخصائص استثنائية، وفى حين استعان الغرب بمصادر خارجية لاستخراج المعادن وما يرتبط به من تلوث، بنت الصين احتكارا شبه كامل لتكرير وإنتاج هذه الموارد الرئيسية، حيث استولت على نصيب الأسد، بفضل سياسة ذكية طويلة الأمد، بدأت فى ثمانينيات القرن الماضى، بهدف استعادة الريادة الغربية تدريجيا فى الإنتاج. وفى مواجهة اعتمادها على الصين، تتجه أوروبا مجددا نحو باطن أرضها، ولكن تثير إعادة التصنيع هذه معضلات بيئية، حيث إن الاستخراج المحلى يعنى إحداث تلوث داخل الإقليم، وهو ما ترفضه أوروبا، وهو ما يجعلها تهرع الى السباق العالمى على المعادن “الإستراتيجية” فى باطن إفريقيا غير المستغل بعد، وبناء على ذلك تحول النقاش الآن نحو الإنتاج الأنظف والتفكير الشامل فى دورة حياة المنتج من المنجم إلى مكب النفايات. يأتى كل ذلك بعد أكتوبر 2025 عندما أعلنت بكين حظرا جديدا على صادرات المعادن الأرضية النادرة، قبل رفع هذا الإجراء مؤقتا - فى بادرة تهدئة تكتيكية أكثر منها دائمة، وتذكر هذه الحادثة بمدى أهمية اعتماد أوروبا على الصين فى هذا القطاع، حيث تشكل هذه المعادن الأرضية النادرة جوهر المجتمعات الحديثة، التى يتم منها تصنيع محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والرادارات والبطاريات والهواتف الذكية، ومع ذلك فمنذ تسعينيات القرن الماضى، فرضت الصين احتكارا شبه عالمى لاستخراجها وتكريرها ومعالجتها، بينما سمحت أوروبا لقدراتها الصناعية بالتآكل، واليوم أصبح هذا الاعتماد رافعة جيوسياسية رئيسية تستغلها بكين مع كل تصاعد فى التوترات التجارية أو الدبلوماسية، وفى مواجهة هذا الوضع تحاول أوروبا الرد عن طريق فتح المناجم، وتطوير مشروعات إعادة التدوير والاستثمار فى التكرير، لكن تكاليف الطاقة والبيئة مرتفعة.