مقالات رئيس التحرير



لبنان فى اختبار صعب

27-11-2025 | 21:08
جمال الكشكي

يقف لبنان اليوم على حافة الهاوية، يختبر معنى أن تكون دولة معلقة بين قرار إسرائيلي، وبين ما يسجله مجلس الأمن، وبين ما يتبخر عند أول اختراق لطائرة حربية تشق سماء الجنوب، ثم تعود من دون أن يسألها أحد عن سبب تحليقها أو رسالتها القاتلة.
منذ توقف حرب تموز عام 2006، يعيش لبنان تحت سقف قرار دولى هو القرار 1701، الذى لم يطبق كاملا، كما لو كان اتفاق هدنة معلقا برغبة إسرائيل.
حذرت مصر من اتساع رقعة الحرب فى المنطقة، حين جرت أحداث السابع من أكتوبر 2023 فى غزة، ثم اندلعت حرب إسرائيلية ضارية على الفلسطينيين شملت لبنان وسوريا واليمن وطالت إيران.
وبعد أن توقفت الحرب فى الجبهات الأخرى، ظل لبنان هو الخاصرة الرخوة التى تريد إسرائيل أن تجرب فيها مخططاتها الإستراتيجية.
وإذا كان لبنان يحتل مكانة راسخة فى العقل السياسى المصرى، فإن مصر تحرص على سلامه واستقراره منذ حقب طويلة، ولا تزال عبارة الرئيس السادات صالحة حين قال: ارفعوا أيديكم عن لبنان.
وفى ظل الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، ترى مصر أن الوقت حان لوضع حد للمأساة اللبنانية، واستعادة الدولة الوطنية بمؤسساتها، وتحريك المجتمع الدولى لصياغة سلام دائم للبلد العربى، الذى يمثل رئة العرب الثقافية والإنسانية.
من هذا المنطلق، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسى، اتصالا بالعماد، جوزاف عون، رئيس الجمهورية اللبنانية، مقدما التهنئة بمناسبة الذكرى الثانية والثمانين لاستقلال لبنان، ومؤكدا  على موقف مصر الثابت الداعم لاحترام سيادة لبنان، وأهمية تنفيذ القرار 1701، وحصر السلاح بيد الدولة، وهو الموقف الذى يتبناه الرئيس اللبنانى ومعظم التيارات الوطنية فى لبنان.
لبنان فى حاجة إلى استراحة محارب، فمنذ استقلاله وجد نفسه فى مصادفة الجغرافيا، وخاض تاريخا داميا نتيجة تقاطعه مع ملفات المنطقة الساخنة، بينما ترى فيه إسرائيل مسرحا لتجريب لعبتها بتوسيع رقعتها بذرائع شتى.
ولهذا، يعيش لبنان حالة شبه يومية من الانتهاك، تتقاطع فيها السيادة المهدورة مع إضعاف الدولة والضغط الإقليمى والدولى.
إدارة الرئيس عون لملف الجنوب، اتسمت بمحاولة ضبط الحدود وحماية المدنيين والحفاظ على استقرار الجيش، وسط صمت عالمى مطبق وغياب أية آلية تفرض القانون الدولى على إسرائيل.
اعتقد اللبنانيون أن الحرب انتهت مع توقف القتال فى غزة، لكن الحقيقة أن الذى انتهى كان القصف الكثيف، أما الاعتداءات فقد تحولت إلى إيقاع يومى صامت، يختبر صبر القرى الحدودية، ويشكل سجلا ضخما من الاختراقات الإسرائيلية الموثقة لدى اليونيفيل، حيث تجاوزت القوات الإسرائيلية عشرات الآلاف من الانتهاكات الجوية والبرية والبحرية، ما يجعل القرار يبدو كأنه مجرد ورقة مهترئة أمام برودة الآلة العسكرية التى تتعامل مع سماء لبنان، كأنها ملكية لها لا يحدها قانون ولا تقيدها خرائط.
تحليق الطائرات الحربية صار خبرا عاديا، غير أن وراء الاعتياد تكمن مأساة أعمق: انتهاك السيادة أصبح حالة دائمة تفرغ الدولة من معناها، وتضع لبنان فى خانة الدولة التى تراقب ولا تقرر، التى تخترق ولا تسأل.
  إسرائيل لم تكتف بالسيطرة الجوية، إنما وسعت نطاق احتلالها البري، وبقى الجزء الشمالى من بلدة الغجر تحت قبضتها، برغم النص الصريح للقرار 1701، كما بقيت مزارع شبعا وتلال كفر شوبا رمزا لجغرافيا مؤجلة، حيث الزمن لا يتحرك إلا باتجاه واحد: المزيد من الاحتلال، المزيد من التثبيت، المزيد من العبث بالخط الأزرق الذى كان يفترض أن يكون خط انسحاب مؤقتا، فإذا به يتحول مع الزمن إلى حدود مرنة تتحكم بها صاحبة القوة الغاشمة وليس القانون الدولى.
برغم كل ذلك، تستمر إسرائيل فى اتهام لبنان بعدم تنفيذ القرار، بينما تقر الأمم المتحدة بأن الغالبية العظمى من الاعتداءات تأتى من الجانب الإسرائيلى.
لكن الخطاب الدولى يبقى باردا متوازنا إلى حد السخرية، كأنه يريد معادلة بين جيش يمتلك أحدث الطائرات، وبين دولة تنهشها أزمات اقتصادية وسياسية خانقة، فيبدو لبنان الرسمى كأنه يتساوى - ظلما - مع احتلال ينتهك السيادة.
لماذا لا يطبق القرار 1701؟
إن الغطاء الدولى لإسرائيل، خصوصا من الولايات المتحدة، يعرقل أى قرار يدين الاعتداءات أو يطالب بوقف التحليق، وهكذا يتحول القرار إلى وثيقة أخلاقية بلا أنياب.
فى قلب هذا المشهد يبدو الخط الأزرق كحدود مرنة قابلة للجر والدفع، بينما لبنان ينظر إليه كخط انسحاب تقنى مؤقت إلى حين الترسيم النهائى.
خلف المشهد اللبنانى تقف حرب إقليمية بأبعاد أكبر، وأى اشتباك صغير فى الجنوب يتحول إلى إشعار إقليمى، وكل قذيفة إلى رسالة سياسية، وكل تحليق جوى إلى جزء من معركة الظلال بين العواصم الكبرى.
لبنان يعيش مساحة رمادية بين الحرب والسلام، بلد يتلقى الرسائل النارية من دون أن يكون طرفا مباشرا فيها، والحرب لم تعد تحتاج إلى طائرات فقط، إنما إلى استنزاف يومى صامت يجعل المواطن يعيش تحت تهديد مستمر، يطل من السماء، يصعد من الحدود، وتكرره وسائل الإعلام كنشرة أخبار كأنها خبر من أخبار الطقس.
تسجل اليونيفيل الخرق رقم ثلاثة وثلاثين ألفا، فتبدو الأرقام بلا معنى، بينما السيادة تنتهك كل يوم والدولة عاجزة عن الرد.
القرار لم يفشل لأنه ضعيف، إنما لأنه وضع فى بيئة أقوى من نصه، ومن نيات الدول، والتى فقدت المصداقية منذ اللحظة التى تحولت فيها الاعتداءات الإسرائيلية إلى عادة، والمواقف الدولية إلى بيانات متكررة، والدولة اللبنانية إلى جسد منهك لا يصرخ ولا يقاوم.
يبقى الجنوب شاهدا على زمن يتغير دائما، بينما يعيش يومه كما لو كان يمشى على خط نار لا يراه الآخرون، إلا فى التقارير الدبلوماسية الباردة.
الحقيقة واضحة: لبنان يعيش منذ الحرب تحت قرار لم ينفذ، حرب لم تنته، خريطة لم تكتمل، وسيادة تختبر على مدار الساعة بين سماء مكشوفة وحدود تتنفس البارود.
خريطة طريق للخروج من المأزق تبدأ باستعادة السيادة الكاملة، على الأجواء والحدود بالتعاون مع اليونيفيل، وضمان وقف التحليق الإسرائيلي، وتسريع الترسيم النهائى للحدود الجنوبية، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية، تعزيز الجيش اللبنانى وإعادة الانتشار جنوب الليطانى، بما يضمن قدرة الدولة على فرض القانون والسيادة، وحوار إقليمى ودولى لإيجاد صيغة توافقية بين الطوائف اللبنانية، وممارسة ضغوط دبلوماسية على إسرائيل من خلال تفعيل مجلس الأمن والأمم المتحدة، وضمان متابعة يومية للانتهاكات وتوثيقها إعلاميا ودوليا، وتفعيل دور المجتمع الدولى فى حماية المدنيين، وتقديم الدعم الاقتصادى والسياسى للبنان، لتعزيز قدرة الدولة اللبنانية على الصمود، والاستقلال، كرئة عربية واسعة.
 
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام