يخاصم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تماما، أو بالأحرى لديه كراهية عميقة، لكل ما من شأنه أن يفضى إلى سلام أو استقرار أو تهدئة.. فهذه المفردات تعاند فعله اليومى، وإن كان يوظفها أحيانا على الصعيد الكلامى، مثلما فعل أخيراً بعد اعتماد مجلس الأمن الدولى، مساء الإثنين الماضى، القرار الأمريكى المأخوذ هيكله الأساسى من خطة ترامب ذات العشرين نقطة بشأن غزة، عندما اعتبر تصريحاً لمكتبه هذه الخطة، أنها ستجلب «السلام والازدهار» للمنطقة، غير أنه سرعان ماعاد إلى اللغة الخشنة التى يتسم بها خطابه العام، بتأكيده أنها تشدد على نزع السلاح الكامل، وتجريد غزة من القدرات العسكرية، واجتثاث التطرف فيها، معربا عن اعتقاده بأن ذلك سيؤدى إلى مزيد من اندماج الكيان الإسرائيلى مع جيرانه، بالإضافة إلى توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية. وهو بذلك ينزع دوما إلى خيار الدم، ويده على الزناد فى كل وقت، متأهبا لإطلاق الرصاص على الآخر الذى يتوهم، أنه يشكل تهديدا وجوديا على كيانه الصهيونى، دون أن يدرك أن هذا الكيان هو الخطر الأوحد على شعوب ودول الإقليم، لاسيما الشعب الفلسطينى، منذ أن تغلغل فيه فارضا سطوة حضوره، مساندا من قوى الغرب عسكريا وسياسيا وماليا، عقب حرب إبادة وتطهيرعرقى ومجازر كاملة الأبعاد فى العام 1948. وعند النظر بعمق فى تاريخ نتنياهو، منذ أن ترأس أول حكومة فى العام 1996، يمكن القول إنه شكل - ومازال - قيمة مضافة، على صعيد اللجوء إلى خيارات الدم والقوة العسكرية المفرطة، متفوقا بذلك على كل أسلافه.. وإن كان يتميز عنهم بأنه لم ينخرط فى حروب مع دول، باستثناء إيران التى أطلق عليها حربا شعواء فى شهر يونيو الماضى، استغرقت ثلاثة عشر يوما اضطر بعدها إلى طلب وقف إطلاق النار، بعد أن تعرض كيانه إلى ضربات صاروخية وبالطائرات المسيرة، أقضت مضاجعه العسكرية وبنيته الاقتصادية، وإنما تركزت جل حروبه فى فترات حكمه الثلاث (1996 – 1999، 2009 – 2021، و2022 حتى الآن)، ضد قوى خارج عباءة الجيوش الرسمية، أى ضد فصائل وحركات مسلحة فلسطينية ولبنانية، وهو ما تجسد فى الحروب المتوالية التى شنَّها جيشه الاحتلالى على الفلسطينيين فى قطاع غزة، وضد حزب الله فى لبنان، وشملت أيضًا، تدمير القدرات العسكرية للجيش السورى الذى تخلخلت بنيته العسكرية كجيش رسمى، خلال الحرب الأهلية التى استمرت زهاء 14 عاما، فضلا عن الميليشيات التى تشتغل كأذرع إقليمية لإيران فى سوريا، متكئا فى ذلك، بالذات فى الحروب ضد الفلسطينيين واللبنانيين على ادعاءات أيديلوجية، وليس فقط سياسية وأمنية، سعيا لشطب البُعد الفلسطينى من المعادلات السياسية، وضمنها تقويض أية إمكانية لنشوء كيان فلسطينى مستقل فى الضفة الغربية وقطاع غزة، والهيمنة على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، وفرض مجال أمنى حيوى للكيان الصهيونى فى محيطه (فى لبنان، سوريا، وقطاع غزة) وصولًا لتموضعه كدولة إقليمية عظمى مهيمنة فى الشرق الأوسط، وبخاصة فى منطقة المشرق العربي. من العناوين إلى التفاصيل هذه هى العناوين الرئيسية، أما فى التفاصيل.. فإن الشاهد أن حكومة نتنياهو وافقت على خطة ترامب التى استهدفت إنهاء حرب الإبادة على غزة، والتى جرى التوقيع على اتفاق بهذا الشأن فى قمة السلام بمنتجع شرم الشيخ، التى استضافتها مصر فى الثالث عشر من أكتوبر الماضى فى منتجع شرم الشيخ، وترأسها الرئيس عبد الفتاح السيسى- صاحب الدعوة إليها - والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بمشاركة 30 دولة من الإقليم والعالم، الأمر الذى مهد للدخول فى تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق، ما أسفر عن انسحاب قوات الاحتلال من أقل من نصف قطاع غزة، وخضع 53 فى المائة من مساحتها لسيطرتها. وهكذا بدت الأمور تمضى فى السياق المرسوم، لاسيما أن فصائل المقاومة، وفى صدارتها حركة حماس، بدأت تسليم الأسرى الأحياء دفعة واحدة (20)، ثم أخذت فى تسليم جثامين المتوفين (28) بوتيرة روتينية، ولم يعد يتبقى سوى ثلاث جثث لا تتوقف عمليات البحث عنهم بالتعاون مع فرق فنية مصرية، أى أن المقاومة التزمت بمحددات الاتفاق فيما يخصها، حتى إنها سلمت جثة الضابط بجيش الاحتلال «هدار جولدن»، الذى أسرته خلال عدوان 2014، حتى قبل أن تحصل على الثمن المتمثل فى إطلاق سراح نحو 200 مقاتل من كتائب عز الدين القسام – الذراع العسكرية لحركة حماس - عالقين بأحد أنفاق مدينة رفح الخاضعة لاحتلال جيش الاحتلال، إلا إن نتنياهو لم ولا يأبه لكل ذلك، فسرعان ما أخذ فى الإخلال بالتزامات كيانه فى الاتفاق، مخترقا وقف إطلاق النار فى متوالية يومية عبر شن غارات بالمقاتلات والمسيرات وإطلاق قذائف المدفعية، على أهداف مدنية بالأساس تتراوح بين منازل يصر على محوها من الوجود، ومخيمات ومراكز نزوح ومراكز طبية، وبلغ الأمر حد ارتكاب مجازر، استشهد فيها العشرات، بل والمئات مثلما وقع قبل ثلاثة أسابيع، عندما استشهد 105 فلسطينين فى غارات شرسة على خان يونس، فيما استشهد 32 مدنيا فى مجزرة وقعت الأربعاء قبل الماضى، وطبقا للسلطات الصحية الفلسطينية، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى حوالي 350 مدنيا، وجرح ما يزيد على 800 شخص منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وحتى نهاية الأسبوع الماضى، من بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، جراء إصرار نتنياهو ونخبته العسكرية على تبنى القتل والإبادة منهجا فى التعامل مع مرحلة مابعد اتفاق إنهاء الحرب، ما يشكل تصعيداً خطيراً، يهدد بتقويض اتفاق وقف إطلاق النار فى القطاع، وهو ما لفتت إليه صحيفة "هآرتس" التى تتبنى خطا معارضا لحكومة اليمين المتطرف، موضحة فى تقرير موسع، أن الغارات المستمرة على غزة تزيد قلق الفلسطينيين بشأن مصير الاتفاق، إلى جانب مساعى هذه الحكومة لتغيير حدود القطاع، ووفقا لدوائر سياسية مطلعة اعتمدت عليها الصحيفة، فإن الهجمات الجوية والتغييرات الميدانية تمثل «تجربة مدروسة» تهدف إلى اختبار الاتفاق وقياس صبر سكان غزة والوسطاء الدوليين، لاسيما أن تل أبيب تعمل على تعزيز مناطق سيطرتها وتوسيع ما تسميها «المنطقة الأمنية»، خصوصاً وسط القطاع وشرقى مدينة غزة. مخاوف من عودة التهديد تعكس هذه المعطيات شعورا لدى النخب السياسية والعسكرية بالكيان الصهيونى، بأنه كلما مر الوقت من دون تفكيك قدرات حركة حماس وإخراج مقاتليها من دائرة القتال، سيظلّ الإنجاز العسكرى لجيش الاحتلال مؤقتاً، وبالتالى ثمة قابلية لعودة التهديد، ما يوفر الذرائع أمام هذه النخب لاختراق وقف إطلاق النار، تحت ادعاء تعرض هذا الجيش لهجمات من مقاتلى المقاومة، التى تنفى بشدة انخراط أى من عناصرها بها. وحسب منظور تامير هايمان مدير معهد دراسات الأمن القومى فى جامعة تل أبيب الجنرال فى الاحتياط، فإن مدى انتصار الكيان الصهيونى فى الحرب على غزة، "يجب أن يُقاس فى ضوء الأهداف المعلنة للحرب، ومنها: إسقاط حكم (حماس)، وإزالة التهديد العسكرى من غزة، واستعادة الأمن، وتعزيز الردع، وتهيئة الظروف لإعادة الأسرى، وإعادة سكان الغلاف، مبينا أن بعض هذه الأهداف غير قابل للقياس، مثل (تعزيز الردع) و(الشعور بالأمان)، ولكن ويمكن القول إن هدف إعادة السكان تحقق، وإن تهيئة الظروف لإعادة الأسرى تحققت أيضاً.. أما بالنسبة إلى إسقاط حكم (حماس) وتفكيك قوتها العسكرية، فإنها اليوم مختلفة عمّا كانت عليه قبل السابع من اكتوبر 2023، فقادتها قُتلوا، وكتائبها تفككت، وقدراتها الصناعية والعسكرية انهارت، ومقاتلوها يخوضون حرب عصابات فى خلايا صغيرة، وباتت كتائب القسام لا تمتلك سوى 10 ٪ من حجم قوتها الصاروخية، ونحو 10 آلاف بندقية موزعة على 17 ألف مقاتل (غير متمرسين، فى معظمهم)، ومع ذلك، لا يزال منع إعادة بناء التنظيم مطلوباً، ومن ثم فإن القضاء على حماس يتطلب تدمير الآلية التى تتيح لها التجنيد وإخراج المقاتلين من دائرة الحرب، سواء عبر القضاء عليهم، أم عبر اتفاق يسلّمون السلاح بموجبه، وإقامة سلطة بديلة تنافسها وتعمل على إضعافها وتهميش حضورها".. وهو هدف تسهم فى بلورته فى الواقع. العمليات العسكرية المتواصلة لجيش الاحتلال فى قطاع غزة، والمدعومة من إدارة ترامب، وفقا للمبدأ الذى تتبناه بقوة والمتمثل فى حق الكيان الصهيونى فى الدفاع عن النفس.. لكن النتيجة الأشد خطورة لذلك، تكمن فى أن هذه العمليات وعلى هذا النحو الوحشى، ستؤجل الولوج إلى المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، التى يبدو أنها ازدادت تعقيدا فى أعقاب اعتماد مجلس الأمن الدولى قراره الأخير والرامى إلى البدء فى الدخول فى هذه المرحلة فى ظل توقع صعوبات حقيقية حين يبدأ تطبيقها، نظرا لثلاثة أسباب رئيسية: أولا - رفض أطراف متطرفة فى الكيان الإسرائيلى خطة ترامب من الأساس فضلا عن قرار مجلس الأمن، فداخل حكومة بنيامين نتنياهو نفسها من يعتبرها تنطوى على "تهديد إستراتيجي" لكونها أشارت – مجرد إشارة وليس التزاما- إلى خطوة محتملة لشق مسار نحو إقامة دولة فلسطينية، أو بمعنى آخر محاولة لإدخال فكرة الدولة الفلسطينية عبر "باب خلفي. ثانيا - رفض الفصائل الفلسطينية للقرار حيث رأت أنه منحاز للكيان الصهيونى، وينص على التنسيق مع تل أبيب، وينطوى على فرض وصاية خارجية على قطاع غزة. ثالثا - قبول الأطراف التى عليها المشاركة فى تأمين حدود غزة، وحماية المدنيين، خطة ترامب على مضض، لا سيما أنها سبق لها طرح خطة بديلة تطلق عليها الفصائل الفلسطينية نفسها "النموذج العربى ـ الإسلامى المقترح لإدارة قطاع غزة". تمدد عدوانى فى لبنان ولا تتورع حكومة نتنياهو عن التمدد العدوانى فى الأراضى اللبنانية، بإرسال المسيرات القاتلة وغيرها من أنواع المقاتلات الحربية، إلى ما تزعم أنه مواقع لحزب الله فى الجنوب بعد أن أعاد بناء قدارته العسكرية والصاروخية، فتقتل وتصيب المدنيين فى انتهاك سافر لاتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع فى شهر نوفمبر الماضى، على الرغم من وجود لجنة مكونة من الولايات المتحدة وفرنسا تشرف على تطبيقه، وتعدد زيارات المبعوث الأمريكى للبنان وسوريا السفير "تومس براك"، وغيره إلى بيروت، لكن يبدو أن تركيزه منصب على نزع سلاح حزب الله وممارسة ضغوط عاتية على أركان الحكم، ملوحا بلغة تهديدية فى تصريحاته، دون أن يولى قدرا من الاهتمام لوقف عدوان جيش الاحتلال، الذى تمارس مسيراته هواية التحليق المروع على العاصمة، والقتل الممنهج فى مناطق الجنوب، وكان آخر تجليات هذا العدوان الغارة العنيفة على مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا بالجنوب الثلاثاء قبل الماضى، الذى يضم اللاجئين الفلسطينيين، مستهدفة - حسب زعم جيش الاحتلال - مركز تدريب تشرف عليه حماس، أسفر عن مجزرة لسكانه، وهو ما نفته الحركة تماما ووصفته بأنه محض افتراء وكذب، يهدف إلى تبرير عدوانه الإجرامى، مضيفة "لا توجد منشآت عسكرية فى المخيّمات الفلسطينية فى لبنان". ويجرى هذا التصعيد، فى الأثناء التى يواصل فيها الجيش اللبنانى تنفيذ خطته للانتشار بمناطق الجنوب، فى حين أن اعتداءات القوة القائمة بالاحتلال لا تتوقف الأمر الذى يؤدى إلى منع استكماله - حسب تأكيد قائده العماد "رودولف هيكل"، فى خطابه الجمعة قبل الماضية بمناسبة الذكرى الثمانين للاستقلال، معتبرا أن البلاد تمرّ بمرحلة مصيرية هى من الأصعب فى تاريخها، وسط احتلال إسرائيلى لمناطقها الجنوبية واستمرار الاعتداءات، التى تتسبب بدمار فى الممتلكات والمنشآت. وتتزامن هذه التطورات مع ضغوط أمريكية متزايدة على لبنان، وكان آخر مظاهرها إلغاء زيارة كانت مقررة للعماد هيكل، إلى واشنطن الأسبوع الماضى، بذريعة أن الجيش لايلتزم بما فيه الكفاية بخطة نزع سلاح حزب الله، وفى هذا الصدد يقول مصدر عسكرى لبنانى لوكالة الأنباء الفرنسية - لم يشأ أن يفصح عن هويته - إن «ما يطلبونه اليوم هو نزع سلاح حزب الله من كل لبنان قبل نهاية العام، وهذا أمر مستحيل»، مبديا خشيته من أن تمهّد "الضغوط الأمريكية الممنهجة، فضلا عن التى تمارسها القوة القائمة بالاحتلال، لوقوع المزيد من العمليات العسكرية العدوانية فى الفترة المقبلة. جولة استفزازية لنتنياهو وجاءت الجولة التفقدية التى قام نتنياهو بالاحتلال المنطقة العازلة داخل سوريا، الأربعاء قبل الماضى، لتجسد توغلا سياسيا إستراتيجيا من نوع مختلف عما يقوم به جيش الاحتلال، من انتهاكات وحواجز واعتقالات لمواطنين، بشكل شبه يوميّ فى الأراضى السورية، لا سيما أنه حرص على إظهار المعنى الخطير لجولته، عبر إحضاره كبار مسئولى الحرب والمخابرات والدبلوماسية معه فقد رافقه فيها كل من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان الجنرال إيال زامير، ورئيس جهاز الشاباك دافيد زينى، ورئيس مجلس الأمن القومى جيل رايخ، وقائد الجبهة الشمالية رافى ميلو، وقائد فرقة 210 يائير فلاى، إضافة إلى وزير الخارجية جدعون ساعر، وسفير حكومة الاحتلال لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايت، ومنسّق أعمال الحكومة فى المناطق، «اللواء غسان عليّان وهو ضابط درزى كان يقود لواء جولانى إلى أن أصيب فى كمين نفّذته كتائب القسام» عام 2014. وأكمل نتنياهو إعلان الرسائل المتوخاة بإجرائه، حسب تصريح لمكتب الصحافة الحكومى، تقييما ميدانيا لمواقع جيش الاحتلال، وتلقى إحاطة أمنية حول تطوّرات الجبهة الشمالية، وعقد اجتماعا أمنيا لكبار القادة لبحث جاهزية القوات، وألقى خطابا فى جنود عبّر فيه عن إيلاء أهمية كبرى لقدرات جيشه الهجومية والدفاعية، من أجل حماية الحلفاء الدروز، وقبل كل شيء حماية الكيان الإسرائيلى- حسب تعبيره - وأبلغهم أن مهمتهم يمكن أن تتغير فى أى لحظة، وتابعت جولة نتنياهو الاستفزازية رسائلها فى اليوم التالى، حين اخترق سرب من 8 مقاتلات تابعة لجيش الاحتلال الأجواء السورية، محلقا فى أجواء الجنوب ومحافظتى حمص وحماة وسط البلاد وصولا إلى الساحل السورى، قرب الحدود التركية. وجاء توغّل نتنياهو ومسئوليه الكبار فى الأراضى السورية، بعد يوم واحد من إعلان هيئة البث الإسرائيلية أن المفاوضات مع السلطات السورية وصلت طريقا مسدودا، بعد خلاف حول الانسحاب من الجنوب السورى، حيث رفضت تل أبيب توقيع اتفاق أمنى، واشترطت توقيع اتفاق سلام مقابل الانسحاب من المواقع التى تحتلها. ويبدو – وفقا لمراقبين - أن ما تريده القوة القائمة بالاحتلال فعلا يتجاوز اتفاق سلام، ولا يتضمن انسحابا كاملا من المواقع المحتلة، وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة مراهنة من قبل الرئيس السورى الانتقالى أحمد الشرع على تدخل أمريكى لصالحه، لاسيما بعد زيارته الأخيرة لواشنطن، التى تعد الأولى لرئيس سورى منذ عام 1946 ومباحثاته مع الرئيس ترامب، ما دفعه للقول: "إن الولايات المتحدة، والعديد من الأطراف الدولية، معنا فى المفاوضات مع تل أبيب، وإن الرئيس ترامب يدعم وجهة نظرنا أيضا"، وأنه سيدفع بأسرع ما يمكن من أجل التوصّل إلى حل لهذا الأمر – أى اتفاق السلام أو الاتفاق الأمنى.. وكلاهما مرشحان للخصم من رصيد سيادة سوريا على كامل أراضيها، التى تخضع لسيطرة جيش القوة القائمة بالاحتلال. قوة إقليمية وحيدة وطبقا لرؤى الخبراء، فإنه يبدو سافرا أن هذه القوة تحاول، عبر تمددها العدوانى فى أعقاب التوصل لاتفاق إنهاء حرب غزة، استعادة دورها كقوة إقليمية وحيدة فى الشرق الأوسط، وربما أكثر، على حساب العالم العربى والقوى الإقليمية الأخرى، أى إيران وتركيا، وهو الدور الذى كرسته بعد حرب 1967، بعد أن تضاءل هذا الدور؛ نتيجة التداعيات الناجمة عن حرب الخليج الثانية، وغزو الولايات المتحدة للعراق 2003، الذى نجم عنه تسهيل صعود دور إيران فى المنطقة، الذى تم توظيفه، أو بالأحرى استثماره من قبل واشنطن وتل أبيب، لتخريب بلدان المشرق العربى، وإحداث تصدعات فى مؤسسات الدولة الوطنية، وحتى دوائرها الاجتماعية. وما عزز من ذلك التوجه لدى القوة القائمة بالاحتلال حاليًّا، أنها تلقى الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة، فى ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب اليمينية المتطرفة، والتى تحارب العالم؛ لفرض مصالحها وقيمها عليه، بما يشمل حتى الدول الصديقة لها، ما مكن هذا التلاقى فى الأهواء والمصالح والسياسات بين الطرفين، الأمر الذى يشجع نتنياهو على شن كل حروبه والتوسع فيها، وهو فى غاية الارتياح. وهكذا، فإن هذه القوة لا تقوم بحروبها ضد الفلسطينيين ولبنان وسوريا فقط على سبيل وأد أية إرادة للمقاومة مستقبلًا، مهما كان شكلها أو مستواها، ولا على سبيل حرب وقائية، علمًا بأنه لم يعد ثمة ممكنات لها فى المدى المنظور، لاعلى صعيد الدولة مثلما حدث مع مصر وسوريا ولبنان والأردن وإيران، ولا على صعيد الجماعات المسلحة، إذ هى تتوخى أيضًا، فرض مجال حيوى جغرافى فى محيطها قدره عشرات الكيلومترات، وضمن ذلك منع وجود أية قوة عسكرية إقليمية وازنة، ليس إيران فقط، والتى باتت تحت التهديد أمريكيًّا وإسرائيليًّا داخل حدودها، باعتبار أن الكيان الصهيونى هو القوة الإقليمية الوحيدة فى المنطقة، فى إطار الهندسة الجديدة للشرق الأوسط، خصوصاً أن هذا الكيان أضحى يسعى ويتحرك على كل الجبهات لفرض ذاته كقوة إقليمية عظمى فى المشرق العربى وعموم الشرق الأوسط، على أن تتشكل تلك المنطقة لمفهومه الخاص، يقوم على تعميم وضعيته كدولة يهودية على دول المنطقة، بحيث تصبح دولًا ما قبل، وطنية تحتوى على جماعات طائفية وإثنية، ما أسميه التطبيع معكوسًا، أى بدل أن تطبِّع المنطقة مع الكيان، تعمل هذه على تطبيع المنطقة معها، بحيث تصبح على شاكلتها، طبعًا مع تقويض نفوذ إيران وتحجيم نفوذ تركيا وأطراف أخرى فى المشرق العربي. مع ذلك، فإنه على الرغم من كل ما ظهر من جبروت وطغيان وتوحش للقوة القائمة بالاحتلال المستمد من الولايات المتحدة، بخاصة فى ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وذلك منذ حرب الإبادة التى شنَّتها على غزة فى السابع من أكتوبر 2023، وضد لبنان وسوريا، وتوجيهها تهديدات لإيران، وحتى تحذيرها من أى وجود عسكرى لتركيا فى سوريا، إلا إن ذلك يحجب ألا تواجه تلك القوة لحظة انعطافية عصيبة وحاسمة ونوعية فى تاريخها، يمكن أن يتحدَّد بناءً عليها مستقبلها ورؤيتها لذاتها ولشكل علاقتها بمجتمعها ومحيطها للعقود المقبلة، فى ظل ما تواجهه نخبها السياسية من انقسامات وتباين فى الرؤى.