مقالات



أوروبا بسرعتين: هل ينجح اليورو فى اختبار التفاوت الاقتصادى؟

27-11-2025 | 23:21
د. رشا مصطفى عوض

المدير التنفيذى السابق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى

منذ إطلاقه قبل أكثر من عقدين – وتحديدًا فى الأول من يناير 1999 - كان اليورو بمثابة التعهّد الأكبر الذى قدمته أوروبا لنفسها والعالم: وحدة اقتصاديّة تُمهّد لوحدة سياسية. كان وعدًا بهوية مشتركة، وبقصة ازدهار لا تفرّق بين شمال القارة وجنوبها، الأمر الذى عبرت عنه “أورسولا فون دير لاين” – رئيس المفوضية الأوروبية – قائلة “يُعدّ اليورو رمزًا ملموسًا لقوة أوروبا ووحدتها”.

لكن الصورة اليوم أضحت أكثر تعقيدًا بكثير. فمن جهة، تُظهر أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الأوروبى “يوروستات” – الصادرة فى 14 نوفمبر الجارى - أن اقتصاد منطقة اليورو ما زال ينمو، ولو ببطء؛ إذ سجّل الناتج المحلى الإجمالى نموًا قدره 0.2% فقط على أساس ربعى فى الربع الثالث من عام 2025، بعد نمو قدره 0.1% فى الربع السابق عليه، بينما بلغ النمو السنوى نحو 1.3% فى الربع الثالث مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

فى الوقت ذاته، تدور معدلات التضخم حول هدف البنك المركزى الأوروبى البالغ 2%؛ فالتقديرات تشير إلى تضخم سنوى عند 2.2% فى سبتمبر 2025، ليتراجع قليلًا إلى 2.1% فى أكتوبر 2025، نظريًا، قد تبدو هذه الأرقام قصة نجاح هادئة، ونموا إيجابيا، وتضخما قريبا من الهدف، وبطالة مستقرة، لكن خلف هذا الهدوء الإحصائي، أعلن الاتحاد الأوروبى فى 17 نوفمبر عن خفض توقعاته لنمو منطقة اليورو للعام 2026، ليصبح 1.2% بدلًا من 1.4%، فى وقت تُلقى مخاطر سلاسل الإمداد والتجارة الدولية والتوترات الجيوسياسية بظلالها على الاقتصاد الأوروبي.
ليس هذا فحسب، ولكن يرافق ذلك أيضًا تشكُّل خريطة غير مريحة لمنطقة تتحرك بسرعات مختلفة، وربما فى اتجاهات مختلفة أيضًا، فعندما ننظر داخل الأرقام، لا إلى المتوسط العام، تتضح المفارقة: اقتصادات جنوبية مثل إسبانيا والبرتغال تواصل تسجيل أداء أفضل نسبيًّا، مدفوعة بانتعاش السياحة والاستثمار فى الطاقة المتجددة، بينما يعانى «القلب الصناعى» لأوروبا - خصوصاً ألمانيا وإيطاليا - من تباطؤ فى الصادرات وإعادة هيكلة مؤلمة فى قطاعات الصناعة والطاقة. 

تُظهر بيانات يوروستات أن النمو الإيجابى الكلى يخفى تفاوتًا ملحوظًا بين الدول الأعضاء، حيث تسجّل بعض الاقتصادات نموًا ربعيًّا أعلى من المتوسط، بينما تقترب أخرى من حافة الركود أو تنزلق إليه، وفى خلفية هذا التباين، تشير تحليلات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية إلى أن الإنتاجية فى الاتحاد الأوروبى ضعيفة نسبيًّا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية والصين، وأن عوائق سوق العمل والسوق الداخلية والخدمات المالية ما زالت تكبح ديناميكية النمو فى العديد من الدول، والنتيجة هى مشهد أوروبى يبدو فيه اليورو واحدًا فى الجيب، لكن سرعة الحركة الاقتصادية مختلفة من بلد لآخر.

فى مثل هذه اللحظات، تتوجه الأنظار إلى فرانكفورت، حيث يجتمع مجلس محافظى البنك المركزى الأوروبي. فى آخر اجتماعاته، قرر المجلس الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير، مؤكدًا أن التضخم “قريب من هدفه على المدى المتوسط”، وأن الاقتصاد يواصل النمو رغم البيئة العالمية الصعبة، وأن قوة سوق العمل وميزانيات القطاع الخاص والآثار المتأخرة لخفض الفائدة سابقًا هى مصادر أساسية لصمود الاقتصاد.
 هذه الرسالة مفادها أن السياسة النقدية فى “موقع جيد” حاليًّا، كما تحب “كريستين لاغارد” أن تقول، وأن أى تعديل كبير فى الفائدة لن يكون مطروحًا ما لم يظهر انحراف واضح فى مسار التضخم أو النمو. لكن على الجانب الآخر من المعادلة، تقف حكومات مثقلة بديون مرتفعة وحاجة سياسية واجتماعية لمزيد من الإنفاق والاستثمار، خصوصًا فى دول الجنوب، وهى تضغط من أجل قواعد مالية أكثر مرونة ضمن “ميثاق الاستقرار والنمو” بصيغته المحدّثة. هنا يعود السؤال القديم فى ثوب جديد: إلى أى مدى يمكن لعملة موحّدة أن تستمر فى ظل سياسات مالية مجزّأة وتفاوتات هيكلية بين دولها؟

هذا ليس أول اختبار يواجهه اليورو. ذاكرة القارة ما زالت طرية تجاه أزمة الديون السيادية بين عامى 2010 و2012، حين وجدت دول مثل اليونان وإيرلندا والبرتغال وإسبانيا نفسها أمام ارتفاع حاد فى عوائد السندات وتشكك الأسواق فى قدرتها على السداد، فيما اصطدم الحلم الأوروبى بحقيقة أن مجرد المشاركة فى العملة الموحدة لا تعنى تلقائيًّا الثقة فى كل الحكومات بنفس الدرجة. فى تلك المرحلة، اضطرت أوروبا إلى ابتكار أدوات لم تكن موجودة فى المعمار الأصلى لمنطقة اليورو. فقد أُنشئ أولًا «صندوق الاستقرار المالى الأوروبى» كآلية مؤقتة، ثم جرى الاتفاق على إنشاء “آلية الاستقرار الأوروبي” كصندوق دائم لإنقاذ الدول المتعثرة وحماية استقرار اليورو ككل. 
لم تتوقف الإصلاحات عند إدارة الأزمة المالية والديون، بل امتدت إلى بنية النظام المصرفى نفسه. فمع بروز هشاشة الروابط بين البنوك والدول، أطلقت أوروبا مشروع “الاتحاد المصرفي” الذى منح البنك المركزى الأوروبى دورًا مباشرًا فى الإشراف على أكبر البنوك عبر “آلية الرقابة الموحدة”، إلى جانب إنشاء آليات موحدة لحل البنوك المتعثرة وتعزيز ضمانات الودائع، فى محاولة لفصل مصير البنوك عن الميزانيات الوطنية قدر الإمكان.  

فى ذلك السياق، كان “التعافي” متمحورًا حول كسر دائرة الخوف بين الأسواق والدول، عبر رسائل قوية من البنك المركزي، وحزم دعم أوروبية مشتركة، وبرامج تقشف وإصلاحات بنيوية فى الدول المستفيدة من الإنقاذ، وإن كان ذلك بثمن اجتماعى وسياسى باهظ.
السؤال الذى يفرض نفسه اليوم: هل الإشكالية الراهنة التى تُعانيها منطقة اليورو هى نفسها التى عانتها من قبل، وبالتالى يمكن اللجوء إلى “الوصفة القديمة”، أم أننا أمام تحدٍّ مختلف يتطلب حلولًا جديدة؟ ربما يكون الفرق الجوهرى أن أزمة الأمس كانت أزمة ثقة فى قدرة الدول على السداد، بينما أزمة اليوم هى أزمة ثقة فى قدرة القارة على النمو معًا، لا مجرد البقاء معًا.
فى أزمة الديون، كانت العدوى تنطلق من الأسواق المالية ومن شكوك المستثمرين فى قدرة بعض الدول على خدمة ديونها؛ العلاج جاء عبر توفير مظلات تمويل مشتركة وإعادة هندسة الإطار المالى والمصرفى لكسر حلقة الهلع. أما اليوم، فالوضع المالى العام فى معظم دول منطقة اليورو أكثر استقرارًا نسبيًّا، وأسواق السندات ليست فى حالة ذعر مشابهة لتلك السنوات، لكن الخطر يتمثل فى شيء أكثر هدوءًا وأطول أمدًا: تفاوت القدرة على النمو والإنتاجية، واختلاف سرعة التحول الاقتصادى بين دول تشترك فى عملة واحدة لكنها لا تشترك بالقدر نفسه فى الاستثمار فى البحث والابتكار والبنية التحتية ورأس المال البشري.

تذكّر تقارير منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية بوضوح بأن ضعف الإنتاجية، وعوائق السوق الموحدة لرأس المال والخدمات، وطبيعة النظام المالى الأوروبى القائمة فى جزء كبير منها على التمويل المصرفى التقليدي، تجعل بعض الاقتصادات أقل قدرة على استثمار فوائض الادخار فى مشاريع مستقبلية عالية القيمة المضافة. لذا، يُمكن القول إن منطقة اليورو ليست بصدد أزمة “سندات على وشك الانهيار”، بقدر ما هى أزمة “مسارات نمو تتباعد ببطء”.
لذا، يبدو أن تكرار وصفة التقشف والانكماش المالى ليس فقط غير واقعى سياسيًّا، بل قد يكون معاكسًا تمامًا لما تحتاجه أوروبا الآن. الوصفات التى جُرِّبت بعد 2010 - خفض الإنفاق العام سريعًا، تشديد القيود المالية على الدول المتعثرة، والرهان على أن “انضباط الميزانية” وحده سيعيد الثقة والنمو - أدت إلى استقرار اليورو ولكن تكلفتها تضمنت سنوات من البطالة المرتفعة، وتآكل الثقة فى المؤسسات الأوروبية فى بعض الدول الطرفية، وصعود موجات شعبوية ما زالت آثارها ماثلة.

أما اليوم، ومع تحوّل العالم نحو تنافس حاد فى مجالات التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعى وسلاسل الإمداد، فإن السؤال لم يعد كيف نُخفِّض العجز غدًا فقط، بل كيف نضمن ألا تتحول فجوة الاستثمار والإنتاجية بين دول اليورو إلى فجوة دائمة فى مستوى المعيشة وفرص العمل وجودة الحياة.
فى هذا السياق، تبدو السياسة النقدية وحدها عاجزة عن إنتاج معجزة. إبقاء الفائدة على مستواها الحالي، كما يكرر البنك المركزى الأوروبي، يعكس توازنًا دقيقًا بين الخوف من عودة التضخم والخشية

من خنق النمو، لكنه لا يجيب عن سؤال: من سيقود موجة الاستثمار التالية؟ إذا كانت دول الشمال المتقدمة صناعيًّا مترددة فى توسيع الإنفاق العام، ودول الجنوب تحتاج إلى مساحة مالية أوسع للاستثمار فى التحول الرقمى والأخضر والبنى التحتية، فإن المسار المنطقى هو تعزيز الأدوات الأوروبية المشتركة: مزيد من استخدام الإصدارات المشتركة للدين الأوروبى كما حدث خلال جائحة “كوفيد-19”، توسعة برامج الاستثمارات العابرة للحدود، تسريع الاتحاد المالى الحقيقي، وتعميق سوق رأس المال الأوروبية بما يسمح بتوجيه مدخرات الأسر الأوروبية إلى الشركات الابتكارية فى كل أنحاء القارة.
على المستوى الاجتماعى والسياسي، لا يُعد التفاوت الاقتصادى بمثابة أرقام فى جداول “يوروستات” فقط، لكنه يتحول ببطء إلى شعور متنامٍ باللا عدالة بين بلدان تشعر بأنها تدفع أكثر مما تحصل، وأخرى ترى أنها تلتزم بقواعد وُضعت أصلاً وفق مقاس غير مقاسها. 
تظهر استطلاعات الرأى الأوروبية تذبذبًا فى الثقة بالمؤسسات الأوروبية، مع تراجع نسبى فى بعض البلدان مقارنة بذروة التضامن التى شهدها الاتحاد خلال فترات الجائحة. هذا المناخ يفتح المجال أمام سرديات متناقضة: بلدان تُحمَّل بروكسل مسؤولية كل تباطؤ أو تقشف, وبلدان أخرى تُتهم “أوروبا الجنوبية” بأنها عبء دائم على دافعى الضرائب فى الشمال. حين تسود هذه اللغة، يتعرض “اليورو” نفسه للاختزال فى صورة “عبء مشترك” بدل أن يبقى رمزًا لمصير مشترك.
ختامًا، ربما يمكن تلخيص مفترق الطرق الذى تقف عنده منطقة اليورو اليوم فى صورة ثلاثية بسيطة فى مظهرها لكنها عميقة فى جوهرها: إما أن تنجح أوروبا فى إطلاق موجة جديدة من التقارب من خلال استثمارات مشتركة ورؤية اقتصادية موحدة تعالج جذور التفاوت؛ أو تقبل عمليًّا بفكرة “أوروبا بسرعتين”, حيث تستمر العملة موحدة لكن المسارات الاقتصادية تتباعد تدريجيًّا مع إدارة الخلافات بأدوات مؤقتة؛ أو تنزلق إلى حالة من “الصمود المجزأ” حيث يبقى اليورو قائمًا، لكن تحت ضغط سياسى دائم من نزعات قومية وشكوك متبادلة. 
فرغم ما قالته “فون دير لاين” بأن اليورو يعكس قيم أوروبا ورمز وحدتها، لكنه فى الوقت ذاته مرآة صادقة لما يجرى تحت السطح: فإذا كانت القيم مشتركة لكن الفرص غير متكافئة، فإن العملة الواحدة تصبح اختبارًا يوميًّا لمدى استعداد الأوروبيين لدفع تكلفة هذه الوحدة. وربما يكون السؤال الأعمق الذى ينبغى أن تطرحه منطقة اليورو على نفسها اليوم ليس: كيف نحافظ على اليورو بل: أيّ أوروبا نريد لليورو أن يعكسها بعد خمسٍ وعشرين سنة أخرى؛ قارةً متقاربة المسارات، أم عملةً واحدة تخفى وراءها طرقًا تتباعد فى صمت؟
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام