وجوه عبر الزمن



رؤوف مسعد… بين الوطن والكتابة.. حين يتحوّل الجرح إلى بوصلة (2)

27-11-2025 | 23:30
إلهامى المليجى

لم يكن رؤوف مسعد واحدًا من أولئك الذين يسيرون بمحاذاة الأشياء، بل كان دائمًا فى قلبها، فى صراعها، فى هشاشتها. 
كلّ عودة له كانت أشبه بامتحان جديد للعلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين الكاتب وذاكرته.
وهذه الحلقة تكشف مرحلة فارقة من حياته… ومن علاقتى به.
حين يصبح الجرح مرآةً لا تنطفئ
لم تكن عودته إلى القاهرة مجرّد رحلة عكسية من المنفى، بل كانت صعودًا إلى سطح جرحٍ قديم ظلّ ينبض مهما ابتعد. عاد وفى حقيبته ما هو أثقل من الكتب؛ ذاكرة تتنازعها هويتان، ووطن لا يُمسك باليد لكنه لا يغادر القلب.
كان الوطن بالنسبة له مساحة مُلتبسة: قريبًا بحيث يوقظ الأمل، وبعيدًا بحيث يُعيد إنتاج المنفى داخل حدوده، كانت القاهرة - المدينة التى أحبها دون أن يأمن لها - تعيد إليه كل الأسئلة التى حاول دفنها فى المنافى: أسئلة الوجود والانتماء، وأين يبدأ الوطن وأين ينتهى.
عاد محمّلاً بثقل الهويتين:
السودانية التى شهدت مولده، والمصرية التى شكّلت لغته وصوته.
وكان يرى نفسه - كما قال ذات مرة – «ابن أقلية داخل الأقلية»: قبطياً إنجيلياً فى مجتمع يزداد تصلّباً تجاه المختلف، تلك الحساسية الشفافة، التى تشبه ضوءاً خافتاً يتسلل من تحت باب مغلق، انعكست على كتاباته وعلى علاقته بالعالم.
وفى تلك السنوات كانت مصر تموج بتحولات عاصفة، اقتصاد يتغير بعنف، وثقافة تتوتر، ومدينة تفقد ملامحها القديمة، كان يتحرك وسط هذا كله، كمن يعرف الطريق ولا يعرف إن كان الطريق يعرفه.
ومع ذلك ظل الوطن بالنسبة له جرحاً لا يلتئم… وكأن الكتابة وحدها كانت الضماد الذى يخفّف الألم دون أن يوقفه.

المشهد الثانى: من المنيرة إلى بوابة النشر… ورؤوف الذى أعاد فتح القاهرة أمامى
بعد عودتى إلى القاهرة بفترة قصيرة التحقت بجريدة الوفد، أبحث عن موطئ قدم فى صحافة تضيق يوماً بعد يوم، وقبل أن تستقر قدماى، جاءنى صوت رؤوف عبر الهاتف بنبرة تجمع الصرامة والود:
تعال… ما ينفعش معرض من غيرك.
وهكذا وجدتنى فى جناح دار شهدى بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، نرتّب الكتب، نتحدث مع القرّاء، ونستعيد شيئًا من حرارة المشهد الثقافى. غير أن انقطاعى عن الجريدة لأكثر من شهر جعل العودة شبه مستحيلة.
ابتسم رؤوف وقال عبارته التى أزاحت عنى الحرج كله:
خليك هنا… شهدى محتاجة نَفَس.
من دون اتفاق مكتوب، أصبحت جزءاً من إدارة الدار، خصوصاً حين كان يسافر إلى هولندا - رحلات ستصبح لاحقاً بوابة المنفى الأخير لحياته.

مدرسة الأيقونات القبطية… حين يتقاطع الفن بالهوية
مثّلتُ دار شهدى فى اجتماعات المعهد الثقافى الهولندى لإعداد كتاب عن الأيقونات القبطية. ضمّت اللجنة أحمد صادق سعد (إيزيدور سلفادور)، وإدوارد الخراط، ومدير المعهد… وأنا ممثلًا للدار.
غصتُ فى عالم يختلط فيه اللاهوت بالفن، والرمز بالتاريخ، والحساسيات الطائفية بالمدارس الجمالية، خرجت مرتبكاً واتصلت برؤوف:
يا رؤوف… «دول بيغوصوا فى بحار أنا ما بعرفهاش».
ضحك ضحكته الساخرة:
إحنا ناشرين يا صاحبي… مش لاهوتيين، المهم الكتاب يطلع صح.
كانت تلك الجملة تلخيصاً لخبرته: 
بصيرة ترى ما خلف المشهد، وقدرة على الفصل بين المعرفة الحقيقية، وبين ما تصنعه الذاكرة الطائفية من شوائب.

الزيارات التى كشفت هشاشة الاختلاف
خلال تلك الفترة، لفتنى نشاط مدير المعهد الثقافى الهولندى، الذى كان يتنقّل بين القاهرة والأقاليم، بحثاً عن الموالد وطقوسها الشعبية. كان يحضر الندوات، يلتقى الباحثين، ويصطحب رؤوف أحياناً فى جولات ميدانية للتوثيق والرصد.
لكن ما أزعجنى - وربما صَدمنى - كان سفراته البرّية المتكررة إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة. كان يعلن عنها دون مواربة، كأنها جزءٌ طبيعى من عمله الثقافى.
وحين أبديتُ ملاحظتى غاضباً، لم يُظهر تفهماً، بل قال ببرود أقرب إلى القسوة:
لليهود حضور قوى فى هولندا… ولإسرائيل نفوذ واسع.
ثم إن كل واحد حر فى خياراته - سواء أزعجتك أم أرضتك، عليك احترام رؤية الآخر، حتى لو كانت مناقضة لك.
كانت تلك اللحظة اختباراً جديداً للصداقة:
كيف تتسع للغضب دون أن تنكسر؟
كيف نختلف أخلاقيًا وسياسياً… ونُبقى الخيط الإنسانى مشدوداً؟
ظلّ الموقف عالقاً فى ذاكرتى كجرح صغير لا يلتئم، وكأنه يعيد السؤال الأبدى:
إلى أى مدى نستطيع احتمال اختلاف من نحب؟

مدرسة أخرى لا تُنسى
لم تدم شراكتى مع رؤوف فى دار شهدى سوى شهور قليلة، لكنها كانت كافية لتمنحنى مدرسة كاملة: تعلمت أسرار الطباعة فى مصر، ومهارات التوزيع، وكيف تُدار المعارك الفكرية دون أن تفسد العلاقات، وكيف يكون الناشر ضميراً قبل أن يكون صاحب مشروع.
وكان رؤوف كريماً كعادته: 
يتركنى أستخدم سيارته أثناء سفره، ويقدّمنى لكتّاب الكبار، ويفتح أمامى أبوابًا ما كانت لتُفتح لولا محبته وثقته.

حين بدأت دار النديم … والجسر لم ينقطع
بعد تأسيس دار النديم لم يتراجع دوره، بل ازداد حضورًا وعمقًا.
كانت نصائحه أشبه بوصايا:
كيف تُختار الكتب؟
كيف تُبنى شبكة القرّاء؟
وكيف تُدار دار نشر بروح تستحق البقاء؟
وحين استقر فى هولندا، ظل الوصال ممتدًا.
كان يعود إلى القاهرة كل عام، ويأخذنى معه إلى طبقة جديدة من تجربته… ومن قلقه الداخلي.
نحو الجزء الثالث… حيث تصبح الحكاية أكثر حرارة
من هنا تبدأ المرحلة الأكثر توتراً وتعقيداً فى العلاقة:
- دعمه للنديم فى بداياتها، ودوائر المعرفة التى فتحها لى، وارتباكه كابن أقلية، موقفه من 30 يونيو، تحوّله بعد قضية جوليو ريجينى، المسافة … فالقطيعة القصيرة … فالمصالحة، وصولاً إلى رحيله الأخير فى هولندا.
الخاتمة فى الجزء الثالث سنرى رؤوف كما لم نره من قبل:
إنسانًا يقف دائمًا عند الحدّ الفاصل بين القلق والحرية، وبين الوطن والمنفى… وبين الصداقة وظلال العمر.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام