مقالات



كيف كانت وكيف صارت؟ (5)

27-11-2025 | 23:35
د. إيمان طاهر

من الفوضى تشكلت استبدادية جديدة بأوروبا، وهكذا دخلت الليبرالية بأزمة أكثر مما سبق، حيث واجهت نظامين جديدين، الفاشى والنازى، وكلاً منهما يملك القدرة على التعبئة لشعوبهما، ومواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية الكبرى بطاقة هائلة تفوق الأنظمة الليبرالية، وإن كان لا وجه للمقارنة.
وعلى الرغم من وجود ديمقراطيات ليبرالية ممسكة بزمام السلطة وجو عام، انكمشت فيه الأحزاب خصوصا اليسارية وتوارت بالأركان، فى خلفية تلك المشاهد المضطربة المحمومة، كان موسولينى يشكل حكومته على أساس ائتلافى، ولكن بالطبع كانت يمينية التوجه، شارك فيها كاثوليكان من الجناح اليمينى للحزب الشيوعى، وأربعة ليبراليين وقومى وأربعة فاشيين وبعض من الشخصيات، مثل الفيلسوف جوفانى جينتيلى، وقادة عسكريون وعند توليه الحكم وضع إستراتيجية مبدئية بها تشريعات جديدة تتيح له السيطرة الكاملة على الانتخابات، فسارع المحافظون بمختلف توجهاتهم للانتماء لحزبة، وتبعهم آخرون من الحزب الشيوعى والحركه الزراعية وغيرهم.
كما تم التلاعب بالانتخابات وحصل على 60% من الأصوات، مما دفع النائب الاشتراكى بمجلس النواب جاكومو ماتيوتى، لإدانة أجواء العنف والتلاعب، وسرعان ما أصدر موسولينى أوامره لفرقته باختطافه وقتله، مما شكل صدمة للرأى العام والأحزاب فتفجرت الأوضاع، مما دفع موسولينى لتقديم برنامج سريع أبعد فيه كل برلمانيى المعارضة، وحل الأحزاب باستثناء حزبه وألغى الحقوق السياسية الأساسية، وهكذا انتقلت إيطاليا بشكل فوضوى من نظام دستورى إلى نظام الحزب الواحد بلا أى آليات دستورية ليبرالية ولا شرعية، وتصاعدت الصراعات خصوصاً بعد ما أدرك الملك خطورة موسولينى. وتدخلت الأقدار حين خسر الحرب وكبد إيطاليا خسائر فادحة، فقرر حزبه وقادة سياسيون التخلص منه بعد نحو 20 عاما من العنهجية الفاشية.
كانت النازية شبيهة بحد كبير فى جوانبها بالفاشية، وإن كان وصولها للسلطة جاء بعد صراع سياسى طويل، افتقدت فيها ألمانيا بشكل واضح ازدواجية إدارة السلطة، لأن هتلر كان أكثر ما يفزعه هو تقاسم السلطة مع أى أحد، ومريضا بالسيطرة، لذا سنلاحظ أن قضية العرق كانت قضية حاسمة لديه وهى مرتبطة بالفكر الشعبوى والقومية، ووجود شعوب لها حق السيادة وأخرى مجبرة أن تكون خادمة لها، فجمع بين أيديولوجية الدم والأرض، وهو إلهام تاريخى قديم بألمانيا، ويمكن أن نطلق عليه إرث قومى.
وانطلاقا من هذه الأيديولوجية تطلعت ألمانيا، لتأسيس مملكة جديدة تستعيد فيها المثل العليا ممتزجة بالأصول والتحديث، فعزز نظما اجتماعية، وتم رفع مستوى الإقبال الجماهيرى على الاستهلاك، وسهل الرحلات والسياحة، لتكون بمتناول الطبقات العاملة، وبدأ صناعة السيارات زهيدة الأسعار وأطلق عليها سيارة الشعب الشهيرة بـ Volkswagen فاستطاع إلهاء شعبه بحياة مريحة وسهلة، مما منحه استثناء أخفى الكثير من الجوانب القمعية بحكمة.
كل الضغوط التى أفرزتها تلك الأنظمة الاستبدادية أدت لإعادة قراءة التاريخ ومحاولة الفهم، لماذا حصلت تلك الأنظمة على هذا التأييد الشعبى الواسع، ومما لا شك فيه أن تلك الأنظمة استطاعت تحقيق نتائج إيجابية سواء فى تحسين مستوى المعيشة والاقتصاد والوظائف مما منحها حصانة ودعماً كبيراً لأيديولجية التوسع، وبقراءة سريعة لسيكولوجية الشعوب بتلك الأزمنة، سنرى نجاح تلك الأنظمة فى تحقيق تلاحم أيديولوجى طوعى متحمس على الدوام، وسادت حالة من الطاعة قدمت طواعية، بحيث وضعت جوانب الحياة كافة أمام التضحية والبطولة لخدمة بلادها. 
لكن مسار الحروب غير الكثير من أساليب التفكير، خصوصا لدى المثقفين مما دفعهم لمناهضة الفاشية عبر تكوين ائتلافات تجمعهم مع القوى التقدمية نشطت بشكل كبير وأثرت على السياسة الأوروبية بعد الحرب، ساعدتها حالة النمو الاقتصادى والرفاهية وتوسع المجتمعات الاستهلاكية، وقد وصفت تلك الظاهرة بالرأسمالية الجديدة، واتضحت معالمها منذ ذلك الوقت، فبدلت تدريجيا التركيبة الاجتماعية وتغيرت أدوار الأحزاب والنقابات وغاب دور الكنيسة بعد عقود طويلة من السيطرة، حتى وصلت لمرحلة أثارت قلق علماء الاجتماع ونادوا بالإصلاح البنيوى نتيجه الآثار السلبية على المجتمع وضرورة التحكم فى الرخاء.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام