ثقافة



أبكار السقاف.. العقل الذى مشى وحيدا

27-11-2025 | 23:44
⢴ ‪ ‬ محمد عبيد

امرأة فى منتصف القرن الماضى تكتب عن العقل والإنسان والحرية، هكذا تبدو أبكار السقاف فى صورتها الأولى، خطوة صغيرة فى الكتابة تتحول إلى صفعة على خد مشهد ثقافى يجيد الغفلة، لم تدخل المعبد لتجلس بين الكهنة، بل لتطفئ المصابيح القديمة وتفتح النوافذ للهواء، لم تضرب أحداً، لكنها ضربت الفكرة نفسها حتى اعترفت بأنها مُنهكة.

قراءة سيرة أبكار السقاف، أشبه بمحاولة فهم كيف تجرأت امرأة على التصرّف، وكأن المجتمع لم يوزع بعد اللائحة الرسمية بعدد الأسئلة المسموح بها للنساء، ولدت فى القاهرة عام 1913 لأب يمنى مهاجر وأم تركية - مصرية، ونشأت فى بيت أرستقراطى يوفّر من التعليم ما يكفى لتقف فى منتصف الطريق بين التقليديين والمجددين وتقول لكليهما: لديّ سؤال.

عاشت فى زمنٍ كان المشى فى حقل الأديان المقارنة، يشبه وضع شمعة فوق برميل بارود. ومع ذلك مشت، وبالشمعة نفسها. أتقنت العربية والإنجليزية والفرنسية، ما سمح لها بالغوص فى كتب التاريخ والأديان والفلسفة، وإعادة تركيبها كما يفعل الخياط الماهر مع قصة مهترئة يحوّلها إلى سترة جديدة. لم تكن قارئة نهمة فقط بل ظاهرة قراءة تمشى بين الناس، تقرأ الأدب والسياسة والفلسفة، وتحفر فى كتب التاريخ الدينى وموروثات مصر القديمة وبلاد الرافدين والصين، وكأنها تستعد لمناظرة مع الحضارة كلها.


انشغلت بتأليف كتب فكرية عن الأديان، لكنها لم تهد القارئ خلاصاً جاهزاً، ولم تعد تدوير النصوص الميتة. بل كانت تطرح الأسئلة الصعبة كأنها تلاعب عقل القارئ وتحفّزه على مواجهة مفارقات لم يفكر فيها من قبل. فى كل سطر يظهر تهكمها الرقيق الذى يهز جذور القداسة الموروثة. كانت تحلل الأساطير وتفكك الطقوس بمهارة لاعب، لكن خلف هذا اللعب يختبئ احترام عميق للعقل البشرى وقدرته على التفكير الحر. كل كتاب لها ليس مجرد نقد بل مسرحية فلسفية صغيرة، حيث يقف العقل ليضحك فى وجه من يظن أن الإيمان مجرد تكرار أو طقوس عمياء. كانت تؤمن أن حرية التفكير تبدأ من سقوط وهم المعرفة المطلقة، وأن المرأة المفكرة - بندرتها - قادرة على زلزلة مجتمع كامل بابتسامة هادئة وسخرية ذكية.


أبكار تحوّل العقل إلى ساحة مواجهة مع القداسة المتكلسة، وتكشف للقارئ مع كل صفحة أن العالم أغرب مما يتخيل، وأن الأسئلة أهم من الإجابات، وأن النساء المفكرات - النادرات - أكثر عنفاً فى تفكيك الجهل من أى فتوى أو كتاب.


عندما كتبت «نحو آفاق أوسع - المراحل التطورية للإنسان»، لم تبتكر نظرية جديدة بقدر ما طرحت نقداً تطورياً لمخيال عربى يخشى السؤال أكثر مما يخشى الجهل. ثلاثة أجزاء تصف رحلة الإنسان من الحيوان إلى الوعى، بينما كان بعض المعترضين يرون أن الانتقال من الجهل إلى السؤال هو الخطر الحقيقى، نشرت مكتبة الأنجلو الجزءين الأول والثانى، ثم جاء الرقيب مرتبكاً من الأبجدية وصادر النسخ كما لو أنه ضبط محاولة تهريب عقل. احتاجت الفكرة نصف قرن لتُعاد للنشر عام 2005، وكأن التطور احتاج خمسين عاماً ليُسمح له بالتنفس.
فى «الدين فى شبه الجزيرة العربية» أجرت جراحة معرفية دون مخدر، تقرأ الديانات الجاهلية بلا انفعال وعظى ولا شتيمة أيديولوجية، بل كظاهرة إنسانية تستحق الفهم لا الإدانة. وهذا بحد ذاته كان كافياً لإزعاج من يصرّ على أن الماضى إما أن يُقرأ بورقة توبة أو بورقة إدانة، أما أن يُقرأ كتاريخ فذلك رفاه غير مسموح به.


ثم جاءت مغامرتها «إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة» عام 1965، لم تكتب فيه بلغة الخطب ولا بحنكة الشعارات، بل كتبت بجرأة معرفية تبرد أعصاب المتحمسين وتشعل أعصاب المتوترين، حاولت تفكيك الفكرة الصهيونية من جذورها النصية والرمزية، وكأنها ترفع وعى القارئ بينما يفضّل البعض رفع الصوت. أعادت مكتبة مدبولى نشره عام 1997، وكأن الوعى احتاج ثلاثة عقود ليستعد لقراءة كتاب كتبته امرأة بلا مكبرات صوت.
وفى «الحلاج» 1995 ربطت بين الصوفية والفلسفة والتاريخ والعقل البشرى، قرأت الحلاج وجودياً، بلا تقديس أعمى أو هجوم انفعالى، فتحت قصته كما يُفتح صندوق أسئلة قديمة، بحذر وفضول، الحقيقة ليست فى الرجل نفسه بل فى الطريقة التى قرأه بها الناس.


عندما نطالع قوائم مخطوطاتها غير المنشورة، ندرك أن الثقافة العربية تمارس هوايتها الأثيرة، حجز الكتب فى الأدراج. مخطوطات عن النبى محمد، والمسيح، وموسى، والسهروردى، و«مقدمة اللغات»، وديوان «الليل والقلم»، وكتاب «همسة فى أذن إسرائيل» بالإنجليزية، كلها بقيت فى المنطقة الأكثر أماناً، الظل.
أما سيرتها «أصداء متفرقة» فحكاية أخرى، كتبت عام 1962 ثم اختفت لعقود، ربما لأنها تعرف أن العالم لا يحب مواجهة امرأة تعرف ما تقول. ظهرت أخيراً عام 1995 بمقدمة مهدى مصطفى، الذى وصف مشروعها بأنه ينتمى إلى مدرسة “البناء من الداخل”، مدرسة تضع الأسئلة تحت الأرض وتتركها تتخمر حتى تهز البنية دون أن يسمع أحد صوت الانفجار.
أبكار لم تكن مفكرة بالمعنى الأكاديمى بل بالمعنى الوجودى الذى يجعل السؤال قبل كل شيء. لم تجلس على كرسى سلطة بل على كرسيها المتواضع، تقرأ التاريخ كما يقرأ خبير المتفجرات حقلاً من الألغام، تفكك وتعيد التركيب دون أن تفقد اتزانها. قوة هادئة لكنها قادرة على زلزلة يقين ألف شيخ فى مقالة واحدة.
عرفت أن أخطر ما فى العقل العربى ليس جهله بل استقالته. كتبت ضد التبجيل الأعمى، ضد قمع الإرادة باسم المقدس، ضد الثنائية التى تجعل المرأة إما عورة أو معجزة. وأعلنت أن الحرية ليست ترفاً بل شرطاً للحياة الفكرية. وأن الإنسان الذى يخاف السؤال يعيش فى سجن، حتى لو كانت قضبانه من ذهب.
خصومها كانوا يمارسون هوايتهم المعتادة، صنع الضوضاء حول الأسئلة كى لا يسمع الناس صوت الإجابة. هم يحرسون الماضى من المستقبل، وهى تحرس الإنسان من نفسه. تقول إن المعرفة تبدأ بالشك، بينما يحذرون من الشك كأنه طاعون.


أبكار السقاف، لمن يريد الخلاصة، ليست مفكرة متحررة ولا امرأة متمردة، ولا رمزاً نسوياً معلباً. هى ذلك الكائن الذى امتلك رفاهية الشك وشجاعة السؤال ومهارة التلاعب باللغة دون التلاعب بالحقيقة. الدليل الحى على أن أخطر الثورات ليست التى تجرى فى الشوارع، بل التى تدور فى رأس امرأة، قررت أن تفتح نافذة لم يأذن لها أحد بفتحها. كتبت لأن العقل عندها وظيفة لا زينة، ولأن الحرية شرط لا شعار، ولأن المجتمع الذى يخاف نافذة واحدة ربما يحتاج ضوءاً أوسع لا أبواباً أكثر.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام