لم يكن التحول الراهن فى مواقف الولايات المتحدة، وأوروبا تجاه جماعة الإخوان الإرهابية حدثا مفاجئا، بقدر ما كان نتيجة تراكم طويل من الخبرات، والوقائع التى أظهرت حقيقة المشروع الذى تبشر به الجماعة منذ عقود، فالتنظيم الذى كثيراً ما قدم نفسه للغرب باعتباره «قوة معتدلة»، و»جسرا بين الشرق والغرب»، يجد اليوم نفسه أمام لحظة مراجعة كبرى من قبل العواصم الغربية، من واشنطن إلى برلين، ومن باريس إلى لندن، وهى مراجعة لم تعد محصورة فى تقارير مراكز الأبحاث، بل تحولت إلى سياسات وتشريعات، وإجراءات تنفيذية تعكس قناعة واضحة: أن هذا التنظيم لا يتحرك داخل حدود دولة، بل داخل شبكة أيديولوجية عابرة للحدود، تعمل بأدوات سياسية واجتماعية ودعوية متشعبة. لقد بنى الغرب لعقود طويلة، جزءا من تصوره عن العالم الإسلامى على فرضية إمكانية احتواء الإسلام السياسى، ودمجه فى الحياة السياسية، ورأى فى في جماعة الإخوان الإرهابية نموذجا صالحا لهذا الدمج، فإن ما سمى بربيع 2011 وما أعقبه من أحداث، وضع تلك الفرضية تحت الاختبار المباشر، فالصعود السريع، ثم السقوط المدوى لتجربة الإخوان الإرهابية، فى الحكم، وما صاحبها من تناقضات وتوترات، كشف للغرب ما كانت دول عربية - وفى مقدمتها مصر- تحذر منه مبكرا، وهو أن خطاب الجماعة شىء، وممارساتها على الأرض شىء آخر تماما.
ومع كل موجة اضطراب فى المنطقة، وكل تجربة حكم فاشلة أو صدام سياسى قادته الجماعة، كانت الشكوك الغربية تزداد، ثم جاءت موجة الإرهاب التى ضربت أوروبا بين 2015 و2020، لتدفع ملف جماعة الإخوان الإرهابية من أروقة الدبلوماسية إلى مكاتب الأمن والاستخبارات، وبات الحديث فى أوروبا لا يتعلق بفكر الجماعة فقط، بل ببنيتها التنظيمية، وتمويلاتها، ومدى تأثيرها على اندماج الجاليات المسلمة، خوفا من نشوء "مجتمعات موازية"، تعيش داخل الدولة ولكن خارج منظومتها القيمية والقانونية.
أما فى الولايات المتحدة، فقد شكل وصول إدارة الرئيس دونالد ترامب نقطة تحول حقيقية، وبرغم اختلاف درجات التشدد بين الإدارات الأمريكية، فإن الاتجاه العام بات ثابتا: مراجعة شاملة للنشاط الإخوانى، وتدقيق فى تمويلات الجمعيات، ونقاشاً متجدداً حول دور التنظيم فى إنتاج بيئة فكرية تتقاطع مع التطرف.
وهنا تبدو جماعة الإخوان فى قلب العاصفة، فالمناخ الغربى الذى سمح للتنظيم لعقود ببناء نفوذ واسع داخل المجتمعات المسلمة - عبر المساجد والجمعيات والمدارس - لم يعد كما كان، فالأوروبيون يضيقون الخناق على «الإسلام السياسى»، والأمريكيون يعيدون رسم خطوطهم الحمراء، ودول الشرق الأوسط، التى دفعت الثمن الأكبر، تجد أخيرا آذانا غربية أكثر استعدادا لفهم مخاطر هذا التنظيم. إن تغير الموقف الغربى، ليس مجرد تحول سياسى عابر، بل لحظة اعتراف متأخر بأن المشروع الإخوانى، فى جوهره، يناقض فكرة الدولة الوطنية الحديثة، وما نشهده اليوم هو بداية فصل جديد، تتعامل فيه العواصم الغربية مع جماعة الإخوان الإرهابية باعتبارها جزءا من معادلة أمنية واجتماعية معقدة، لا كقوة سياسية "معتدلة"، يمكن التعويل عليها كما كان يتم الترويج له فى الماضى.
ونحن هنا خضنا المواجهة مبكرا، ودفع شعبنا ثمن مقاومة مشروع الجماعة - فى موقع واضح: لم تكن المواجهة خلافا سياسيا، إنما كانت دفاعا عن الدولة الوطنية فى مواجهة مشروع عابر للحدود أثبت الواقع خطورته، والآن وبعد سنوات من التشويش، يعيد العالم اكتشاف ما أدركناه مبكرا.
إن الغرب يغير بوصلته، وجماعة الإخوان الإرهابية تفقد آخر أوراق الوهم، وما بين المراجعة الأوروبية، والتحول الأمريكى، وتجارب المنطقة، يبدو أن هذا التنظيم يقترب من لحظة حقيقة طال هروبها: فالمشروع الذى نشأ على الغموض والتأويل، بات مكشوفا أمام الجميع.