مقالات



‪كيف كانت وكيف صارت؟ (6)‬

3-12-2025 | 02:17
د. إيمان طاهر

تلك كانت الأوضاع بأوروبا كلها، فأعادت النظر مرة أخرى لضرورة تقييد الأنظمة الاستبدادية، ووضع الدستورية الليبرالية ما عدا بريطانيا كحالة استثنائية لأنها لم يكن لها دستور مكتوب، وهذا بالطبع جعل من قياس التطور المستمر أمرا بالغ الصعوبة، بالإضافة إلى أنها كانت تعتبر نفسها غير معرضة لخطر التحول للفاشية ووجود حزبين قويين، وهما العمال والمحافظون.‬

لكن على الرغم من ذلك تدهور المستقبل الإمبراطورى نتيجة مشكلة بريطانيا الحقيقية فى فقدانها القدرة على ممارسة سياسة دولية انطلاقا من تطلعاتها القديمة للسيطرة واستعمار مواقع جغرافية محورية، حيث واجهت أولى أزماتها مع مصر التى تبنت قضية القومية العربية وتحرير الأرض، فأخطات خطأ فادحا تحول لفضيحة عالمية، حين شنت حرباً بمشاركة فرنسا على مصر، فلم تستطع السيطرة على تلك الأزمة، ففقدت مصداقيتها وكانت نهاية سيئة لمسيرتها السياسية.‬

على صعيد آخر نجحت الدستورية الليبرالية فى الصمود خلال سابق كل تلك الأحداث والضربات، وإن تغيرت فى مكنوناتها ونبراتها لتواكب التطور، فلم يعد البرلمان مسرح التمثيل السياسى، حيث كان مغلقا على طبقة سياسية تفتقد الاحتكاك القوى بحياة الأفراد العاديين، واتجهت للإعلام سواء صحافة أم إذاعة وتليفزيون، فنمت بشكل سريع منذ التسعينيات، وفرضت تلك الإستراتيجية الجديدة شخصيات مثل مارجريت تاتشر والألمانى هلموت كول وغيرهما.‬

من خلال هذه النظرة العامة على السياسة الأوروبية، يمكننا استخلاص عدة مفاهيم قد تغير الكثير من مخاوفنا الحاضرة للمستقبل، فمعظم الدول التى أبدت اهتماما بتأسيس أشكال جديدة للثقة السياسية من خلال أطروحات مؤسساتيه، ما زالت تعانى للآن من مصاعب جمة، فى حين باقى الدول التى فضلت بشكل ما أو بآخر إعادة النظر فى التوازنات الداخلية للنظام الدستورى الليبرالى الديمقراطى، خفت لديها حدة المصاعب بشكل كبير، والحقيقة أن عالم السياسة هو عالم متغير، يعتمد بالأساس فى القدرة على المرونة والتكيف ليتماشى مع المتطلبات الجديدة، لسرعة التغيير سواء السياسى أم الاقتصادى والقدرة أيضا على التنظيم والتوظيف لمعطيات الأحداث. ‬

أما بالنسبة لمستقبل الديمقراطيات الليبرالية، فلا شك أن المجتمعات التى حققت النجاح بلحظات تاريخية معينة، لن تبقى على الدوام ناجحة أمام ظواهر سياسية مختلفة، وشرعية الحكم بتلك النظم الليبرالية مشروطة بأدائها، وقدرتها فى الحفاظ على توازن كاف بين فعل الدولة القوى عند الضرورة، وأنواع الحريات الفردية التى تشكل أساس شريعتها الديمقراطية، ولعل فشل بعض الديمقراطيات الحديثة، يتمثل واضحا فى ضعف بعض الدول التى تحولت الديمقراطية المعاصرة بها إلى منظومات محاصرة ومتصلبة، غير قادرة على الحراك أو اتخاذ قرارات صعبة، لضمان بقائها الاقتصادى والسياسى، وهناك أمثلة عديدة مثل الهند وأمريكا نفسها، التى عجزت عن التصدى بجدية للمشكلات المالية، فيما يخص الصحة والضمان الاجتماعى والطاقة.‬

قد تبدو المؤسسات مشروطة بأسباب تاريخية، فيتمكن بعضها من البقاء، لكن بقاءها يشمل مشروطية لبلد سريع النمو ومتوسط أعمار سكانه بالعشرينيات، أمام بلد آخر مجتمعاته راكدة ويبلغ ثلث مواطنيه سن التقاعد، لذا فالأوضاع مرهونة بقدرة تلك المؤسسات على التكيف واتخاذ قرارات سريعة، هنا فقط لا تبقى المجتمعات أسيرة لماضيها حتى إن كان الحاضر يشكل ما كان بالماضى، إلا أن محاولة ربط كل منهما بالآخر والاستعانة بحرية لأفكار الآخرين الناجحة، قد يكون مفتاحا لتطور يمنح آليات تنظيمية تحد من التقلبات الرأسمالية العالمية.‬

وأخيرا ثمة فضيلة غائبة فى النظرة المقارنة عبر الزمان والمكان.‬

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام