نحن فى القرن الحادى والعشرين، وكان يمكن أن نتخلص من فلسفة الحروب والغزو، خصوصا أن الحرب العالمية الثانية، انتهت بظهور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، من أجل سلام عالمى شامل، وتأكيد على تنفيذ القانون الدولى والشرعية الدولية تنفيذا حرفيا.
وكما نعلم، فإن إسرائيل كانت نتاجا مباشرا لتلك الحرب، فقد نشأت عام 1948، بعد حروب قصيرة مستمرة من قبل عصاباتها «شتيرن - هاجاناه»، رغم أن هذه الميليشيات انضمت إلى الجيش الإسرائيلى، مع إنشاء هذه الدولة، وتشكيل حكومة لها برئاسة ديفيد بن چوريون، فإن حروبها القصيرة والسريعة استمرت ولم تتوقف. فلسفة هذا النوع من الحروب التصق بسياسة إسرائيل حتى هذه اللحظة، بهدف التوسع الأفقى مع كل عقد، فهى قد بدأت ما قبل 1948، وما بعدها بالهجوم والإغارة على القرى والبلدات الفلسطينية، وهجَّرت تحت القوة الغاشمة، السكان الأصليين لهذه البلدات وتلك القرى، واحتلتها، وضمتها إلى ما أسمته أراضيها.
وفى ذلك العصر لم ينتبه العالم الذى كان غارقا أو خارجا لتوه من حرب عالمية كارثية، وكأن إسرائيل تسللت بين دفاتر التاريخ، ووضعت أيديها على الأراضى الفلسطينية، وحين انتبه العالم، وأصدر قرارات مثل القرار 194 الداعى إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، كان قد تكرس وضع إسرائيلى على الأرض ببناء مدن جديدة على هذه الأرض، وطمس أسمائها العربية.
ويبدو أن هذا النجاح، والهروب بالغنيمة أغرى الفلسفة الإسرائيلية بأنها قد تستطيع تكرار إستراتيجية الحروب القصيرة السريعة والخاطفة، وقد فعلت ذلك مع الفلسطينيين، فى كل مكان، سواء بالاغتيال للأبرياء أم بالتصفية لقادتهم، وكلما أغلقت مرحلة دموية، حرصت إسرائيل على فتح مرحلة أخرى أشد كارثية وضراوة. الآن، وبعد ثمانين عاما، ننظر إلى مرآة التاريخ فى الشرق الأوسط، فنكتشف أن السياسة الإسرائيلية لا تزال هى نفسها السياسة ذاتها التى انتهجتها منذ النشأة، فهى تدمن الحروب القصيرة الخاطفة، وكلما طالت عليها الحرب فإنها تقع فى مأزق داخلى.
حدث ذلك فى اجتياحها للبنان، والوصول إلى العاصمة بيروت عام 1982، فقد غرقت فى حرب استنزاف طويلة، ودفعت أثمانا باهظة جعلتها تنسحب من لبنان عام 2000، وهى تحصى خسائر بشرية ومادية ودبلوماسية ضخمة، وبعد تلك الحرب حاولت أن تستعيد فلسفتها باغتيال الرموز الفلسطينية والعربية، ولا تكتفى بهذه الفلسفة لتستحوذ على مزيد من الأراضى والنفوذ، وتوسيع خرائطها فى كل مرحلة. ورأت أنه خلال حرب غزة فى السابع من أكتوبر عام 2023، التى استمرت أكثر من عامين - ولا تزال - ضرورة القفز على ما تبقى فى فلسطين، بتقسيم غزة واحتلالها، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا، ثم الإغارة على الضفة الغربية لتنسف الآمال حول مفهوم حل الدولتين. وتعتبر ذلك إنجازا فى مفهوم الإستراتيجية الخاطفة، فى ظل الانشغال الغربى، بشقيه الأمريكى والأوروبى، بالصراع حول أوكرانيا مع روسيا، وفى ظل إقليم عربى عانى فوضى الثورات، والميليشيات، والحروب الأهلية. وتتوهم إسرائيل أن الفرص مواتية، لتمكين فكرتها فى الشرق الأوسط من خلال توسيع رقعتها الجغرافية، بقضم جنوب لبنان حتى نهر الليطانى، وفى سبيل ذلك تعمل على إشعال فتنة أهلية فى لبنان والضغط على الحكومة اللبنانية لاتخاذ قرارات من شأنها أن تعيد الاحتقان إلى الساحة اللبنانية، لذا تعتدى يوميا، وفى كل ساعة على الدولة اللبنانية الشقيقة، فى السياق ذاته تجعل من الأراضى السورية مسرحا لعملياتها من أجل ضم الجنوب السورى إليها، وأيضا خلق فتنة بين الأطياف السورية المختلفة. ومن هنا تقوم بعمليات إغارة سريعة وخاطفة على الأراضى السورية، يمكن أن تجعل من الشعب السورى عرضة للرد فى وقت معين، فتشتعل الحرب، ونحن نعرف أن إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023، كان لديها تصور كامل عن توسيع الحرب، وبسبب ذلك هاجمت جبهات متعددة فى وقت واحد. واستطاعت أن تجذب الولايات المتحدة الأمريكية إلى مسرح العمليات، كما جرى فى حرب الاثنى عشر يوما، مع إيران، وكادت تشعل الجبهات العربية التى لا تشتبك معها فى الحرب بالفعل، مثلما قصفت الدولة الشقيقة قطر، ذلك القصف الذى أكد على جوهر ومفهوم وإستراتيجية الضربات الخاطفة. وكما يقال فى الحكمة الشعبية "ليس فى كل مرة تسلم الجرة"، فإنها لم تسلم هذه المرة، فقد اندفع العالم بغضب بعد قصف الدوحة، لأن إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمراء، واعتقدت أن مفهومها المزمن للحروب السريعة القصيرة سيحقق أهدافها طوال الوقت.
لكن ساعة الحساب حانت، فالرأى العام العالمى لم يعد يقبل بالمجازر والإبادات التى ترتكبها إسرائيل، ولم تعد ضمائر الحكومات الغربية قادرة على التعايش أو التكيف حسب المزاج الإسرائيلى، فثمة متغيرات بنيوية فى الإستراتيجيات العالمية انحازت إلى أن حركة التاريخ باتت فى مصلحة فلسطين، بل ولبنان وسوريا، وضد خرائط الأوهام الإسرائيلية.