حياة الناس



أكثر من 500 نوع أشهرها البجع والفلامنجو.. الطيورة المهاجرة الجمال فى سماء مصر

3-12-2025 | 03:06
⢴ هبة عادل

مصر واحدة من أهم الممرات العالمية لهجرة الطيور بين أوروبا وآسيا وإفريقيا
محطة حيوية للطيور المائية بسبب البحيرات الشمالية وغنى دلتا النيل بالمستنقعات
د. خالد النوبى: نستفيد بيئياً واقتصادياً من هجرة الطيور وهناك تنوع فريد يجذب عشاق السياحة البيئية 


يمر فوق مصر سنويا أكثر من 500 نوع من الطيور المهاجرة بين قارات العالم، بعضها لا يكتفى بالعبور فقط، إنما يتوقف للتغذية والراحة، وبعضها يقيم لفترة الشتاء،  ويمثل هذا المزيج الفريد من أنواع الطيور بيئة مناسبة لازدهار نمط جديد من السياحة البيئية، نظرا لحرص عشاق متابعة ورصد وتصوير الطيور المهاجرة القدوم إلى مصر سنويا لمتابعتها عن قرب وهو ما يمثل ركيزة فى منظومة السياحة المصرية. وهناك اهتمام كبير من الحكومة المصرية، لتوفير الحماية للطيور المهاجرة ضمن الإستراتيجية الوطنية للحفاظ  على النظام البيئى.
كما أن هناك تاريخا ممتدا للطيور  فى ثقافة المصريين منذ العصور القديمة، فقد ظهرت فى النقوش الفرعونية كرمز للحرية والروح والاستمرارية. كما استخدم المصريون القدماء صور الطيور فى الكتابة الهيروغليفية، مثل رمز النسر والصقر والبومة.

تُعد مصر واحدة من أهم الممرات العالمية لهجرة الطيور، حيث تتقاطع فوقها ثلاثة من أهم المسارات الدولية لهجرة الطيور بين أوروبا وآسيا وإفريقيا. وتحوَّلت سماء مصر، عبر آلاف السنين، إلى جسر طبيعى يعبره مئات الملايين من الطيور كل عام، باحثة عن الدفء أو الغذاء أو مناطق مناسبة للتكاثر. هذه الرحلة السنوية، تُعد من أعظم الظواهر الطبيعية التى تبرز قدرة الكائنات الحية على التكيف والصمود، وفى الوقت ذاته تكشف عن أهمية البيئة المصرية بموقعها الجغرافى الفريد وتنوعها البيئي.
ويقول الدكتور خالد النوبى، المدير التنفيذى للجمعية المصرية لحماية الطبيعة: هناك عدة أسباب تجعل مصر محطة محورية للطيور المهاجرة، أبرزها البحث عن الغذاء، حيث تقل الموارد الغذائية فى الشتاء، فى الموطن الأصلى لتلك الطيور سواء فى آسيا أو أوروبا، بينما توفر مصر وقارة إفريقيا دفئًا وغذاءً وفيرًا. وأضاف : كما يمثل الهروب من البرد القارس، سببا آخر فى هجرتها حيث تحتاج الطيور إلى درجات حرارة مناسبة تسمح لها بالبقاء والطيران والبحث عن الغذاء. وللتكاثر، بعض الأنواع تقضى الشتاء فى مصر، ثم تعود فى الربيع إلى مناطق التكاثر فى أوروبا. وللحماية وتجنّب المفترسات، بعض الطيور تختار الهجرة لتجنب المنافسة الشرسة أو المفترسات فى مناطقها الأصلية.
وأضاف: وجود مصر فى نقطة التقاء ثلاث كتل قارية، يعد عنصرا رئيسيا فى ظاهرة الهجرة السنوية للطيور إليها حيث يصل بين أوروبا وآسيا فى الشمال، وإفريقيا فى الجنوب. هذا الموقع يجعلها "معبرًا" مثاليًا للطيور التى تهاجر موسمياً بين مناطق التكاثر فى أوروبا وآسيا والمناطق الدافئة فى إفريقيا. كما يشكل البحر المتوسط فى الشمال والبحر الأحمر فى الشرق حاجزين مائيين واسعين يصعب على العديد من الطيور اجتيازهما مباشرةً، لذلك تبحث الطيور عن أقصر الطرق فوق اليابسة، فتختار مصر كممر آمن، خاصةً عبر شبه جزيرة سيناء ووادى النيل. ولدينا أيضا تنوع للبيئات الطبيعية، حيث تحتوى مصر على بيئات مختلفة تدعم الطيور خلال رحلتها، منها: الواحات والصحارى، ودلتا النيل وواديه، والبحيرات الشمالية مثل المنزلة والبرلس وإدكو،ومحميات طبيعية مثل وادى الريان والفيوم وقارون، محميات جنوب سيناء، وهذا التنوع يوفر للطيور أماكن للراحة والتغذية خلال رحلتها الطويلة. كما أن التيارات الهوائية فوق المناطق الجبلية، تساعد الطيور الجارحة الكبيرة مثل النسور والصقور، تعتمد على التيارات الحرارية الصاعدة للطيران دون مجهود كبير، ومصر توفر هذه الظروف خاصة فى منطقتَى سيناء وجبال البحر الأحمر.
وعن أنواع الطيور المهاجرة التى تمر عبر مصر، قال الدكتور خالد النوبى: يمر فوق مصر ما يقرب من 500 نوع من الطيور، بعضها يمر فقط، وبعضها يتوقف للتغذية والراحة، وبعضها يقيم لفترة الشتاء. وتستخدم الطيور ثلاثة مسارات رئيسية أثناء انتقالها عبر مصر، المسار الشرقى عبر سيناء وهذا هو أهم مسار هجرة الطيور الجارحة، ويُعرف باسم "عنق الزجاجة فى سيناء"، لأن آلاف الطيور تمر عبر منطقة ضيقة نسبيًا فى جنوب سيناء قبل عبور خليج السويس.
 وهناك مسار وادى النيل، ويمتد هذا المسار من السودان جنوبًا باتجاه مصر الوسطى والشمالية، وتستخدمه بشكل خاص الطيور المائية والمغرد.  بينما المسار الغربى عبر الصحراء الغربية، يُستخدم من قبل بعض الأنواع القادمة من ليبيا، ويمر بالقرب من الواحات ثم يتجه إلى الدلتا، تشتهر هذه المسارات عالميًا وتراقبها منظمات بيئية دولية، نظرًا لأهميتها البيولوجية والعلمية.

تأثير بيئى واقتصادى
وأكد الدكتور خالد النوبى، وجود تأثير بيئى واقتصادى لظاهرة هجرة الطيور سنويا إلى مصر، أولاً تحقيق الأهمية البيئية والتى تلعب الطيور المهاجرة عدة أدوار مهمة، منها الحفاظ على التوازن البيئى والتقليل من أعداد الحشرات والآفات، ونشر البذور بين القارات، وإظهار حالة البيئة، إذ تمثل الطيور المهاجرة "مؤشرًا بيئيًا"، حيث تسهم فى دعم السياحة البيئية، خصوصا فى جنوب سيناء والفيوم، وزيادة ثراء التنوع الحيوى بما ينعكس على الزراعة، كما تساعد فى رفع أهمية المحميات الطبيعية عالميًا. وتأتى الأهمية العلمية، والتى تُمكّن الباحثين من دراسة أنماط الهجرة وتغير المناخ عبر مراقبة سلوك الطيور. ومن المخاطر التى تهدد الطيور المهاجرة فى مصر، على الرغم من أهمية مصر كمعبر رئيسى، إلا أن الطيور تواجه عددًا من التحديات: ومن أهمها فقدان الموائل الطبيعية، بسبب التوسع العمرانى، وتجفيف بعض مناطق المستنقعات، وتأثيرات الصناعة. والصيد غير القانونى، فبعض الأنواع تتعرض للصيد خلال مرورها، خصوصا السمان والطيور الجارحة.
وتابع قائلا: هناك مشاكل التلوث، مثل تلوث البحيرات بالنفايات والصرف الصحى والزيوت، مما يقلل من جودة البيئة التى تعتمد عليها الطيور. كما تمثل خطوط الكهرباء، خطرًا كبيرًا على الطيور الجارحة الكبيرة، التى قد تصطدم بها أثناء الطيران، ويظل التغير المناخى له تأثير واضح على مسارات الهجرة وتوقيت الرحلات ووفرة الغذاء. كما أدركت الدولة أهمية حماية الطيور المهاجرة، واتخذت عدة إجراءات منها: منها إنشاء وتطوير المحميات الطبيعية، حيث يوجد فى مصر أكثر من 30 محمية، أشهرها محمية رأس محمد  ومحمية طابا، محمية وادى الجمال، ومحمية وادى الريان، وبحيرة قارون، ومحميات بحيرات شمال الدلتا، وهناك برامج مراقبة الهجرة، والتى تعمل من خلالها جهات محلية ودولية على متابعة حركة الطيور عبر مصر باستخدام أجهزة التتبع اللاسلكى، وللحد من الصيد العشوائى، من خلال تشديد العقوبات وإطلاق حملات توعية للمجتمعات المحلية.

وأشار إلى وجود تعاون دولى ضمن اتفاقيات مثل اتفاقية "رامسار" لحماية الأراضى الرطبة واتفاقية "سايتس" لحماية الأنواع المهددة بالانقراض، وذلك إلى جانب دعم السياحة البيئية من قبل الدولة من خلال رحلات محددة لمراقبة الطيور، خاصة فى الفيوم وسيناء. ومن أشهر أماكن مراقبة الطيور فى مصر، والتى يتم من خلالها تُنظَّم عدة رحلات سنوية لمشاهدة الطيور، وأهم الأماكن للزيارة: محمية رأس محمد، والتى تعد واحدة من أهم نقاط عبور الطيور الجارحة، ومحمية وادى الريان والفيوم: غنية بالطيور المائية والمغردة، وبحيرة قارون: مركز مهم لاستقبال الطيور الشتوية، وجبل علبة ووادى الجمال: والتى تحتوى على تنوع ضخم من الطيور المستوطنة والمهاجرة، وأخيراً البحيرات الشمالية: مثل المنزلة والبرلس وإدكو.
وتعد مصر محطة حيوية للطيور المائية، بسبب البحيرات الشمالية وغنى دلتا النيل بالمستنقعات، ومن أشهرها: البط بأنواعه، والأوز، وطيور البلشون «أبو قردان – البلشون الأبيض الفلامنجو، طيور النحام الوردى،والبجع والطيور الصغيرة المغردة وهى الأكثر عددًا بين الطيور المهاجرة، وتشمل: العصافير، والهوازج، والقرقف، والقبرة الصحراوية، والسنونو الأوروبى والخطاف .كما تستقبل مصر أنواع من الطيور الأرضية مثل: الكروان، والسمان (الفرّى)، والدراج، وبعضها يعتبر جزءًا مهمًا من النظام البيئى والزراعى فى مصر. بينما تعد الطيور الجارحة من أشهر الأنواع التى تعبر مصر بأعداد ضخمة، ومنها: الصقر الكبير، عقاب السهول، والعقاب النسارية، والنسر الأسمر، والحدأة السوداء، والباشق الأوروبي. هذه الأنواع تعتمد على التيارات الحرارية للصعود والطيران لمسافات طويلة، وتشاهد بأعداد كبيرة فى السويس وجنوب سيناء.
من جهته يرى الدكتور شريف بهاء الدين، رئيس جمعية حماية الطبيعة، أن سياحة مشاهدة الطيور، تُعد من أهم الأنشطة البيئية التى تسهم فى نشر الوعى، فضلاً عن كونها وسيلة للاستمتاع بأجواء هادئة بعيدة عن صخب الحياة اليومية، وتعزيز التوعية المستدامة بمخاطر الصيد الجائر، مؤكدًا ضرورة الالتزام بالقرار الصادر عن وزارة البيئة لتحديد أنواع الطيور المسموح بصيدها سنويًا، بما يحقق التوازن البيئى ويحافظ على الخدمات التى تقدمها الطيور للإنسان والبيئة.

وأضاف: تستهدف الحملات التى نقوم بها حماية العصفوريات التى تُقتل بالملايين سنويًا على السواحل الشمالية لمصر، مما يشكل تهديدًا حقيقيًا للتنوع البيولوجى، فنحن نقوم برصد رحلات الصيد غير القانونية إلى بحيرة ناصر بمشاركة عدد من الصيادين الأجانب، معظمهم من جنسيات أوروبية مختلفة، بعضهم يواجهون ملاحقات قانونية فى بلدانهم بتهم متعلقة بانتهاكات بيئية، واللافت للنظر أن تلك الرحلات استخدمت بنادق نصف آلية وأجهزة صوت محظورة لجذب الطيور، واستُهدفت خلالها أنواعا نادرة ومهددة. فالصيد ليس ممنوعا على إطلاقه،ولكن الصيد له أنواع وكميات معروفة،

وهو ما يقع تحت بند استدامة الموارد الطبيعة بشكل حكيم.
وأوضح أن الطيور تختلف فى حجم التكاثر، والقدرة على التعافى، مما يتطلب من منظمات المجتمع المدنى وضع قوانين الصيد، وهناك قوانين تطورت بشكل كبير الفترة الماضية فى مصر والعالم بخصوص قواعد الصيد، موضحا أن حماية الطيور مسئولية عالمية، واتفاقيات دولية لحماية أنواع الطيور المهاجرة، وكذلك قانون محلى تصدره وزارة البيئة سنويا، وبشكل عام تواجه الطيور مخاطر عديدة أثناء رحلتها، إذ إن الرحلة لا تجرى دوما بسلام، فمن جهة تمثل البنية التحتية للطاقة بما فى ذلك خطوط النقل الهوائية وتوربينات الرياح مصدرًا مباشرًا للخطر على الحياة البرية، وعلى رأسها الطيور، نتيجة لارتفاع معدلات التصادم مع هذه المنشآت، ومن جهة أخرى تنشأ مخاطر غير مباشرة لا تقل أهمية مثل تجزئة الموائل الطبيعية، مما يؤدى إلى اضطراب السلوك الحيوى للأنواع المقيمة والمهاجرة على حد سواء، لذا وفى ظل هذه المعطيات، أصبحت الحاجة ملحة إلى دمج البُعد البيئى فى تخطيط وتنفيذ مشروعات الطاقة، لضمان تحقيق التوازن بين أهداف التنمية المستدامة والحفاظ على الأنظمة البيئية.

وأشار بهاء الدين إلى اختلاف أوقات وطرق الهجرة بين كل نوع من الطيور أو ضمن سلالات ومجموعات النوع نفسه، والعلماء ليسوا متأكدين أيضاً من الطريقة التى تعرفُ فيها الطيور طريقها ومكانها أثناء الهجرة، حيث إن بعض الطيور التى لا يزيدُ عمرها على العام الواحد تقوم بهجرتها الأولى وحيدة، دُون أن يرشدها أحدٌ إلى الطريق، ومع ذلك فإنها تقومُ بالهجرة كاملةً وتعودُ إلى موطنها فى الربيع بدقة تامة. ويعتقد أن معظم الطيور تستخدم عدة وسائل لمعرفة طريقها واتجاهها أثناء الطيران، فهى تستفيد من موقع الشمس فى السماء، وتهتدى بأماكن النجوم، بل وتستشعر تذبذبات مجال الأرض المغناطيسى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام