مقالات



‫الحصار الأمريكى للإخوان والمعركة المتأخرة ‬

3-12-2025 | 03:08
ثروت الخرباوى

فى ستينيات القرن الماضى، حين كانت الولايات المتحدة تشهد انفتاحا واسعا، وتفد إليها موجات من الطلاب العرب والمسلمين، كانت بذور التنظيم الدولى لجماعة الإخوان، تجد لنفسها مكانا على الأرض الأمريكية. 
لم يكن المشهد واضحا حينها، إذ كان يتمثل فى طلاب شباب، مبتعثين وباحثين، جاءوا للدراسة ثم بدأوا تدريجيا فى بناء دوائر نشاط صغيرة، تتحول مع الوقت إلى نواة شبكات مالية ودعوية وتنظيمية. 
فى تلك الفترة، ولدت اللبنات الأولى لجمعيات مثل الجمعية الإسلامية بأمريكا الشمالية ISNA، التى جمع بين مؤسسيها عناصر من تيارات متعددة، كان للإخوان حضور فيها، ثم رُسخت تدريجيا كمنصة جامعة، وعلى الهامش ذاته، أخذت منظمة المجتمع المسلم الأمريكى MAS تتشكل، باعتبارها الذراع الأكثر قربا من فكر الجماعة، يقودها قيادات إخوانية شابة قدموا إلى أمريكا فى مرحلة المد الإسلامى بعد الستينيات.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد تأسس مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR فى التسعينيات كواجهة حقوقية وإعلامية تدافع عن قضايا المسلمين فى الولايات المتحدة، لكنها ارتبطت منذ بدايتها – عقائديا وتنظيميا – بالخطاب الإخوانى، فمنحت الجماعة نافذة جديدة للعمل داخل المجال العام الأمريكى، متمتعة بغطاء مدنى وقانوني. وفى العمق، كانت مؤسسات مثل "الوقف الإسلامي" وفروعه المختلفة تمثل جسورا مالية تُنقل عبرها التبرعات وتُدار من خلالها شبكات دعم لمشاريع تمتد آثارها خارج حدود الولايات المتحدة.
أما الذى أقام هذه الجمعيات والمؤسسات كانت فأعضاء من تنظيم الإخوان من بلاد مختلفة، جاءوا فى الأصل للدراسة أو للعمل الطبى والهندسى، ثم وجدوا أنفسهم – فى مجتمع مفتوح وغربى بالكامل – أمام فرصة لتأسيس شبكات جديدة، تحمل روح التنظيم الأم الأصل، لكن بثوب أمريكى قانونى منضبط. من بين هؤلاء، برزت ثلاثة أسماء، تُعد حجر الأساس فى تشكيل المشهد الإخوانى المنظم فى أمريكا: هشام الطالب، أحمد القاضى، وحسان حتحوت.
أما عن هشام الطالب فقد كان من أوائل الذين أسسوا نواة العمل الإخوانى المنظم بين الطلاب العرب والمسلمين فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فهو شاب عراقى قادم للدراسة، لكنه امتلك عقلية تنظيمية أهلته ليكون أحد أهم المؤسسين الفعليين لـ«اتحاد الطلبة المسلمين» MSA، الشهيرة بحركة “مسا” وهى المنظمة التى وُلدت على أيدى طلاب ارتبطوا أيديولوجيا بجماعة الإخوان، قبل أن تتحول لاحقا إلى مظلة ضخمة للعمل الإخوانى فى جامعات أمريكا. 
وبمرور الزمن، أصبح هشام الطالب واحدا من «العقول التخطيطية» التى أسهمت فى بناء البنية الفكرية والتنظيمية لجمعية ISNA، وقد كان تأثيره الأساسى، يكمن فى الربط بين الهياكل التنظيمية والمرجعيات الفكرية، وفى بناء لغة خطاب مناسبة للبيئة الأمريكية دون أن تفقد روحها الإخوانية.
أما الدكتور أحمد القاضى، فقد مثل نموذجا آخر: طبيبا  له حضور فى مجالات “الإعجاز العلمى للقرآن” التى أعطت له بعدا اجتماعياً كبيرا، وأحد أبرز الأسماء التى نسجت خيوط الإخوان داخل المجتمع الأمريكى من زاوية أوسع من مجرد النشاط الطلابي. كان القاضى من أبرز المؤسسين لـجمعية "الوقف الإسلامي"، وهى مؤسسة لعبت دورا مؤثرا فى نشر الفكر الإخوانى عبر محاضرات وكتب وشرائط، وكان لها دور فى الحركة الدعوية ذات الخلفية الإخوانية. وقد نظر إليه كثيرون بوصفه ممثلا لطبقة «النخبة الإسلامية» التى تعرف جيدا كيف تتحدث بلغة النظام الأمريكى، وتستفيد من مناخ الحرية الدينية، وتصوغ خطابا يوازن بين المرجعية الدينية ومتطلبات العمل المدني.
أما الدكتور حسان حتحوت، فهو الاسم الأكثر لمعانا على مستوى الحضور الجماهيري. مصرى جاء إلى الولايات المتحدة طبيبا، ثم تحول تدريجيا إلى أحد أهم الوجوه العامة فى جمعية ISNA إسنا. 
تميز حتحوت بخطابه الهادئ والحداثى، وبقدرته على تقديم تاريخ الإخوان فى قالب حقوقى إنسانى متصالح مع المجتمع الأمريكي. 
كان هذا الرجل يملك كاريزما خاصة تجذب الجالية المسلمة، وتؤثر فى الشباب، وتُقنع غير المسلمين بأن الإخوان قوة معتدلة يمكن التعامل معها. وقد لعب دورا كبيرا فى توسيع نفوذ الإخوان داخل المجال العام الأمريكى، وفى توفير غطاء ناعم لحضورهم داخل المؤسسات الدينية والإعلامية. وقد عُرف أيضًا بعلاقاته الواسعة مع مؤسسات سياسية أمريكية، مما جعل وجوده ركيزة مهمة لأى تحرك تنظيمي.
لكن الجامع بين هؤلاء الثلاثة لم يكن مجرد انتماء فكرى أو تاريخى للإخوان، بل إنهم استطاعوا – من مواقع مختلفة – أن يصنعوا شبكة متكاملة: هشام الطالب يضع الأساس التنظيمى، وأحمد القاضى يبنى الواجهة الثقافية والاجتماعية، وحسان حتحوت، يقدم الصوت العام الذى يحظى بشرعية اجتماعية واسعة. وبهذه الأدوار تكاملت جهودهم لتأسيس البيئة التى نشأت منها منظمات إخوانية كثيرة والتى تشكل اليوم البنية الرئيسية التى يتحرك عبرها امتداد الإخوان فى أمريكا.
بهذه اللبنات، أخذت خريطة الوجود الإخوانى فى أمريكا تتسع؛ شبكات تعمل فى الضوء تحت غطاء جمعيات دعوية وحقوقية، لكن لها امتدادات فكرية وتنظيمية أعمق. وهكذا، اكتشفت الجماعة أن الولايات المتحدة ليست مجرد محطة هجرة أو دراسة، إنها منصة نفوذ، وساحة يمكن عبرها بناء شبكة علاقات، وتنمية مصادر تمويل، وصناعة واجهات مؤسساتية تحظى بغطاء قانونى واحترام اجتماعي.
ومع مرور السنوات، نمت هذه الشبكات، وتداخلت مع أنظمة التبرعات تحت لافتات الإغاثة والعمل الإنسانى، وتحوّلت إلى اقتصاد موازٍ يمتد بين القارات. كان ذلك المشهد هو الخلفية التى ستتحرك عليها لاحقا القرارات الأمريكية الجديدة. فعندما أعلنت الإدارة الأمريكية عزمها على إدراج فروع من جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب، لم يكن الأمر مجرد قرار سياسى، بل أقرب إلى فصل جديد يُفتح فى تاريخ طويل من التمدد الناعم، وكأن صفحة كاملة من ذلك التاريخ الخفى تظهر أمام أعين الجميع.
غير أن القرار التنفيذى الأمريكى الأخير لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد بند جديد يُضاف إلى سجل التصنيفات، بل هو – فى جوهره – إعلان عن مرحلة مختلفة تماما فى مقاربة واشنطن لملف الجماعة وشبكاتها الدولية. 
فالبيان لم يبق حبرا على ورق، بل تحول إلى حزمة إجراءات متشابكة، تُدار بإحكام عبر وزارتى الخارجية والخزانة، تبدأ بتجميد الأصول ومنع أى تعامل مصرفى، وتمتد إلى ملاحقة كل جهة، فردا كانت أم مؤسسة، تسعى إلى تقديم دعم مالى أو لوجستى للفروع المدرجة. وبذلك تدخل القنوات التى اعتاد التنظيم الاعتماد عليها – من بنوك ومنظمات غير ربحية وتحويلات صغيرة عبر مسارات مالية جانبية – فى دائرة رقابة صارمة، تُهددها بالعقوبات وتشل حركتها.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن التنظيمات التى تُحاصر ماليا بهذا المستوى تفقد تدريجيا قدرتها على التمويل المنتظم، وينكمش حضورها الإعلامى، وتضعف شبكاتها الخارجية التى كانت تعتمد على تدفق السيولة لتأمين استمراريتها. فالمال هو العمود الفقرى لكل أدوات التنظيم: التجنيد، والدعاية، والتنسيق، ونسج العلاقات فى الخارج. وحين يُسلط الضوء على البنية المالية، لا تكون الرقابة تقنية فحسب، بل تصبح أداة سياسية تكشف مصادر القوة وتُعرى نقاط الضعف، وتفرض قيودا على المسار العملى للحركة.
ومن هنا تأتى خطورة الضربة المالية، فعندما يتعذر على التنظيم الدولى إجراء التحويلات البنكية، وتُفرض رقابة مشددة على الجمعيات الخيرية المنتشرة فى أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا، وتخضع قنوات الحوالات غير الرسمية للفحص والتدقيق، يصبح الكيان أقل قدرة على المناورة، وأكثر هشاشة فى بنيته التنظيمية. وإذا تزامنت هذه الضغوط مع تعاون استخباراتى وتشديد قانونى، فإنها قد تدفع شبكات محلية إلى الانكماش أو حتى التفكك، بما يعيد الجماعة إلى نمط عمل فردى أو لا مركزى أقل فاعلية بكثير.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من مخاطر معاكسة؛ فالتنظيم يمتلك تاريخا طويلا فى التكيف، وقد يسعى إلى التحول نحو مسارات تمويل يصعب تعقبها: مثل العملات المشفرة، والتبرعات الصغيرة المتناثرة، أو شبكات الحوالة التقليدية التى تعمل خارج النظام المصرفي. وهذه كلها مسارات تُعقد عملية الملاحقة وتطيل أمد المواجهة.
وليس مستبعدا أن تنتقل أصداء القرار إلى أوروبا، وإن تحرك بوتيرة أبطأ. فالقارة ليست كتلة واحدة، وتوازناتها السياسية والحقوقية تجعل حركتها أبطأ من واشنطن. لكن الضغط الأمريكى قد يدفع بعض العواصم لمراجعة علاقتها بالشبكات المرتبطة بالتنظيم، أو لتشديد الرقابة على جمعيات بعينها، أو لإعادة تقييم مصادر الأموال العابرة للحدود. وإذا اتسع نطاق هذا التحرك، قد تجد الجماعة نفسها أمام بيئة دولية أقل ترحيبا بكثير، وأضيق هامشا للحركة.
ورغم أن التنظيم نجا تاريخيا من أزمات سياسية وتنظيمية متعددة، إلا أن الضغط المالى الممتد يظل نقطة ضعفه الأشد. فالأيديولوجيا لا تُبقى كيانا بلا مال، والخطاب الدينى القائم على المظلومية لا يمكنه وحده أن يُغذى بنية تنظيمية معقدة تحتاج إلى موارد دورية. وعندما تضيق السيولة، تضيق معها أبواب التجنيد، وتنكمش الحملات الإعلامية، ويتراجع التأثير السياسى مهما ارتفع الصوت الخطابي.
وهكذا يبدو المشهد: ضربة مالية أمريكية واسعة النطاق، تستهدف شبكات الإخوان، مرشحة لامتدادات أوروبية، ومعركة قادمة حول تتبع التحويلات والجمعيات والواجهات الخيرية، بينما يبحث التنظيم عن مخارج أكثر غموضا وأقل شفافية. وليس القرار وحده من سيحسم المعركة، بل قدرة المجتمع الدولى على تجفيف منابع التمويل بصرامة، من دون الخلط بين العمل الإنسانى الخالص، والعمل السياسى والأيديولوجى الذى احترف التنظيم إخفاءه خلف ستار المساعدات عبر عقود.a
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام