ثلاث جبهاتٍ لم تُحسم بعد، تجسّد الممر الإجبارى للشرق الأوسط الجديد أولها والأكثر اشتعالاً حتى الآن، هى الفلسطينية، وثانيها الجبهة الشمالية بشقيها السورى واللبنانى، وثالثها إسرائيل المحاربة على كل الجبهات. ولنبدأ بإسرائيل وذلك لمركزية دورها فى الحرب والسلام، إذ من دون استجابتها للإجماع الدولى، بالموافقة على قيام دولةٍ فلسطينية، فسوف تبقى واقفةً على سلاحها، إلى ما لا نهاية، بما يُجبر الآخرين على مجابهتها، بكل ما لديهم من إمكاناتٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ وتحالفية. إسرائيل التى أنجزت اتفاقيات وصفت بالتاريخية مع مصر والأردن، أمّنت لها حدودا هادئةً وصمدت الاتفاقات بشأنها حتى الآن... وبدل أن تتخذ من هذا الإنجاز حافزا لاستنساخه على مستوى المنطقة كلها، ذهبت إلى تعطيل المسار الذى كاد ينجح مع الفلسطينيين، والذى لو اكتمل لكان بمثابة تقدم مهمٍ وجذرى حلم به مؤسسوها الأوائل، بجعلها دولة شرق أوسطية عادية، وليست جزيرة صغيرة فى بحر واسع من عداء شعبى لا تقوى على احتماله ومواصلة العيش معه. فمنذ توقيع المعاهدة مع مصر، والذى تلته اتفاقات وتفاهمات أوسلو، ثم المعاهدة مع الأردن، ذهبت إسرائيل إلى مسارٍ مختلف، فانقلبت على السلام المنشود مع الفلسطينيين، كان ذلك الانقلاب هو الأفدح والأكثر خسائر على مدى الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى الطويل، من أجل ذلك قامت إسرائيل بإعدام صانع المحاولة السلمية، إسحق رابين جسديا وإعدام شريكه شيمعون بيريز معنويا بتهميشه وإلغاء حضوره فى الحياة السياسية الإسرائيلية، وفوق ذلك قامت بتسميم ياسر عرفات، والانقضاض على كل إيجابيةٍ تضمنتها اتفاقات أوسلو، إلى أن وصلت بالأمور إلى ما نحن فيه الآن. إسرائيل أدارت ولا تزال حربا وصفتها بالوجودية على غزة، وعينها بالأساس على الضفة، وها هى تغرق أرض الدولة الفلسطينية الموعودة بكل ما يؤدى إلى منع ولادتها. وما دامت إسرائيل ماضيةً فى هذا المسار، متسلحة بتفوقٍ عسكرى واقتصادى وتحالفى على الفلسطينيين، وواضعةً منع قيام دولتهم كهدفٍ إستراتيجى، فذلك يؤدى تلقائيا إلى تواصل الحروب بمختلف أشكالها، وهذا يجعل من رؤية الشرق الأوسط الجديد أمراً مستبعدا، إن لم نقل مستحيلا. فما الجديد فيه، حين يظل مستنبتا لاضطراباتٍ وحروبٍ جذرها أو ذريعتها أو دافعها القضية الفلسطينية وغياب الحل الجذرى لها. فى فلسطين يتحدث الناس العاديون والسياسيون، من مرتبة محمود عباس إلى ما دونها عن حالتهم، باستخدام مثلٍ شعبى يقول.. "رضينا بالهم ولم يرض بنا". ذلك بعد أن قدّم الفلسطينيون كل ما طلبه العالم من تنازلات، وأقصاها اعترافهم بحق إسرائيل فى الوجود، ضمن حدودٍ آمنةٍ ومعترفٍ بها، مكتفين بجزء من وطنهم أقل بكثيرٍ مما أُعطى لهم فى مشروع التقسيم القديم، ليقيموا عليه دولتهم منزوعة السلاح، وها هم يعيشون أفدح خذلانٍ عرفه أى شعبٍ فى تاريخه، فبدل إقامة دولتهم حتى بأقل مواصفات السيادة والاستقلال، حصلوا على حرب إبادة فى غزة واستيطان واسع فى الضفة، مع تشريع برلمانى بالضم، وبمنع أية قيادةٍ إسرائيلية عن الموافقة على ولادة دولةٍ فلسطينية. وما دام الأمر على ما هو عليه الآن، وما دام العالم لا يزال عاجزا عن نقل اعترافه بدولة الفلسطينيين من دائرة الورق والقرارات، إلى دائرة قيامها فعلاً على أرضها، فلن يتوقف الفلسطينيون عن المقاومة بكل ما لديهم من إمكانات، واضعين فى الاعتبار أنهم ليسوا فارغى اليد، فى صراعهم طويل الأمد مع محتليهم، فعددهم يتساوى ويزيد على عدد الإسرائيليين وقوتهم الناعمة تتفوق فى حضورها وتأثيرها على قوة إسرائيل الخشنة، وها نحن نرى الدليل المادى على ذلك فى عواصم العالم، تأييدا جارفاً للفلسطينيين وإدانةً واضحةً للعدوان عليهم، وكذلك على موائد صنع القرار فى الدول الوازنة، دون الإقلال من أهمية الالتزام العربى والإسلامى والأوروبى وحتى الأمريكى المعبر عنه بحل الدولتين، وهو التزامٌ تجاوز حدود التضامن، إلى ما هو أعمق وأهم وأكثر فاعلية، إذ تزايد معتنقو فكرة ألا شرق أوسط جديد دون قيام الدولة الفلسطينية، وهذه حقيقة لم تعد مجرد مطالبات بها، بل حاجةٍ دوليةٍ جماعية، لحماية مصالح الشعوب والدول فى واحدة من أهم مناطق العالم. الجبهة الشمالية بشقيها السورى واللبنانى ما ينطبق على الفلسطينيين بالأساس، ينطبق على اللبنانيين والسوريين، مع بعض اختلافاتٍ لا تخل بجوهر القضايا والأهداف، لقد سبق أن فرضت القوة العسكرية الإسرائيلية على لبنان اتفاق إذعانٍ، ولكنه لم يعمّر ولو ليومٍ واحد، وإذا كان لبنان يعانى من أزماتٍ داخليةٍ عديدة، إلا أن إجماعاً شعبياً ورسميا، يؤكد استحالة سكوته على احتلال ولو أشبار من أراضيه. فى لبنان الآن أزمة مركبة، لغموض قدرته على استعادة سيادة الدولة على كامل الأرض والسلاح، وهذا ما تمّ التعهد به رسميا، وما كان سببا فى وقف إطلاق النار، وما أصبح تنفيذ التعهد شرطا لإنهاء الحرب عليه، وتعافى النظام والوطن والدولة. لبنان الآن فى مخاضٍ صعب، ولكن ولادة الحل المنشود ليست مستحيلة، وفى الحديث عن الشرق الأوسط الجديد، فلبنان كفلسطين، هو أحد أضلاع مثلث المرور إليه، ولا تغيب عن البال مؤهلاته المميزة فى جميع المجالات. سوريا هو بلد المفارقات المحيرة، خصائصها كبلدٍ فى التاريخ إيجابية وحتى نوعية، إلا أنها ابتليت بأنظمةٍ قامت جميعا جرّاء انقلاباتٍ عسكرية أدخلت البلاد فى متاهةٍ، كانت ضحيتها الدائمة حياة المجتمع السوري، وفرص تقدمه وتنميته، ومن مفارقاتها التى قلّما حدث مثلها فى التاريخ، أن جنرالا قاد جيشها وانهزم كوفئ بأن صار رئيسا للدولة، وهو أول من أدخل النظام الملكى الوراثى على البلاد، مع احتفاظه بلقب رئيس الجمهورية، وفى عهده تمّ تعديل الدستور فى أقل من ساعة لتمكين ابنه من الترشح للظفر بموقع رئيس الدولة، وهذا وغيره الكثير الشبيه به، حدث فى واحدة من أهم بلدان العرب، وإذا كانت هذه المفارقات تنسب إلى الماضى القريب، فإن مفارقةً مذهلةً حدثت قبل عام، حين سقط نظام الأسدين فى غمضة عين، واستيقظ السوريون على رئيسٍ استبدل اللباس الجهادى بلباسٍ غربي، وانتقل من الكهوف إلى قصر الرئاسة، ومن "إرهابى"، وضع على رأسه ملايين الدولارات لتسليمه لأمريكا حيّا أو ميتا، فإذا به يجتمع مع نظيره الأمريكى فى الرياض، ويدعى للبيت الأبيض كمشروع حليفٍ وشريك، بعد أن أُغلق فى وجه الرئيس الفلسطينى. مشكلة سوريا مع الشرق الأوسط الجديد، ليس مع ساكن القصر الجمهوري، بل فى أعقد تركيبة لبلد، صارت القاعدة فيه هى الاستثناء، والاستثناء هو القاعدة، وهيهات أن يقوم شرق أوسط جديد ومختلف، ما دامت سوريا على هذه الحال. كل ما تقدم على كثرة الحجج الدامغة فيه، يظل غيضا من فيض حول مشروع العصر، بتحويل القديم إلى جديد، وأكرر ما ذهبت إليه فى متن هذه المقالة، إذ من دون تسوية أوضاع أضلاع المثلث، الذى هو الممر الإجبارى إلى الشرق الأوسط الجديد، فالأمل إن لم يكن مستحيلا، فهو ضعيف.