ثقافة



الكاتب الكبير فى دائرة حوار شاملة.. محمد سلماوى: القومية العربية مفتاح إنقاذ الأمة

6-12-2025 | 20:42
أدار الندوة : جمال الكشكى

أعد الندوة للنشر :  أحمد أمين عرفات
شارك فى الندوة :  مهدى مصطفى  -  عزمى عبدالوهاب  -  محمد عيسى  -  مصطفى عبادة  -  سيد محمود -  محمد بيومى  -  المعتصم بالله حمدى  -  ميرفت فهد  -  ريم عزمى  -  إيمان عمر الفاروق  -  هبة عادل  - هانى فاروق  -  أحمد سعد الدين  -  محمد الطماوى  -  زينب هاشم  -  سلوى سيد.. تصوير : أحمد عجمى

أمريكا تتراجع وروسيا تتأقلم والصين تشهد صعودا متسارعا

التعليم الأجنبى حافظ على مصريتى

القوة الناعمة أهم سلاح لمصر فى عالم اليوم

الإعلام الرقمى أسرع من الورقى لكنه لا يمنح المعرفة الكلية

كل رواية أبدأها هى حلم جديد يدفعنى للكتابة

الذكاء الاصطناعى يساعد فقط فى الحرفية لكن الإبداع يحتاج روحا إنسانية

الانضباط الأدبى ليس قاعدة بالنسبة لى كما كان عند نجيب محفوظ

تجربة السجن كانت قاسية لكنها أكسبتنى وضوحا فى أفكارى

الانتماء للواقع العربى كان سبب ترك العمل الأكاديمى فى الجامعة والالتحاق بالأهرام

العلاقة المباشرة بين الكاتب والقارئ مقدسة ولا تتأثر بالمعوقات



ثلاثة مسارات تتحكم فى رحلة الكاتب الكبير محمد سلماوى، فهو الكاتب المبدع الروائى والمسرحى، والصحفى الذى مارس عمله، بدءا من المحرر الخارجى، إلى أن احتل موقع رئيس تحرير، والكاتب المنخرط فى الشأن العام، والعمل النقابي، ومنها رئاسة اتحادى الكتاب العرب والمصريين، وعضويته بلجنة الخمسين، المكلفة بوضع الدستور المصرى، وفى كل موقع كان يترك أثرا واضحا، لكنه حين كان يكمل إنجازه يتقدم باستقالته، هكذا فعل مع رئاسة تحرير الأهرام إبدو، واكتفى بدورتين فى اتحاد الكتاب، بعد أن قاد تحولات عميقة فى بنية الاتحادين،المصرى والعربي، وكفل لهما المزيد من الموارد الاقتصادية والحقوق.

من كل هذا يتبقى دوره الذى لا يقبل الانسحاب وهو دور المبدع، الذى أنجز أعمالا روائية وقصصية مثل: «الخرز الملون» و«أجنحة الفراشة» و«أوديب فى الطائرة»، و«زهرة النار»، و«الرجل الذى عادت إليه ذاكرته» و«باب التوفيق» و«وفاء إدريس وقصص فلسطينية أخرى»، ومسرحيات مثل «الجنزير» و«رقصة سالومى الأخيرة» و«فوت علينا بكرة»، إضافة إلى مذكراته التى صدرت فى كتابين، هما «يوما أو بعض يوم» و«العصف والريحان»، هذا بخلاف ما كتبه عن نجيب محفوظ.

قريبا تصدر الأعمال الكاملة للكاتب الكبير عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، احتفاء ببلوغه الثمانين من العمر،وفى هذه المناسبة نظمت «الأهرام العربى»، حوارا معه تطرق إلى عدة نقاط، منها رؤيته للإعلام المصرى،والتحولات التى يمر بها، وتأثير الصحافة الرقمية على الورقية وحدود استخدام الذكاء الاصطناعى فى الكتابة،وأهمية التحليل والرأى فى الصحافة الحديثة.


سلماوى فى حوار مع رئيس تحرير الأهرام العربي جمال الكشكى

بدأت دائرة الحوار بكلمة ترحيب من الكاتب الصحفى، جمال الكشكى، رئيس التحرير، قال فيها: فى طريقى إلى هنا، وجدت نفسى أتجول عبر مراحل حياة الكاتب الكبير محمد سلماوى، وكيف أنه رجل يجمع بين كل المواهب المهمة، وذات القيمة الثقافية والإبداعية والصحفية، فهو المثقف الكبير ذو التأثير العميق فى الحياة الثقافية، والكاتب المسرحى والسياسى والمحرر ورئيس التحرير الذى عاش كل مراحل التحول فى خرائط العالم، والباحث عن التحولات الكبرى فى مصر والوطن العربى.

لم يكن سلماوى غائبا لحظة عن السياسة حين كتب فى الثقافة، ولم يكن منفصلا عن الصحافة، حين أسهم بكتاباته مبدعا، بل كان حاضرا بشكل متوازن، كنجم يتصدر المشهد الإبداعى، والثقافى والصحفى والسياسى بجدارة طبيعية، تعكس قيمته كمثال يحتذى لأى شخص، يسعى لأن يكون قيمة وقامة فى مجاله.

عبر سلماوى عن اعتزازه بمجلة "الأهرام العربى"، لما تقوم به من دور متخصص يفخر به الجميع، من هنا بدأ الحوار بين الكاتب الكبير وبين أسرة المجلة:

- كانت كلمتك فى معرض الشارقة الدولى للكتاب الذى اختارك لتكون شخصية هذا العام دالة وقوية.. فكيف تراها؟  
حاولت فى هذه الكلمة أن أؤكد الدور الحقيقى للمثقف فى المجتمع، خصوصا أن الكلمة جاءت فى مناسبة ثقافية، وفى معرض كتاب دولى، ولأننى كنت مطالبا بإلقاء كلمة أمام الحضور، كان من الطبيعى أن تتركز على دور المثقف، فالمثقف فى تقديرى، لا يمكن أن ينفصل إطلاقا عن الوضع السياسى، والقضايا الكبرى التى تمر بها الأوطان، فالمثقف الحقيقى يجد نفسه بالضرورة متماسا مع تلك القضايا، وفى مقدمتها بالنسبة لنا فى العالم العربى قضية فلسطين، وعلى الرغم مما تحمله هذه القضية من أبعاد سياسية، فإن كلمتى كانت فى الأساس كلمة ثقافية، تلخص رؤيتى للثقافة، ووظيفتها فى هذه المرحلة المضطربة التى نعيشها فى الوطن العربى.

- بذكر فلسطين، نحن نعيش فى عالم قد ينزلق بنا فى أية لحظة إلى تدمير شامل متبادل بين القوى العظمى،فكيف ترى هذا الوضع إزاء هذه التحولات الكبرى؟ وما الذى سيشهده العالم الحديث؟ 
العالم كله يمر بمرحلة انتقالية كبرى كالتى شاهدناها فى مراحل أخرى من تاريخ العالم، مثل تلك التى أعقبت الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من إعادة توزيع مراكز النفوذ، وما نتج عن ذلك من حالة استقرار عالمى ظل ساريا، حتى سنوات قليلة مضت، ثم بدأ يتبدل تدريجيا، وهذه التحولات لا تحدث بين يوم وليلة، بل على فترات وتأخذ وقتها.
 


محررو الأهرام العربي فى ساحة حوار مع الكاتب الكبير

- هل يمكن القول إن بنية النظام العالمى القديم بدأت تضعف؟ 
بالفعل، هناك تحول كبير للقوى الكبرى التى سيطرت على العالم طوال العقود الثمانية الأخيرة، وقد بدأ هذا التراجع منذ سنوات مضت، وأرى أن بدايته الحقيقية، كانت هزيمة أمريكا فى فيتنام، وكيف كانت هذه القوة العظمى التى عبرت عن قوتها بشكل لم يسبق له مثيل، من خلال القنبلة النووية، التى ألقت بها على اليابان بعد استسلامها، برغم أنه لم تكن هناك ضرورة عسكرية لها، ولكنها كانت ضرورية، لتؤكد بها الولايات المتحدة أنها القوة  الكبرى التى تملك ما لا يملكه أحد من سلاح، هذه القوة فشلت أمام شعب يكاد يكون أعزل فى فيتنام، من هنا سقطت ورقة التوت فبدأت سلسلة التراجعات، وكما يحدث مع الإمبراطوريات الكبرى فى مرحلة انحدارها، تصاحب هذه المرحلة، ممارسات لا تليق بقوة عظمى، خصوصا دولة مثل أمريكا التى بنت اسمها وصورتها على الدفاع عن الحرية، ومناصرتها للحق، لكننا نشهد اليوم تراجعا فى تلك المبادئ، ووصل الأمر إلى مرحلة أصبح فيها المسئول عن هذه القوة، يتسم بأوصاف يعرفها الجميع، وتمتلئ بها الصحف الأمريكية، ولا أعتقد أن أى إنسان، يمكنه أن يفتخر بوصفه بها، ومن هنا أصبحت لدينا ثلاثة نماذج عالمية مختلفة، تشكل المشهد الدولى.

- ما هذه النماذج؟ 
النموذج الأول يتمثل فى الولايات المتحدة الأمريكية كقوة كبرى، تتراجع صورتها ونفوذها بشكل تدريجى، والثانى يتمثل فى الاتحاد السوفيت سابقا، الذى سقط وتفكك، لكن برزت بعده روسيا، تحتل مكانتها على الساحة الدولية بجهود شخص واحد وهو فلاديمير بوتين، الذى أعاد تجميع القوى الكامنة فى هذه الدولة، لتصبح قوة عظمى بمفهوم مختلف، واستطاع أن يصنع منها تماسكا قويا بفضل قدرة روسيا على التأقلم، وأن تصبح قوة مختلفة عما كانت عليه فى السابق، ثم يأتى النموذج الثالث الذى يكمل الصورة وهو الصين، وهو نموذج مختلف تماما اعتمد على الانغلاق الكامل والتركيز على البناء الداخلى، فوضع الخطة التى تمكنه من التقدم وتحقيق الأهداف على الساحة الدولية، بمعزل عما يجرى فى العالم، ودون أن ينشغل بما يقال عنه، أو حتى يرد عليه،ثم انفتح فجأة فى مرحلة لاحقة، فإذا بنا أمام معجزة غير مسبوقة وصعودا متسارعا، حتى إن البعض يرى فى ظل تراجع القوى الأولى وتأقلم الثانية، بأن السيطرة ستكون للصين فى المستقبل القريب، ليس فقط استنادا إلى ما ورد فى القرآن الكريم من خلال قصة يأجوج ومأجوج، إنما بالتحليل السياسى.
ولا يمكننى أن أذكر تجربة الصين دون أن يراودنى التفكير فيما يحدث فى مصر، فأكاد أشعر أننا نتبع المنهج نفسه، فلدينا قيادة سياسية لديها برنامج تنمية ضخم، وحددت لنفسها طريق التقدم لمصر، وهى ماضية فيه دون الالتفات لما يقال، وهكذا نفاجأ كل فترة بمشروع ضخم غير مسبوق يتم افتتاحه، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، أو مشروع الضبعة النووى، أو أكبر مزرعة سمكية فى الشرق الأوسط، أو أكبر محطة للطاقة الشمسية فى العالم.. وغيرها، وعما قريب سنفاجأ، ويفاجأ معنا العالم بوضع جديد كما حدث مع الصين، فإذا بمصر دولة أخرى.

- هل ترى أن العالم العربى قادر على النهوض من كبوته الحالية؟  
العالم العربى يحتكم على قدرات وإمكانيات بلا حدود، لكنها مبعثرة وغير مستثمرة، وأنا ممن يؤمنون بأن المباديء الكبرى التى تربيت عليها من القومية العربية والوحدة وتحرر الإرادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وغيرها مازالت ممكنة، وأنها الحل الحقيقى للأوضاع التى يعيشها العالم العربى اليوم، إن العالم العربى فى انتظار قيادة أو زعامة شعبية توحده من جديد، وتعيد إطلاق فكرة القومية العربية والوحدة العربية، حتى كبار المفكرين العالميين يشاركون هذا الرأى فمثلا، جيفرى ساكس، أحد أبرز الاقتصاديين والمفكرين فى العالم وأكثرهم تأثيرا، صرح فى لقاء له عن العالم العربى قائلا: "كان جمال عبد الناصر على حق، حين طالب بالوحدة العربية، لأن هذا العالم العربى لن يصلح حاله إلا بالوحدة العربية".
هذا التأكيد من شخصية عالمية، دليل على أن القوى المتنافرة والمتناثرة فى المنطقة، يمكن أن تنتظم مجددا فى منظومة تعيد القوة للأمة العربية بالطبع، أنا أتحدث هنا برؤية مستقبلية، وليس من منطلق اللحظة الحالية التى ينبغى القفز عليها والنظر لما ينبغى أن يكون، فنحن حاليا نمر بمرحلة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفى هذه المرحلة يكون لمصر دورمحورى، وبالمقارنة بما يحدث فى ليبيا والسودان وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن، أن مصر تشكل واحة أمان، كل سياساتها متجهة للحفاظ على هذا الرصيد العربى القوى، وبدونه لن نتمكن من الانتقال إلى المرحلة المقبلة التى تتلافى فيها التجزئة والاقتتال والانقسام، لنصل إلى الحلم العربى الذى لم يمت ولن يموت، حلم الوحدة أو التكامل العربى. 
وفى ذلك فإن قاعدة تلك الوحدة ستكون الهوية الثقافية الجامعة للعرب جميعا، وأتذكر أننى سألت الكاتب نجيب محفوظ عن الوحدة العربية، فقال: "عن أى وحدة تتحدث؟ إذا كنت تتحدث عن الوحدة السياسية فدونها الأهوال، أما الوحدة الاقتصادية فهى ممكنة، لكنها تحتاج إلى جهد كبير وإعدادات وترتيبات تستغرق سنوات، أما الوحدة الثقافية فهى قائمة بالفعل، برغم كل ما تراه من تجزئة أو خلافات سياسية". 
وهذا يوضح أن وحدة الأمة العربية موجودة فى العمق الوجدانى للشعوب العربية، وهو الأساس الذى يمكن البناء عليه لتحقيق التكامل العربى، لكن شكل هذا التكامل قد يختلف، فربما يكون دولة واحدة مثل تجربة توحيد إيطاليا وألمانيا، أو شكلا تكامليا مثل الاتحاد الأوروبى، أو أى شكل آخر، المهم هو فكرة التوحد والتكامل، وليس التنافر والانقسام القائم اليوم. 

نشأة مختلفة
- إذا عدنا لبداياتك ونشأتك فى عائلة أرستقراطية، هل اختلفت كثيرا عمن عاشوا نفس النشأة مثل محمد سيد أحمد وإنجى أفلاطون وإسماعيل صبرى عبد الله وغيرهم؟ 
المقارنة غير واردة بينى وبين من نشأوا نفس نشأتى، مثل محمد سيد أحمد الذى كنت أكن له معزة وتقديرا وحبا شديدا، وكان صديقا قريبا إلى قلبى، وكنت أرى فيه نموذجا للإنسان الصادق الطاهر، وكذلك إنجى أفلاطون وكل من اتجهوا إلى اليسار الماركسى من أبناء العائلات الكبرى، فهذا الوضع لا ينطبق على، لأن اتجاههم للماركسية، كان رد فعل عكسيا للنشأة التى نشأوا فيها،  فمحمد سيد أحمد ابن عباس باشا سيد أحمد، الذى كان متزوجا من شقيقة إسماعيل باشا صدقى، رئيس وزراء مصر، وقد سافر أبناء تلك العائلات للخارج للدراسة، وتعرفوا إلى الثقافات الأجنبية وارتبطوا بالماركسية عن طريق الغرب، ففى ذلك الوقت وتحديدا من أوائل القرن العشرين حتى أواسطه، كانت الماركسية رائجة جدا فى الغرب، لذلك تبنوا بثقافتهم الفرنسية هذا الاتجاه كرد فعل لعائلاتهم، وكنوع من ثورة الأبناء على الآباء والتمرد عليهم.
لكن بالنسبة لى لم يكن هناك أى تمرد، لأن انتمائى كان للفكر والمناخ الذى كان سائدا حولى فى سنوات تكوينى، وقد تشبعت به مثلى مثل جيل كامل فى الوطن العربى، نشأ مؤمنا بالقومية العربية وتحرير فلسطين والتحرر من الاستعمار، وعايش دور مصر الرائد فى العالم الثالث وغيرها، لذلك أعتبر نفسى نتاجا طبيعيا لمناخ معين، كان سائدا فى سنوات تكوينى، ولم يأت كرد فعل مستورد من الخارج، بل هى حزمة الأفكار التى آمنت به وما زلت أؤمن بها،  بل أرى أنها الحل الوحيد لما يعانى منه الوطن العربى فى الوقت الحالى، بل إن جزءا مما يعانى منه الوطن العربى الآن هو أننا بعدنا عن هذه السياسات لسبب أو لآخر. 

- هل إيمانك بهذه الحزمة كان سبب خلافك مع الرئيس السادات؟ 
السادات كان بداية الانحراف عن هذه السياسات، التى أدى تركنا لها إلى ما وصل إليه الوطن العربى الآن من تمزق واقتتال وانقسام، لذلك كنت معارضا للسادات فى ابتعاده عن الدور القومى لمصر فى الوطن العربى، والقيادى فى العالم الثالث، كما عارضت إحياءه ودعمه لحركات التطرف الدينى، التى أودت فى النهاية بحياته والتى مازلنا نعانى منها حتى الآن، لكن هذا لا يمنعنى من أن أقارن مصر بالدول التى حولها، وأجد أن سيناء عادت إلى حضن الوطن، وإن كنا عارضنا ذلك وقتها، فقد كانت سيادة منقوصة ومشروطة، لكنى حاليا أرى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى نجح فى إلغاء هذه الشروط، وأعاد السيادة على سيناء، فقواتنا المسلحة موجودة على الحدود الدولية، وبالتالى فالثمن الذى دفعناه وكنا معترضين عليه وقتها تم تجاوزه، وبقى أن سيناء عادت إلى حضن الوطن، ولا بد وأنا أعلن معارضتى للسادات فى سياساته الداخلية والخارجية، أن أذكر هذا .

أطول دقيقة
قبل عملك فى الأهرام كنت معيدا بكلية الآداب، ثم استدعاك الأستاذ هيكل للعمل فى الأهرام،  فكم من الوقت استغرقته للتفكير فى التحول من معيد إلى صحفى؟ 
قبل أن أتخذ هذا القرار، كان لدى هاجس يشغلنى فى حياتى، وهو الانتماء، ربما يعود السبب فى ذلك إلى نشأتى فى مدرسة إنجليزية، لم ندرس فيها اللغة العربية، لكن والدى كان يحضر لنا أحد المشايخ ليعلمنا القرآن، ومن خلال تعلمه تفتحت أمامى آفاق اللغة العربية بأبلغ صورها، ولولا ذلك، لما أصبحت كاتبا، فالعديد من زملائى فى فيكتوريا كولدج، حتى القليل الذى اتجه منهم للأدب، كتبوه بالإنجليزية، مثل وجيه غالى.
أما أنا فقد كان لدى شعور، بأننى أعيش فى فقاعة منفصلة عن المجتمع، بينما كنت أعايش من حولى معركة بناء السد العالى، وحرب السويس والوحدة مع سوريا، كل ذلك بينما أدرس الأدب الإنجليزى، فى بلد بلغت فيه نسبة الأمية وقتها نحو ٪60، فلما عرض علىّ الأستاذ هيكل العمل فى الأهرام، شعرت بأننى وجدت ما كنت أبحث عنه، لكن فى الوقت نفسه شعرت بالخوف، لأنه كان عملا جديدا تماما بالنسبة لى، لذلك طلبت من الأستاذ هيكل أن يمنحنى شهرا كاملا أعمل به فى الأهرام للتجربة ولاختبار نفسى، ومعرفة إن كنت سأستطيع أن أجد نفسى فى هذا العمل أم لا،  فنظر لى وقال بابتسامة: "يا سلام، أنت عايز تختبر الأهرام؟! أنا على بابى صفوف من أولاد السفراء والوزراء يتمنون العمل هنا، وأنت تريد اختبارنا لمدة شهر؟" فشرحت له أن الاختبار سيكون مشتركا، فقد أكون أنا غير مناسب للصحافة أو للأهرام.
بالفعل عملت لمدة شهر، وخلاله اكتشفت، أن الأهرام لم تكن فقط مرتبطة بالواقع الذى أبحث عنه، بل كانت واحدة من أدوات صنع هذا الواقع، وبعد مرور شهر ذهبت للأستاذ هيكل وأنا متحمس وقلت له: "قررت الاستمرار فى الأهرام" فرد على قائلا بابتسامة خبيثة: "يعنى نجحنا فى الامتحان يا أستاذ؟" وقبل أن أرد قال: "عندى خبر سيئ لك وهو أنك لم تنجح، ألم تقل إنه اختبار مشترك؟".
كان كلامه كصاعقة سقطت فجأة على، وقلت له : "لكننى قدمت صباح اليوم استقالتى من الجامعة!"، فلم يعلق، وظللت فى حالة من القلق، حتى طلب من سكرتيرته استدعاء الدكتور عبد الملك عودة، مساعد رئيس التحرير آنذاك،  كنت فى حالة انعدام وزن، لكن بعد لحظات، جاء الدكتور عبد الملك عودة، فقال له هيكل: "حضر العقد بتاع محمد سلماوى" ويمكننى القول إن الدقيقة بين لحظة إعلان "لم تنجح" ولحظة "حضر العقد" كانت أطول دقيقة فى حياتى وأثقلها علىّ. 
 كيف حافظت على لغتك العربية برغم تعليمك فى مدرسة أجنبية؟  
أعتقد أن السبب يعود إلى تعليمى الأجنبى، فقد التحقت بمدرسة إنجليزية، لكن ما كان حولى هو انغماس كامل فى الأفكار القومية والوطنية، مما جعلنى واعيا باستمرار للتناقض بين ما أتعلمه فى المدرسة وبين الانتماءات التى أحملها، ولحسن الحظ، كان تأثير المناخ الخارجى القومى أقوى، حتى طغى على تأثير المدرسة نفسها، التعليم الأجنبى فتح أمامى آفاقا جديدة بلا شك، وعلمنى كيف ينظر الأجانب إلى ما لدينا من حضارة وثقافة، ما جعلنى أتمسك بجذورى وأصولى، مسلحا باللغات والثقافات الأجنبية،  وهذا مهد لى الطريق بعد ذلك، للمشاركة مع زملائى فى تأسيس "الأهرام ويكلى" ثم "الأهرام إبدو" الذى عملت كرئيس تحرير له لمدة 16 عاما، فقد تمكنا معا من أن نعثر على الخطاب المناسب للتواصل مع العالم.
وقد تأكدت من أننا نجحنا فى ذلك، حين ذهبت لزيارة وزير الخارجية الفرنسى حينها، هوبير فيدرين، فى مكتبه بالكيه دورسيه بباريس فوجدت الأهرام إبدو على مكتبه، وقال لى إنه يقرأها أسبوعيا، لأنها أفضل نافذة للاطلاع على الشرق الأوسط، وعلى أن أضيف أن هذا النجاح كان ممكنا، بفضل حرية التحرير التى أتاحها لى رئيس مجلس الإدارة إبراهيم نافع، الذى وافق على أن تكون الصحيفة مختلفة تماما عن الأهرام اليومى، وأن تعطى الحرية الكاملة فى تناول كل الموضوعات، بما فى ذلك الآراء المعارضة مثل الإخوان والشيوعيين جنبا إلى جنب مع آراء الحكومة، حتى يعرف القارئ الأجنبى الصورة الكاملة وليس وجهة نظر الحكومة فقط، لم يتدخل إبراهيم نافع يوما فى سياسة التحرير، وهذا منحنى القدرة على الجمع بين الانتماء الوطنى، والفهم الثقافى العميق للغرب، وتقديم وجهة النظرالعربية بشكل مستقل يكتسب المصداقية عبر المقالات والتحليلات المختلفة.


صورة تذكارية مع أسرة تحرير الأهرام العربي

 
الثور والساقية
- يوجد فى مسيرتك شىء لم نعتده هو التخلى عن منصبك بعد فترة كما حدث عندما تركت منصبك كرئيس لتحرير الأهرام إبدو الذى أسسته، ومثل تخليك عن موقع رئيس اتحاد كتاب مصر، فما السر وراء ذلك؟ 
أنا أؤمن بأن الحياة مراحل، منها مرحلة للبناء تتطلب الكفاح والعمل والإنجاز، ومرحلة لا بد للإنسان معها أن يتوقف، مثل الثور الذى يدور فى الساقية بلا توقف إلى أن يسقط ميتا.
أنا شخصيا شغلت العمل التنفيذى والعمل الصحفى والعمل النقابى والعمل الإبداعى، ولو خصصت جهدى فى واحد منها فقط لربما أنجزت أكثر، لكن طبيعتى تميل إلى التنوع، ومع ذلك أدرك أن لكل مرحلة نهاية.
لذلك ما إن بلغت سن الخامسة والستين، ولأنى أؤمن بتطبيق القانون الذى يقول، إنه لا يحق للصحفى أن يتولى منصبا تنفيذيا بعد وصوله لهذه السن، أرسلت خطابا إلى رئيس مجلس إدارة الأهرام، أبلغته فيه بأننى سأترك منصبى لكى يبحث فى من سيخلفنى، لكنه استغرب ذلك التصرف، وفوجئت فى نفس الوقت بجريدة الدستور وقتها تنشر فى صفحتها الأولى"محمد سلماوى يعطى رسالة لمن شاخوا على مقاعدهم"، وأنا لم أقصد من استقالتى ذلك، الشىء نفسه بالنسبة لترك منصبى كرئيس لاتحاد الكتاب، فقد سعيت أن أحقق كل ما أحلم به فى عشر سنوات، حيث استطعت أن أجلب الموارد للاتحاد، وأن أرتفع باسمه وحققت له مكانة كبيرة، وأشياء أخرى كثيرة يعلمها الجميع، وما تركت منصبى إلا تطبيقا لفكرة المراحل، ولا تعنى الاستقالة بالنسبة لى أن أجلس فى بيتى خاملا، ولكن من أجل الخوض فى مرحلة أخرى أخطط لها، ربما تكون أهم من المراحل التى سبقتها، وفى رأيى أن هيكل على سبيل المثال كان أكبر وأوسع تأثيرا بعد أن ترك الأهرام. 

- قدمت العديد من الأعمال المسرحية التى حققت نجاحا كبيرا، فما رؤيتك لمستقبل المسرح المصرى والعربى؟ 
المسرح لا يمكن أن يقوم أو يزدهر من دون "راع"، فالمسرح الجاد الذى عرفناه فى الستينيات، لم يكن ليظهر لولا وجود الدولة كراعية أساسية، فقد كانت هناك عشرات الفرق المسرحية التى تعمل وتقدم عروضا مختلفة وكانت الدولة تنفق عليها، مما أتاح ظهور جيل كامل من الكتاب مثل يوسف إدريس وسعد الدين وهبة، ورشاد رشدى وميخائيل رومان، ونعمان عاشور، وتوفيق دياب وغيرهم، بالإضافة إلى ذلك كان التراث المسرحى القديم حاضرا، وكانت حركة الترجمة نشطة، وكان هناك اتصال مباشر بالحركة المسرحية العالمية، فكنا نسمع مثلا عن مسرح العبث ومسرحية "لعبة النهاية"، لصموئيل بيكيت لنجدها فى الموسم التالى تقدم على مسرح الجيب فى القاهرة بإخراج سعد أردش، هذه الأعمال لم تكن تحقق أرباحا بالطبع، لكن وجود الدولة كراع كان قائما على فكرة أن الثقافة خدمة وليست سلعة، وأن من واجب الدولة أن توفرها للمجتمع.
من هنا فقد حرصت فى لجنة الدستور على إدخال "باب الثقافة"، إلى الدستور، لأول مرة فى تاريخ الدساتير المصرية، فقد راجعت كل الدساتير بداية من الإرهاصات الدستورية فى عهد الخديو إسماعيل وحتى دستور 1923 وما تلاه حتى 1971، ولم أجد أى نص يتناول الثقافة، لذلك كتبت بيدى باب "المقومات الثقافية"، فى دستورنا الجديد، وكانت مادته الرئيسية تنص على، أن الثقافة حق للمواطن، وعلى الدولة أن تكفل هذا الحق، وأن تضمن وصول المنتج الثقافى إلى كل المواطنين بلا تمييز سواء بسبب القدرة المادية أم البعد الجغرافى، وهذا يعنى ببساطة أنه لا يجوز أن يحرم شاب من شراء كتاب لأن سعره مرتفع، فهنا تكون الدولة قد قصرت فى تطبيق الدستور، ومن هنا يأتى ضرورة دعم المنتج الثقافى بما فى ذلك المسرح .
 
أنا و«شات جى بى تى»
- ما مدى تأثير الذكاء الاصطناعى على العملية الإبداعية؟ 
الذكاء الاصطناعى فى رأيى أداة مفيدة للغاية، وأعترف بأننى ألجأ إليه أحيانا أثناء عملى على بعض الروايات، على سبيل المثال، أثناء كتابة رواية تتناول علاقة بين رجل وامرأة تجمعهما محبة كبيرة، وهما على وشك الزواج، كنت أبحث عن سبب منطقى لخلاف مفاجئ يحدث بينهما، ليكون محور تطور الأحداث، فأردت استشارة "شاتجى بى تي" وطرحت عليه السؤال، فاقترح عدة احتمالات قد تسبب هذا الخلاف، واحدة من تلك الأفكار أعجبتنى بالفعل واستخدمتها، وهذا هو فى رأيى الحد الأقصى لاستخدام الذكاء الاصطناعى.
الرواية فى جوهرها رؤية فلسفية للحياة، والكاتب يستخدم الأحداث والشخصيات ليجسد هذه الرؤية، لكن لايمكنك أن تطلب من الذكاء الاصطناعى، أن يكتب رواية تحمل قضية إنسانية عميقة، سيكتب رواية بالفعل، نعم، لكن بلا روح وقد حدث شىء مشابه فى الموسيقى، عندما وضعوا قواعد التأليف السيمفونى كلها داخل الكمبيوتر، وطلبوا منه تأليف سيمفونية، فأنتج سيمفونية مكتوبة بشكل صحيح لدرجة إمكانية تدريسها كمثال لطلاب التأليف الموسيقى، لكن عندما حاولوا عزفها لم يجدوا فيها أى حياة، فالروح التى تشعر بها عند سماع موسيقى بيتهوفن، وهو الذى كتب أعظم أعماله وهو أصم، ويحمل مشاعره كلها داخل نغماته لا يمكن للآلة أن تنتجها، والرؤية الفلسفية التى تقوم عليها رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ لا يمكن أن تأتى من «تشاتجى بى تى».

- لماذا لجأت إلى كتابة سيرتك الذاتية فى كتابى "يوما أو بعض يوم" و"العصف والريحان"، خصوصا أن هناك الكثير من المبدعين يرفضون كتابة مذكراتهم أو سيرهم الذاتية؟  
كنت مؤمنا بأنه مهما كانت حياة الأديب غنية، فإن الأغنى فيها هو إنتاجه الأدبى، والواجب الأساسى للأديب، هو التركيز على هذا الإنتاج، لكن المسألة تغيرت عندما احتفى الأهرام بمرور 130 عاما، على إنشائه، فقد طلبوا منى كتابة صفحة عن الدور السادس ومن كانوا يرتادونه، باعتبارى كنت قريبا منهم جميعا، وأشارك فى مجالسهم.
كتبت هذه الصفحة، وحققت صدى كبيرا، ما جذب انتباه دار الكرمة، الذى طلب منى رئيسها وهو ابنى كتابة مذكراتى، فقلت له إننى لا أجد جدوى من الكتابة عن ميلادى و تعليمى وزواجى، أى الوقائع الشخصية، لكنه رد على قائلا: "عندما كتبت ذكرياتك عن الدور السادس، لم تركز فقط على تفاصيل حياتك الشخصية، لكنك قدمت جزءا من تاريخ مصر، فإذا كتبت حياتك بهذا المنظور، ستكون إضافة مهمة جدا". 
هذا الكلام جعلنى أعيد النظر فى الأمر، خصوصا أن حياتى كصحفى منخرط فى الحياة العامة، وككاتب ومشتبك مع الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، كانت حياتى مرتبطة ارتباطًا وثيقا بالأحداث الكبرى التى مرت على البلاد، خلال ما يقرب من قرن تقريبا، بعض هذه الأحداث أثرت علىّ تأثيرا سلبيا، مثل اعتقالى، وأخرى كان لها تأثير إيجابى، مثل المشاركة فى كتابة الدستور، وإنشاء جريدة باللغة الأجنبية للتواصل مع العالم، وخدمة أقرانى من خلال رئاستى لاتحاد الكتاب العرب، وتوحيد الاتحادات المختلفة، وإطلاق مرصد للحريات الذى أنقذ العديد من الحقوق.  
باختصار، كانت حياتى تفاعلا دائما مع الأحداث، فقد تأثرت بها كما أثرت فى بعضها، لذلك لم تكن كتابة مذكراتى مجرد سرد شخصى، بل منظور يقدم تاريخ الوطن من خلال تجربتى الشخصية، ومشاركتى الفعلية فيه، ومن هذا المنظور، شعرت بأن الكتابة عن حياتى تستحق المحاولة.

- تم فصلك أكثر من مرة من الأهرام، وعايشت تجربة السجن، كيف أثرت هذه التجارب على مسيرتك ككاتب؟  
تجربة الفصل والسجن كانت صعبة جدا، وكان لها تأثير سلبى كبير فى حينها، خصوصا حين وجدت نفسى فى زنزانة ضيقة بسجن القلعة، بلا نوافذ، أرى أمامى الظلام فقط، وأطرح على نفسى أسئلة حائرة: "لماذا أنا هنا؟ لم أخالف القانون، ولم أرتكب أى جريمة، فلماذا أنا محتجز؟". شعور عدم اليقين بالوقت والظروف كان صعبا جدا، حتى إننى حين سألت عن المدة التى أمضيتها فى تلك الزنزانة، قيل لى إنها 24 ساعة، ولو قيل لى 24 يوما لكنت صدقت، مما يكشف قسوة التجربة فى وقتها، لكن مع مرور الوقت وانتقاله إلى سجن الاستئناف الأكثر رحابة، اكتشفت أن هذه التجربة كانت إيجابية، إذ ساعدتنى على تحديد موقفى الفكرى والسياسى كمعارض، لما كان يجرى من سياسات، وربطتنى أيضا بأشخاص آخرين فى نفس التجربة.
أتذكر أيضا فترة احتجازى فى قسم المعادى، حيث دخلت غرفة الحجز مع مجرمين من قتلة ولصوص، هذه التجارب علمتنى الكثير عن الإنسانية والمبادئ والقيم، وكيف يمكن للإنسان أن يظهر رحمة وشهامة حتى فى أصعب الظروف، كما أثرت هذه التجربة فى أعمالى الفنية، فقد كتبت مسرحية "القاتل خارج السجن"، مستفيدا مما عايشته فى الزنزانة، لتصوير الواقع الإنسانى والاجتماعى المكثف فى ظروف السجن، وهو ما أثرى مسيرتى ككاتب، وأتاح لى فهما أعمق للمجتمع والإنسانية.

- كيف ترى الإعلام فى مصر؟  
الإعلام فى مصر يمر بمرحلة دقيقة جدا، لأنه فى حاجة إلى التأقلم مع المتغيرات، لم يعد الانفراد بالخبر مقياس التقدم والفاعلية الصحفية، وهذا لا ينفى وجود إمكانية الانفراد بخبر هنا أو هناك، كذلك لم تعد مسألة الإثارة الصحفية مهمة، والتى جعلت مصطفى أمين، يقول لو أن كلبا عض رجلا فهذا ليس بخبر، وإنما الخبر أن يعض الرجل الكلب، ففى يومنا هذا لم يعد هذا بخبر ولم تعد له قيمة ولا يفيد القارئ فى شىء، إلا إذا أثبتنا له من خلال التحليل أن هذا الخبر مهم، بعد اكتشاف وجود ميكروب مثلا تسرب من معمل فى الصين، يجعل الناس تعض الكلاب، فهذا فقط هو الذى يعطى أهمية للخبر وبدون ذلك لا يعنى أى شيء فى ذاته.

- هل يعنى ذلك أن التحليل هو الذى يحدد قيمة الصحافة؟ 
بالفعل، فالصحافة اليوم تنتقل من الخبر إلى المقال، سواء المقال التحليلى أم النقدى أم السردى، مثل الذى تكتبه سناء البيسى، وكان هيكل أول من بدأه فى الصحافة المصرية بعد أن ترك الأهرام، فهذا الشىء لا يستطيع الإعلام الرقمى أن يقدمه، فالإنترنت وإن كان يسبق الصحافة الورقية فى الخبر، بدليل أنه ثبت إحصائيا أن ٪80، على الأقل ممن يقرأون الجرائد يعرفون مسبقا الأخبار التى وردت بها، لكنهم يقرأون الجريدة من أجل المقالات السردية والتحليل، ومن أجل مقالات الرأى المختلفة، إن الإنترنت أسرع من الصحافة فى الوصول إلى المعلومة، وإذا أردت معرفة متى انتهت الحرب العالمية الثانية، وتحديدا فى أى يوم، يمكنك بضغطة زر أن تحصل عليها، دون بذل أى جهد فى البحث والتنقيب عنها فى المكتبات وغيرها، لكن هناك فرقا كبيرا بين المعلومة والمعرفة المتكاملة، فالمعرفة لا تتأتى إلا من التأصيل والتحليل والرأى، وكل ذلك مرتبط بالجريدة الورقية لا صبر للوسائل الرقمية عليه.
 
أحلامى القادمة
- ألم تفكر يوما فى أن تنصرف عن الكتابة؟  
لم أفكر عمرى فى الانصراف عن الكتابة لأى سبب، لأن علاقتى بالقارئ علاقة مباشرة لا يتدخل فيها طرف ثالث، وهى بالنسبة لى علاقة مقدسة تعلو فوق كل الاعتبارات، فلا علاقة لها بمن يتحكم فى الجريدة التى تنشر مقالى، أو يملك دار النشرالتى تطبع كتابى، هناك علاقة قائمة بين الكاتب والقارئ، سواء القارئ الحالى أم القارئ المستقبلى، الذى سيكون موجودا بعد سنوات بعد وفاة الكاتب، هذا هو القارئ الذى يتوجه له الكاتب طوال الوقت، وهذه العلاقة مقدسة وغير قابلة للمراجعة، العلاقة الحقيقية للكاتب، هى العلاقة المباشرة والمستمرة مع القارئ، ولايستطيع أى ظرف مهما كانت شدته أن يقطعها، وحين يكون المرء كاتبا فليس هناك فى رأيى ما يستوجب قطع هذه العلاقة .

- هل تتعامل مع الإبداع بطريقة الانضباط نفسها التى اشتهر بها الكاتب الكبير نجيب محفوظ؟  
بحكم تعدد مهامى ومسئولياتى، لا أستطيع أن أحدد ساعات وأوقات الكتابة بالانضباط الشديد، كما كان يفعل نجيب محفوظ، وقتى فى العمل محدود بما أقضيه فى المكتب من نحو ثمانى ساعات يوميا، أوزعها بين مهام متعددة، وأحاول تخصيص أوقات للأصدقاء وأخرى للكتابة، مع الالتزام بها قدر الإمكان، لكن فى الواقع،غالبا ما يسيطر على شغف الرواية التى أعمل عليها، وأجد نفسى مضطرا لتأجيل بقية الالتزامات لأواصل كتابتها،وعندما تتأزم الأمور، أبلغ زملائى فى الجريدة، أننى مريض ولن أتمكن من الحضور لعدة أيام، لذلك يمكن القول إن طريقة عملى فى الإبداع تختلف عن الانضباط الصارم الذى اتبعه نجيب محفوظ، هى طريقة مرنة تسمح لى بالتفرغ للرواية حين يسيطر علىّ الإبداع بشكل كامل.

- أخيرا .. ما الحلم الذى لم يتحقق بعد بالنسبة لك؟ 
الحلم الذى لم يتحقق، ولا يتحقق أبدا هو الرواية القادمة، فأحلامى فى الوقت الحالى كلها مركزة على الإبداع، لأننى تخطيت بالفعل مراحل العمل التنفيذى والنقابى والتأسيسى فى الصحافة، أصبح تركيزى كله منصبا على الإنتاج الأدبى والإبداعى، فى العام الماضى أنهيت رواية "أوديب فى الطائرة"، لكن سرعان، راودنى حلم رواية جديدة فجاءت بعدها "زهرة النار"، ثم تجدد الحلم فانتهيت لتوى من رواية جديدة موجودة حاليا فى المطبعة، ومن المقرر أن تظهر فى معرض الكتاب المقبلة، وخلفيتها تدور حول أحداث غزة، أنا أعتبر أن كل رواية أبدأ فيها هى بمثابة الحلم الذى كنت أنتظره، إلى أن يبدأ الحلم التالى مع مشروع إبداعى آخر، وأتمنى أن تستمر هذه الأحلام فى التجدد دائما، لأنها فى النهاية، هى الدافع الأساسى لى للكتابة ولإنجاز أعمال جديدة باستمرار، ومن ثم هى الدافع للاستمرار فى الحياة، بعد أن تخطيت الثمانين.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام