الولايات المتحدة أدركت أخيرا أن غض الطرف لم يعد ممكنا الدول التى مازالت منفتحة على الجماعة أو تمنحها غطاء سياسيا وإعلاميا ستواجه ضغوطا متزايدة لتوضيح موقفها د. محمد قرباع: حظر الجماعة لحظة فارقة تنهى زمن التساهل وتعيد رسم خريطة التحالفات د. عبد الحكيم القرالة: أمريكا تجهز ملفا قانونيا محكما لتصنيف الجماعة منظمة إرهابية شريف النيرب: دور التنظيم الإرهابى فى المنطقة يقوم على فكرة الاستخدام الوظيفى فى خطوة تعكس إدراك الإدارة الأمريكية للتهديدات المتصاعدة التى تمثلها شبكة جماعة الإخوان الإرهابية، أصدر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أمرا تنفيذياً لتصنيف بعض فروع الجماعة كمنظمات إرهابية، وكان قبلها قد أعلن ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكى، عن إعداد خطة لحظر نشاط الجماعة الإرهابية فى عدة دول عربية، وهو ما يمثل لحظة فارقة فى مسار التعامل الدولى مع تنظيم، طالما تلاعب بالشعارات الدينية ليخفى مشروعه التخريبى، الجماعة التى تتحدث باسم الديمقراطية لا تؤمن بها إلا وسيلة للوصول إلى السلطة، وما أن تصل حتى تنقض على الدولة ومؤسساتها، تاركة وراءها الفوضى والانقسام. اليوم، وبعد سنوات من التحذيرات، تتحرك واشنطن ضد الجماعة الإرهابية، لكن لماذا الآن؟ هل أدركت الولايات المتحدة أخيرًا، أن هذا التنظيم ليس سوى الوجه السياسى للإرهاب؟ وهل هو استجابة لضغوط داخلية متصاعدة يقودها الجمهوريون فى الكونجرس، أم أنه وعى متأخر بخطورة فكر أنتج القاعدة وداعش وسائر الجماعات المتطرفة؟ فى البداية، قال الخبير الأمنى والإستراتيجى الأردنى العميد د. محمد قرباع: إن إصدار الرئيس الأمريكى الأمر التنفيذى، ومن قبله إعلان وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو عن إعداد خطة لحظر نشاط التنظيم الإرهابى يحمل فى طياته تداعيات إقليمية ودولية بالغة الخطورة، ويمثل دلالة سياسية على أن الولايات المتحدة، أدركت أخيرا غض الطرف عن الجماعة لم يعد ممكنا فى عالم تحكمه موجات التطرف العابر للحدود. وأوضح قرباع أن البعد الإقليمى لهذا القرار لا يقل أهمية عن أبعاده الداخلية فى الولايات المتحدة، إذ إن حظر تلك الجماعة على المستوى الأمريكى، سيحدث إعادة اصطفاف فى مواقف الدول العربية والإسلامية، فالدول التى سبق أن صنفت الجماعة تنظيمًا إرهابيا، مثل مصر والأردن والسعودية والإمارات، تعتبر الخطوة انتصارا لرؤيتها الأمنية التى حذرت الغرب مرارًا من مخاطر التنظيم، هذا سيعزز موقعها التفاوضى مع واشنطن، ويخلق أرضية أوسع للتنسيق الأمنى والاستخبارى بين الجانبين. أما الدول التى ما زالت تحتفظ بقدر من الانفتاح على الجماعة أو تمنحها غطاء سياسيًا وإعلاميًا، فستواجه ضغوطًا متزايدة لتوضيح موقفها، ويقول قرباع «لن يكون من السهل على أية عاصمة أن تبرر استمرار احتضان قيادات أو منصات إعلامية إرهابية بينما واشنطن تضع التنظيم على قوائم الإرهاب، هذا التناقض سيجعل هذه الدول عرضة لانتقادات وضغوط دولية قد تتطور إلى عزلة سياسية»، مضيفًا أن بعض العواصم قد تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر فى علاقتها مع الجماعة، ليس قناعةً بخطورتها، وإنما خشية من خسارة الغطاء الأمريكى. وعلى الصعيد الدولى، يرى قرباع أن القرار الأمريكى إذا تم تنفيذه سيُحدث ارتباكا داخل المنظومة الغربية، خصوصا فى أوروبا التى سمحت للجماعة لعقود بالعمل فى العلن عبر مراكز ثقافية وجمعيات خيرية ومساجد، ويؤكد أن الخطوة الأمريكية ستجبر الاتحاد الأوروبى على مراجعة حساباته، لأن استمرار السماح لتلك الجماعة بالنشاط هناك سيجعل أوروبا الحلقة الأضعف التى يمكن أن تتحول إلى ساحة خلفية لإعادة تنظيم الصفوف ونقل الأموال والأفكار، ومن هنا، قد تشهد المرحلة المقبلة حوارًا صعبًا داخل الغرب بين من يتمسكون بحرية التنظيمات المدنية، وبين من يرون فى الجماعة تهديدًا أمنيًا مباشرًا لا يقل خطورة عن داعش أو القاعدة. ويشير إلى أن الدلالة السياسية الأهم تكمن فى أن واشنطن تريد أن ترسل رسالة واضحة: انتهاء مرحلة التساهل مع الإسلام السياسى الذى حاول التغلغل فى مؤسسات الدولة والمجتمع تحت عناوين معتدلة، فمجرد التفكير فى وضع الجماعة على قوائم الإرهاب، يعكس قناعة متنامية لدى صناع القرار الأمريكى بأن المشروع السياسى للجماعة لم يعد ينسجم مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، هذا التحول - بحسب قرباع - ليس وليد لحظة، بل نتيجة تراكم خبرات دام عقودًا، حيث أدركت واشنطن أن كل محاولة لدمج الإخوان فى العملية السياسية انتهت إلى فشل أو إلى تفكيك استقرار الدول. ويرى قرباع أن الخطوة الأمريكية ستفتح الباب أمام تشكيل تحالفات إقليمية جديدة، فالدول التى عانت من الإرهاب، ستسعى لاستثمار القرار الأمريكى لإحكام الطوق على شبكات الجماعة المالية والإعلامية، وربما نشهد محاولات لإدماج هذا الملف فى الأجندة الأوسع للحرب العالمية على الإرهاب، بحيث لا يقتصر الأمر على محاربة داعش والقاعدة، بل يمتد إلى ضرب الجذر الفكرى الذى غذى هذه الجماعات، وفى المقابل، من المتوقع أن تتحرك الجماعة لإعادة التموضع، سواء عبر نقل مركز ثقلها إلى دول لا تزال تسمح لها بالتحرك، أم عبر تبنى إستراتيجيات تمويه أكثر تعقيدًا تجعل من الصعب ملاحقتها قانونيًا. ويحذر من أن الجماعة قد تلجأ إلى تصعيد خطاب المظلومية على المستوى الدولى، مستغلة أدواتها الإعلامية ومنظماتها الحقوقية للترويج لفكرة أن تصنيفها إرهابًا هو استهداف سياسى أو أيديولوجى، لكن هذا – كما يوضح – سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة واشنطن وحلفائها على مواجهة حرب ناعمة لا تقل خطورة عن المواجهة الأمنية المباشرة. ويختم قرباع بالقول: «نحن أمام لحظة فارقة تتجاوز مجرد قرار إدارى أمريكى، إنها معركة على الوعى الدولى وعلى تعريف الإرهاب ذاته، فإذا تم التعامل مع التنظيم كجماعة إرهابية شاملة، فسيكون ذلك بمثابة إعادة رسم لخريطة التحالفات والسياسات فى الشرق الأوسط وأوروبا معًا، القرار سيحمل فى طياته دلالة سياسية كبرى: أن زمن ازدواجية الخطاب قد انتهى، وأن مشروع الجماعة لم يعد يُنظر إليه كبديل سياسى شرعى، بل كخطر وجودى يهدد استقرار الدول وأمن الشعوب»، على حد تعبيره. حراك تشريعى قانونى من جانب آخر، قال الدكتور عبد الحكيم القرالة أستاذ العلوم السياسية الأردنى، إن الخطة الأمريكية التى أعلن عنها ماركو روبيو وزير الخارجية، قبل توقيع الرئيس ترامب للأمر التنفيذى باعتبار بعض فروع الجماعة كمنظمات إرهابية، لم تأت من فراغ، حيث كانت هناك محاولات سابقة خلال ولاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الأولى لحظر جماعة الإخوان الإرهابية ونشاطها، واعتبارها منظمة إرهابية، وبالتالى فإن المحددات التى قد تسهم فى نجاح هذا القرار عديدة، تبدأ من وجود حراك تشريعى قانونى، وربما مبادرات من داخل الكونجرس الأمريكى لتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية، وهو ما يجعل الأمر بحاجة إلى بعد قانونى وتشريعى متين، لأن القرار إذا ما تم اتخاذه ربما يتعرض إلى طعون قضائية. وأكد أن الموضوع ذو بعد سياسى وقانونى فى آن واحد، إذ يأتى هذا التوجه والإعلان فى ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، وربما لأن الولايات المتحدة الأمريكية أو صانع القرار فى البيت الأبيض أراد الربط بين أحداث السابع من أكتوبر والعلاقات التى تربط الجماعة بتلك الأحداث. وأضاف أن التحديات تكمن فى أن الجماعة الإرهابية لها فروع كثيرة وأذرع متعددة، وهو ما يدفع إلى التوجه نحو تصنيف أو إجراء تقييم دقيق لكل جماعة على حدة خوفا من الأبعاد القانونية المرتبطة بالطعن، ولذلك فإن تجهيز الملف قانونياً وتشريعياً وإحكامه من قبل الإدارة الأمريكية يحتاج إلى أدلة وبراهين قوية تتجنب سقوط القرار إذا ما تم الطعن فيه. وأوضح القرالة أن الكثير من تنظيمات الجماعة المنتشرة فى دول المنطقة قد تم حظرها بالفعل من قبل بعض الدول بسبب قيامها بنشاطات إرهابية كانت تستهدف الأمن والاستقرار فى تلك البلدان لتحقيق غايات وأجندات خبيثة، وهو ما قد يشجع الولايات المتحدة الأمريكية على المضى قدما فى هذا الاتجاه. وأضاف أن عملية التصنيف تختلف من دولة إلى أخرى وفقا للسياق السياسى داخل الدولة، ونشاط الجماعة على أراضيها، وعلاقاتها الدولية، والفصل بين جناحها السياسى والعسكرى. وشدد على أن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، يخضع للسياسات والمصالح، إذ أن بعض الدول التى عانت من نشاط الجماعة قامت بحظرها بعد أن استهدفت أمنها الوطنى، بينما هناك دول أخرى لا تزال تقيم علاقات معها فى إطار التنظيم الدولى. وأكد أن هذا الموضوع يحتاج إلى صياغة تشريعية محكمة مقرونة بالأدلة، حتى يتجنب القرار الفشل القانونى إذا ما تعرض للطعن، وتابع قائلا: إن توقيت الطرح الآن يرتبط مباشرة بالظروف الاستثنائية التى تعيشها المنطقة. ميز هذه المرة أن الإعلان كان رسميا، وهو ما يجعل اتخاذ القرار أمرا معقدا يحتاج إلى تنسيق بين مراكز القوى فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الجوانب القضائية والجوانب التشريعية والعديد من المؤسسات الأخرى، بما يتطلب خطة قانونية وتشريعية محكمة. واختتم الدكتور عبدالحكيم القرالة بالتأكيد على أن كل ذلك أسهم فى تكوين إرادة حقيقية لدى الولايات المتحدة الأمريكية لتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، وربط ذلك بالتوترات الإقليمية وبما قد تشكله هذه الجماعات من ارتباط بحركات مسلحة متطرفة تؤدى إلى تصعيد التطرف والعنف وتغيير السياسات الدولية تجاه الجماعة، كما أشار إلى الأبعاد الداخلية المرتبطة بسلطة الدول وعلاقة الجماعة بخطاب إعلامى قام على الكراهية والتحريض، وهو ما دفع الكثير من الدول إلى حظر نشاطاتها، لذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد تمتلك الإرادة الكاملة والرغبة الجامحة فى المضى نحو هذا القرار، غير أن الأمر سيظل يحتاج إلى وقت وإجراءات وسياسات دقيقة تضمن صدور حكم أو قرار لا يقبل الطعن فى إطار تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية. السلام مع إسرائيل فى المقابل، جاءت رؤية الكاتب والمحلل السياسى الفلسطينى شريف النيرب، حول الموقف الأمريكى من التنظيم الإرهابى مطولة وشاملة، لتكشف أبعادا متشابكة من السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، يقول إن الإدارة الأمريكية الأولى للرئيس دونالد ترامب كانت قد اتخذت بالفعل خطوات ممهدة لحظر الجماعة الإرهابية، لكن هذه الخطوات لم تكتمل أو تتحول إلى قرار نهائى. ويرجع ذلك إلى أن ترامب، وفق تقديراته ــ كان يريد أن يترك هذا الإرث المليء بالتوترات فى الشرق الأوسط للإدارة التالية، انطلاقاً من قناعته بأن احتمالات فوزه بولاية ثانية كانت ضعيفة، وهو ما أكدته استطلاعات الرأى حينها، وبالتالى، فضل أن يترك ملف التنظيم مفتوحاً ليشكل عبئاً على من يخلفه فى البيت الأبيض. ويتابع النيرب موضحا أن الحزب الديمقراطى الذى تسلم السلطة بعد ترامب كان ينظر إلى مشروع الإسلام السياسى، وفى القلب منه الجماعة الإرهابية، على أنه جزء من أداة وظيفية يمكن استخدامها للضغط والابتزاز فى المنطقة العربية والشرق الأوسط، وقد انعكس هذا التوجه فى اندلاع حرائق الأزمات فى أكثر من دولة عربية، حيث جرى توظيف جماعات الإسلام السياسى لإشعال الصراعات، بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية فى استنزاف المنطقة وإبقاءها رهينة حالة من الفوضى الدائمة. ويشير إلى أن إصدار ترامب للأمر التنفيذى وتكليف وزير الخزانة سكوت بيسنت بتقديم تقرير حول ما سيتم خلال 45 يوم مع السيناتور الأمريكى ماركو روبيو، المعروف بطموحه السياسى الكبير، استند مؤخرا إلى قراءات معمقة داخل الكونجرس الأمريكى، خلص من خلالها إلى أن التخلص من الجماعة عبر تصنيفها كمنظمة إرهابية يمثل ضرورة. ويؤكد أن هذا التوجه ازداد قوة بعد حرب غزة 2023، حيث استنتجت الولايات المتحدة أن مشروع السلام الذى تطمح لتحقيقه لإسرائيل لا يمكن أن يمر عبر قنوات حركات الإسلام السياسى، وإنما من خلال الاتفاقيات والمعاهدات الرسمية الموقعة بين الدول، ومن هنا بدأ يتقلص الدور الوظيفى للتنظيم الإرهابى فى الوعى الأمريكى الرسمى، وتحول النقاش نحو ضرورة تجميد هذا الدور بالكامل وإعادة تعريف الجماعة باعتبارها تنظيما قائما على الإرهاب. ويضيف أن مارك روبيو، فى قراءته لعقل المؤسسة التشريعية الأمريكية، يسعى إلى استثمار هذا التحول لصالح مشروع سياسى أكبر، من خلال الدفع نحو إدراج الجماعة على قوائم الإرهاب بما يمهّد الطريق إلى مزيد من اتفاقيات السلام الإقليمية، التى يعتقد الأمريكيون أنها الضمانة الوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار فى المنطقة. ويخلص النيرب إلى القول إن دور الجماعة الإرهابية فى المنطقة كان على الدوام قائماً على فكرة الاستخدام الوظيفى، حيث جرى استغلالها لإشعال الفوضى والأزمات داخل الدول العربية، وإضعاف الأنظمة، والضغط على الشعوب، خدمة لمصالح استعمارية كانت تمارسها الولايات المتحدة وتوظفها إسرائيل. ومن هنا، فإن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية لم يعد مجرد خيار سياسى عابر، بل بات ــ وفق رؤية النيرب ــ استحقاقا إستراتيجيا يعكس موازين القوى الدولية والإقليمية.