حياة الناس



‪تثير قضايا أخلاقية وتفتح بابا جديدا للصراع على حقوق المياه‬ استمطار السحب.. تقنية محفوفة بالمخاطر تلقيح السحب

10-12-2025 | 18:26
⢴ ميرفت فهد

يتم عبر رش مواد كيميائية لها تأثيرات خطيرة على الصحة العامة والبيئة
المنظمة العالمية للأرصاد الجوية: أكثر من 50 دولة 
تقوم بتجارب تعديل الطقس وتلقيح السحب
تحدث اضطرابا بالأنماط الطبيعية للطقس.. وتفتح بابا أوسع  فى الصراع على حقوق المياه
يحول مناطق معروفة بغزارة أمطارها إلى جافة.. ويتسبب فى فيضانات وانهيارات بمناطق أخرى
 
فى محاولة لتعديل الآثار المترتبة على الظروف المناخية وتغيراتها، ومواجهة موجات الجفاف  التى تجتاح الكثير من دول العالم،  تلجأ بعض الدول إلى استخدام تقنية “استمطار السحب” عبر عملية “تلقيح السحب” بمواد كيميائية.
وبرغم أن الاستمطار السحابى يبدو مفيدًا لمواجهة الجفاف، فإنه يحمل فى طياته الكثير من الآثار السلبية الخطيرة على الصحة والبيئة، التى يتم فيها عملية الاستمطار نتيجة هذه المواد الكيميائية التى يتم استخدامها، وتنفذ إلى الهواء والماء والتربة.
ناهيك عما يحدثه  استمطار السحب من اضطراب بالأنماط الطبيعة للطقس، مما يؤدى إلى إحداث خلل فى دوراته الطبيعية، كندرة هطول المطر فى مناطق معروف بغزارته، وفى المقابل غزارته فى منطاق يندر فيها المطر، مما يتسبب فى حدوث فيضانات وانهيارات أرضية.
والأخطر من ذلك كله، يفتح استمطار السحب بابا جديدًا من أبواب الصراع على حقوق المياه.
تلقيح السحب لاستمطارها، هو تقنية لتعديل الطقس تعمل على تحسين قدرة السحابة على إنتاج المطر أو الثلج، عن طريق إدخال نوى جليدية صغيرة فى أنواع معينة من السحب المتجمدة، وتوفر هذه النوى قاعدة لتكوين رقاقات الثلج، بعد أن يتم تلقيح السحب، بعدها تنمو رقاقات الثلج المتكونة حديثا بسرعة، وتسقط من السحب عائدة إلى سطح الأرض، مما يزيد من تراكم الثلوج وتدفق المجارى المائية.
ويتضمن تلقيح السحب حقن الأملاح الكيميائية، بما فى ذلك يوديد الفضة أو البوتاسيوم، فى السحب عبر الطائرات أو من خلال مولدات على الأرض، ويمكن لبخار الماء أن يتكثف بسهولة أكبر ويتحول إلى مطر.
يستخدم برنامج أبحاث تلقيح السحب بمعهد بحوث الصحراء بالولايات المتحدة الأمريكية DRI Cloud Seeding  المولدات الأرضية التى صممها المعهد، ويمكن تشغيلها عن بعد، وتستخدم معظم عمليات تلقيح السحب، بما فى ذلك تلك التى تديرها تقنية DRI  مركبا يسمى يوديد الفضة، للمساعدة فى تكوين بلورات الجليد. يوجد يوديد الفضة بشكل طبيعى فى البيئة بتركيزات منخفضة، ولا يعرف أنه ضار بالبشر أو الحياة البرية.
وعندما تتحرك أنظمة العواصف عبر إحدى مناطق مشروع تلقيح السحب، يتم حرق محلول يحتوى على كمية صغيرة من يوديد الفضة من المولدات الأرضية، أو إطلاقه من الطائرات. عند الوصول إلى السحابة، يعمل يوديد الفضة كنواة لتكوين الجليد للمساعدة فى إنتاج رقاقات الثلج.
تجرى عملية تلقيح السحب فى DRI  بشكل عام خلال فصل الشتاء من نوفمبر إلى مايو، عندما تتحرك أنظمة العواصف بنشاط خلال فصول الشتاء الجافة، وعندما تغيب أنظمة العواصف لفترات طويلة، لا يمكن أن يحدث البذر السحابى، لأن البذر السحابى يتطلب وجود سحب مليئة بالرطوبة.
ويضم فريق خبراءDRI  خبراء الأرصاد الجوية الذين يراقبون الطقس طوال الموسم لمعرفة ظروف تلقيح السحب المناسبة، ولا يتم تلقيح السحب فى الأوقات التى يكون فيها هطول الأمطار الإضافى مشكلة، مثل أوقات ارتفاع مخاطر الفيضانات، أو أثناء فترات السفر المزدحمة أثناء العطلات.
ويتم استخدام تلقيح السحب فى جميع أنحاء العالم، كوسيلة لتعزيز تساقط الثلوج فى فصل الشتاء وزيادة كتل الثلوج الجبلية، لتكملة إمدادات المياه الطبيعية المتاحة للمجتمعات فى المنطقة المحيطة، وتختلف فاعلية تلقيح السحب من مشروع إلى آخر، ولكن ثبت أن مشاريع تلقيح السحب طويلة المدى فوق جبال نيفادا، وأجزاء أخرى من العالم تزيد من إجمالى كتل الثلوج فى المناطق المستهدفة بنسبة 10% أو أكثر سنويا.
فى موقع الدراسة فى الجبال الثلجية فى نيو ساوث ويلز، أستراليا، أدى مشروع البذر السحابى الذى صممه DRI  لمدة خمس سنوات، إلى زيادة تساقط الثلوج بنسبة 14 بالمائة فى جميع أنحاء منطقة المشروع، وقد تبين أن هذا التساقط المعزز للثلوج، كان نتيجة لتلقيح السحب عند فترة ثقة تبلغ 97%.
وفى وايومنج، أدت تجربة تلقيح السحب التى استمرت 10 سنوات فى منطقة Snowy Range  وSierra Madre إلى زيادة بنسبة 5 إلى 15% فى كتل الثلوج الناتجة عن العواصف الشتوية. وأظهرت الأبحاث القديمة التى أجراها برنامج البذر السحابى فى منطقة بريدجر فى غرب مونتانا زيادة فى تساقط الثلوج بنسبة تصل إلى 15% من البذر السحابى، باستخدام مولدات يتم التحكم فيها عن بعد على ارتفاعات عالية، تشبه هذه المولدات طرق البذر السحابى، التى تستخدمها مشاريع البذر السحابى الحديثة التابعة لـ DRI. .
ووفقا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، هناك ما لا يقل عن 50 دولة تقوم بتجربة تعديل الطقس أو تلقيح السحب لزيادة هطول الأمطار، وتخفيف الجفاف، وقمع البرد وإزالة تلوث الهواء. ففى عام 2009، أطلقت إحدى هذه الدول الآلاف من قذائف المدفعية فى السماء لاستمطار السحب، وقامت بتحويل المياه من أطول نهرين لديها، لمواجهة أسوأ موجة جفاف تشهده منذ عقود. وأعلنت حكومتها عن خطط لتوسيع البرنامج، ليغطى أكثر من 5.5 مليون كيلومتر مربع خلال العام 2025.
وهناك العديد من الدول التى ليس لديها برنامج خاص للاستمطار، ودخلت فى شراكة مع وكالة ناسا ضمن برنامج نشط لتعديل الطقس، وزيادة هطول الأمطار ومكافحة التصحر وزيادة الأمن المائى والغطاء النباتى، وتقوم الطائرات المتخصصة بتفريق مواد مثل يوديد الفضة لتحفيز هطول الأمطار. ويتم دعم هذه العمليات من خلال شبكة رادار الطقس دوبلر الكثيفة وبيانات الأقمار الصناعية.
ومع تنوع طبيعتها المناخية، شرعت إحدى الدول فى تلقيح السحب فى ولايات مختلفة معتمدة على الطائرات بدون طيار،  وهناك من الدول من تقوم بذلك بهدف زيادة كثافة الثلوج فى المناطق الجبلية.
 
آثار سلبية خطيرة
وبرغم أن استمطار السحب يبدو مفيدًا لمواجهة الجفاف، فإنه يحمل فى طياته الكثير من الآثار السلبية، أولها أنه يتم إضافة يوديد الفضة والمواد الكيميائية الأخرى إلى الغلاف الجوى بكميات كبيرة، فى حين أن الكميات الصغيرة قد لا تكون ضارة،  والتعرض لها على المدى الطويل قد يكون محفوفا بالمخاطر. يمكن أن تدخل هذه المواد الكيميائية إلى الهواء والماء والتربة، مما يؤدى إلى مخاوف صحية محتملة.
الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من مناطق البذور السحابية إذا تنفسوا جزيئات صغيرة من يوديد الفضة أو مواد أخرى، قد يعانون من تهيج الرئة أو صعوبات فى التنفس، أو تفاقم الحالات مثل الربو لدى الأفراد الحساسين. وتشير بعض الدراسات إلى أن التعرض لفترة طويلة ليوديد الفضة، قد يتسبب فى تلف الجلد. وإذا أصبحت مستويات يوديد الفضة أو الملح مرتفعة جدا، فقد تلوث مياه الشرب وتؤثر على المحاصيل.
كما تتسبب تقنية استمطار السحب، فى إحداث اضطراب بالأنماط الطبيعة للطقس، وهو ما يشكل أحد المخاوف الرئيسية من هذه التقنية، حيث يمكن أن تعطل دورات الطقس الطبيعية. وعندما تتم عملية الاستمطار فى منطقة ما، فقد يؤدى ذلك إلى تقليل هطول الأمطار فى مكان آخر. يمكن أن يؤدى ذلك إلى حالات جفاف غير متوقعة فى المناطق التى تعتمد على أنماط الأمطار الطبيعية، مما يؤثر على المزارعين والنظم البيئية الطبيعية، ويمكن أن يكون لتغيير توازن الطقس آثار طويلة المدى، لم نفهمها بالكامل بعد.
ومن التأثيرات السلبية الخطيرة طويلة المدى لاستمطار السحب، التسبب فى حدوث فيضانات مفاجئة وانهيارات أرضية، يمكن أن يؤدى ذلك إلى إتلاف المنازل وتدمير المحاصيل، وحتى التسبب فى خسائر فى الأرواح. لذلك من الأفضل أن تفهم العملية بشكل كامل قبل القيام بها.
وعندما تتساقط المواد الكيميائية مع المطر، فإنها تضاف إلى التربة مع مرور الوقت، وستؤدى التركيزات العالية من يوديد الفضة إلى تغيير تكوين التربة، مما يؤثر بعد ذلك على نمو النبات. كل هذا التراكم السام فى التربة والمياه، يمكن أن يضر بالنباتات والحيوانات ويعطل السلسلة الغذائية. كما أن مصادر المياه مثل البحيرات والأنهار قد تصبح ملوثة أيضا، مما يؤثر على الأسماك والحياة المائية الأخرى.
تقنية استمطار السحب يمكن أن تؤثر على الطقس فى مكان ما على حساب مكان آخر، وهو الأمر الذى يثير مخاوف أخلاقية، فمن المحتمل أن تتجادل البلدان أو المناطق حول من يمكنه التحكم فى الطقس، إذا تسببت منطقة واحدة فى هطول أمطار صناعية، وقلل ذلك من هطول الأمطار على المناطق المجاورة، مما يسبب صراعات على حقوق المياه.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام