وجوه عبر الزمن



‪ممدوح عدوان ... حين يصير الكاتب مزاجًا من الضوء والقلق (1)‬

10-12-2025 | 18:39
إلهامى المليجى

لم يكن ممدوح عدوان مجرد شاعرٍ يعبر على الصفحة كنسمةٍ مشاكسة، بل كان - كلما دخل غرفة - يجىء ومعه شىء من العاصفة.
رجلٌ يمشى وفى جيبه جمرٌ لا يبرد، وكلماتٌ تشبه حجارة، تُلقى فى ماءٍ راكد فتوقظ النائمين.
وكان واحدًا من تلك الوجوه التى لا تقترب منك ببطء… بل تقتحمك اقتحامًا، فتترك فى الذاكرة أثرًا يشبه أثر النار: لا يحترق، لكنه يضىء.
أنا أستعيد تلك السنوات، تعود إلى دمشق كما عرفتها فى ثمانينيات القرن الماضى: 
مدينة تتنفس السياسة والشعر معاً، وتستقبل أبناء المنافى كأنها تعيد تركيبهم من جديد. 
وصلت إليها بعد أن غادرنا بيروت، مع المقاومة الفلسطينية فى الدفعة الأخيرة إلى طرطوس، ومنها إلى دمشق التى احتضنتنى، وأعادتنى إلى العمل فى الصحافة. 
وحين التقى الطريق بأحمد فؤاد نجم، بدأت مغامرة إصدار مجلة الوطن المصوّر، ذلك المشروع الذى جمع بين السياسة وروح الشاعر، وأصبح ملتقى لوجوه كثيرة… كان ممدوح واحداً من أكثرها حضوراً وإثارة.
لم يكن الظهور الأول لقاءً محددا، بل كان خيطا من المرات التى يدخل فيها إلى المقر، يثير نقاشاً، يترك تعليقًا، أو يلقى جملة، كفيلة بأن تقلب مزاج اليوم كله.
لكن اللحظة التى منحت العلاقة ملامحها الأولى جاءت حين حمل إلىّ مخطوط كتابه «دفاعاً عن الجنون».
ومن هنا تبدأ الحكاية...
 
المشهد الأول: كتابٌ يشبه صاحبه… عاصفًا، قَلِقًا، ودافئًا كجمرة
لم يبدأ لقائى بممدوح عدوان من لحظة واحدة تُلتقط كصورة، بل من سلسلة أوقات صغيرة تتسلّل إلى الذاكرة، كما تتسلّل الجملة الشعرية إلى الصفحة: بلا استئذان، وبإيقاع لا يشبه إلا صاحبَه، كان يدخل مقر مجلة الوطن المصوّر، كمن يعرف المكان قبل أن يأتيه، يحرّك الهواء من حوله، يثير نقاشاً لا ينتهي، ويترك وراءه أثراً يشبه بقايا ضوء على طاولة تحرير مزدحمة بالورق والأفكار.
وفى تلك الأيام، كانت دمشق تخرج لى شيئاً فشيئاً من غبار المنفى، وتعيد ترتيب روحى، بعد بيروت التى غادرتها مُكرَهًا مع المقاومة الفلسطينية، عقب الاجتياح الصهيونى عام 1982، تاركاً ورائى مدينة تنطفئ تحت القصف، وتظلّ مشتعلة فى الذاكرة، وما بين طرطوس التى وصلنا إليها مع الدفعة الأخيرة، ودمشق التى احتضنت مشتّتنا، كانت الحياة تحاول أن تستعيد إيقاعها على نحو بطىء…
ثم جاءت مغامرة أحمد فؤاد نجم، بإصدار الوطن المصوّر، فاجتمعت فى المجلة طاقة السياسة وحسّ الشاعر، والتقى حولها كل من رأى فى الكلمة خلاصاً أو فضيحة أو فعل مقاومة. وكان ممدوح عدوان، بطريقته التى تخلط بين حدّة الطبع ودهشة الموهبة، أحد أكثر هذه الوجوه حضوراً.
كان يتردّد على المجلة بانتظام، يكتب معنا، يعلّق، يعترض، يقترح، ويشاغب، كنا نرى فيه الكاتب الذى لا يكتفى بأن يضع كلمة فى مكانها، بل يريد أن يختبرها: هل تجرح؟ هل تنير؟ هل تفتح باباً أم تهدم جدارا؟
ومع كل لقاء، كانت المسافة بيننا تتقلّص خطوة، ثم تتراجع نصف خطوة، كأن العلاقة معه لا تُبنى على المهادنة، بل على شدٍّ خفيف فى الحبل: تقترب لتعرفه، وتبتعد قليلاً، لتتذكر أنه رجل يعيش فى منطقة توتر دائم.
غير أن اللحظة التى نقلت معرفتى به من العابر إلى العميق، جاءت يوم دخل إلى مكتبى حاملًا شيئًا بين يديه، ملفوفًا بعناية، كأنما يقدّم مخطوط وصية:
 
«هذا هو… دفاعًا عن الجنون - مقدمات»
وضع المخطوط على الطاولة، على غلافه الداخلى ختم الرقابة، وفى جيبه الآخر لوحات أنيقة، رسمها الفنان السورى سعيد يكن، وصورة مقترحة للغلاف، وبعض ملاحظات بخط يده. 
لم يكن يطلب رأياً، بل يضع أمامى مشروعا جاهزاً للحياة، ويعرف - كما أعرف - أن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يُطبع بلا أثر.
فتح المخطوط، وقرأ لى منه مقطعاً، كمن يقرأ جزءاً من ذاته.
كان الكتاب، فى جوهره، ليس «دفاعا عن الجنون»، بقدر ما هو اتهام صريح للعقل، حين يتحوّل إلى أداة قمع، وللواقع حين يُصادر المختلف، وللمجتمع حين يخاف ظلاله أكثر مما يخاف أمراضه.
فى الصفحات الأولى، يضع ممدوح فكرة تستحق أن تُسجَّل على جدار: 
«المجتمع الذى لا يصغى لمجانينه، مجتمع محكوم عليه بالجمود، لأن الجنون - فى كثير من الأحيان - هو آخر ما تبقّى من الحرية».
ومضى يكتب عن الهامش، بوصفه المرآة التى تظهر ما لا يريد المركز الاعتراف به، وعن القمع الذى يصنع جنوناً بلا صوت، وعن العبث الذى يتستّر على الشرعية باسم العقل.
كنتُ أقرأ وهو يراقب وجهى، كأنما يريد أن يرى أين تصطدم الجملة؟ وأين تستقر؟ وأين تترك ندبة صغيرة؟
اتفقنا على نشر الكتاب ضمن إصدارات دار النديم، التى كنتُ جزءاً من تأسيسها، ومنذ تلك اللحظة بدأت العلاقة تأخذ منحى آخر، لم يعد ممدوح مجرّد كاتب يمرّ على المجلة، بل شريكاً فى مغامرة نصٍّ، يريد أن يهزّ السائد.
وبعد صدور الكتاب، لم يتأخّر صداه.
امتلأت الصحف بحديث عنه، ونشطت جلسات النقاش، وتبادل الناس الاقتباسات، التى بدت لهم خارجة عن المألوف فى زمن كانت الكلمات فيه تمشى على رؤوس أصابعها.
لكن سرّ النجاح لم يكن فى الكتاب وحده.
ممدوح كان يمتلك قدرة نادرة على تحويل نصّه إلى حدث، يعرف كيف يدفعه إلى الضوء، كيف يتحدّث عنه، وكيف يخلق حوله دوائر اهتمام لا تُقاوم. وبعد أعوام، حين قدّم لى الشاعر الكبير على الجندى، قال ممدوح بنبرة لا تخلو من حسرة:
على شاعر عظيم، لكنه لا يعرف أن يروّج نفسه. الأدب وحده لا يكفى يا صديقى.
فى تلك اللحظة فهمت شيئاً عن ممدوح: 
أنه لا يكتب فقط ليُقرأ، بل ليعيش النصّ بين الناس.
ولذلك، كان «دفاعًا عن الجنون – مقدمات» بالنسبة إليه أكثر من كتاب، كان بياناً شخصيًّا، أو ربما مرآة يرى فيها العالم مشقوقاً نصفين: 
عقلاً مزيفاً يلبس قناع الاتزان، وجنوناً صادقاً يصرخ بحقه فى الوجود.
ومع هذا الكتاب، بدأت صداقتنا تتشكّل على مهل:
تتقدّم خطوة حين يفتح قلبه، وتتراجع نصف خطوة، حين تعود إليه طباعه الحادة، كأن هناك مسافة لا يريد لها أن تُلغى تماماً، ولا يريد لها أن تكبر.
كان يعرف حدود القرب، ويعرف أن الصداقة - مثل الكتابة - تحتاج إلى مقدار من الاضطراب كى تبقى حيّة.
 
ما قبل الانعطافة التالية
هكذا بدأ ممدوح عدوان يدخل حياتى: عبر كتاب يلمع مثل شظيّة ضوء، وعبر صداقة لا تطمئن إلى السكون.
ومع «دفاعاً عن الجنون» وُلدت بيننا مسافة دقيقة من الثقة والاختلاف، ستقود لاحقاً إلى مشاهد أخرى: 
إلى على الجندى الذى صار صديقاً بسببه، وإلى واقعة اجتماعية كبيرة، كان حضوره فيها شرارة، أشعلت ما لم أكن أتوقّعه، وإلى لحظات إنسانية لا تخلو من الطرافة أو الحدّة أو الاعتراف.
الخاتمة فى الجزء المقبل، سنفتح الباب على تلك الانعطافات...
فمع ممدوح عدوان، لا يحدث شىء مرة واحدة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام