ثقافة



‪لأنهم يصرون على التمسك بالذاكرة‬.. إبراهيم نصرالله: الحكاية الفلسطينية لن تموت

10-12-2025 | 20:54
⢴حوار أجراه - د. أشرف أبو السعود

- هدف الرواية إثارة المسكوت عنه ونقض التاريخ الرسمى
- الكتابة عن المنفى إثبات للوجود وفضح لأثره القبيح
- أعدت للمهمشين ألسنتهم المقطوعة بالكتابة عن آلامهم
- بدون التاريخ والجمال تفقد اللغة هويتها
 
يعتبر الشاعر والروائى، إبراهيم نصر الله واحداً من أكثر الكتاب العرب انتشارا، نشر 15 ديوانا و26 رواية، من بينها مشروعه الروائى «الملهاة الفلسطينية، 16 رواية» الذى يغطى أكثر من 250 عاما من تاريخ فلسطين، ومشروع «الشرفات، 10 روايات» تتأمل الحال الإنسانى من مختلف وجوهه الاجتماعية والسياسية والنفسية، وماضيا وحاضرا .ومستقبلا 
 
تناولت تجربته الأدبية أكثر من 80 رسالة ماجستير ودكتوراه، وصدرت أكثر من 50 ترجمة لأعماله باللغات الإنجليزية، الإيطالية، الإسبانية، الفارسية، التركية، الدانماركية، البرتغالية، الهندية، وغيرها، نال 11 جائزة، من بينها الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» وجائزة القدس للثقافة، وجائزة كتارا للرواية العربية (مرتين)، والجائزة الكبرى للرواية من اتحاد الكتاب الأتراك عام 2023، والجائزة العالمية للشعر، تركيا 2025.
 
فاز هذا العام بجائزة نيوستاد  Neustadt التى تمنحها جامعة أوكلاهوما ومجلة «الأدب العالمى اليوم»، وتعتبر جائزة نوبل الأمريكية، التى نالها عدد من أهم كتّاب العالم مثل جابرييل جارسيا ماركيز، وهى المرة الأولى التى ينالها كاتب يكتب بالعربية منذ تأسيسها عام 1970.
 
يقول لـ «الأهرام العربى»: عندما قررت الكتابة عن فلسطين تعهدت أن أكتب بعين الحرية والنضال، وأن أقتحم التاريخ بها، كى أظهر ذاكرة المنفى مما علق بها من أكاذيب وخروقات متعمدة.. وإلى نص الحوار.
 
 < فى مشروعك الروائى «الملهاة الفلسطينية» تقدم رؤية شمولية لتاريخ فلسطين الحديث من زوايا متعددة كيف توازن بين التزامك بالحدث التاريخى والحرية الفنية التى تتطلبها الرواية كجنس أدبى؟ وهل ترى هذا المشروع السردى بديلا للتاريخ الرسمى؟
إن لم يدرك الكاتب حريته الفنية فى الكتابة، فلن يدرك أى حرية خارجها. أظن أن هذه القاعدة ضرورية فى أى موضوع نتناوله ككتاب، ولدى يقين دائما، أن القضايا الكبرى بحاجة لمستويات فنية عالية للتعبير عنها.
من جانب آخر، أرى أن فن الرواية كان لا بد منه، وخصوصاً فى المسألة الفلسطينية، لمساءلة ونقض التاريخ الرسمى بإعادة قراءته بعين الحرية نفسها، لا بالعين المُتعامية التى كتبته عن سبق الإصرار، وقد كان عليّ أن أفعل ذلك حين أعدت كتابة تاريخ شخصيات وأحداث فى كتب التاريخ صدقها الناس والمؤرخون أيضا!   
 
< تتكرر فى أعمالك صورة «المنفى» بأشكاله المختلفة الجغرافى، الوجودى، الرمزى من وجهة نظرك هل المنفى فى أدبك تحول من حالة قسرية إلى حالة إبداعية؟ وكيف يعيد المبدع ابتكار وطنه داخل اللغة حين يُسلب فى الواقع؟
فى الكتابة عن المنفى، إجابة عن القسم الثانى من هذا السؤال، لأن الكتابة عن المنفى مسألة مُركّبة فى اعتقادى، فأنت تكتب عن المنفى لتؤكد أثره، وبهذا تثبت وجودك فيه، فى وقت يريد فيه المنفى أن يمحوك. الكتابة عن المنفى تعنى أنك لست بضاعة عابرة للحدود، بل إنسان له أحلامه وله أهدافه، وكل كتابة عن المنفى تؤكد أيضا وجود وطن خارجه. فى الكتابة وخارجها يؤثر فيك المنفى الذى غالبا ما يحرص على تدجينك، لا لتصبح جزءا منه، بل لتقدم ما يريده منك وأنت تعرف أنك نصف مواطن فى أفضل الأحوال. وفى الحالة الفلسطينية يبدو المنفى مركبا كما أشرت، وربما يشرح ذلك بيتان من إحدى قصائدى على لسان المنفى نفسه:
ألا أيها المُبتلى بدماكْ
لا تكن ههنا.. لا تكن ههناكْ
وكن أى شيء سوانا
وكن أى شيء سواك!
 
< مُنحت الشخصيات الهامشية مثل الفلاح، المرأة، الطفل، المجنون، صوتا مسموعا على نحو ما جاء فى رواياتك «زمن الخيول البيضاء»، «وحرب الكلب الثانية» هل ترى أن الأدب يملك سلطة توزيع الأدوار داخل التاريخ المكتوب؟
لا يستطيع الأدب أن يوزع سلطة، لكنه يمنح الفئات المهمشة المساحة الكافية للتعبير عن نفسها لتقول ما لم يقل، ذلك المحجوب، وهو بذلك يعيد لها ألسنتها المقطوعة من قبل عدة سلطات، ويقف معها فى مواجهة كل سلطة غاشمة، سواء داخلية أو خارجية، أو ما فوق ذلك.
ثم إن المهمشين، الذين طالما كانوا وقود كل قوة عاتية، هم الحياة الحقيقية، وهم العالم، مقابل فئة تريد السيطرة على الهواء قبل الدواء ولقمة العيش.
لكن الأدب لا يستطيع أن يتغافل عن وجود السلطة المسيطرة ومقارعتها، وإلا سيكون أدبا لا يملك إلا نصف الجرأة، نصف الجرأة هى الجُبْن، لأن الجرأة لا تُجزأ.
وهذا ستجده فى قصائدى وفى روايات مثل «شرفة الهاوية» و«طفل الممحاة»،  و«عَوْ»، و«شرفة الفردوس». فى كل كتابة لا بد من أن يكون هناك تمرد ما.
 
< اتسمت لغتك الروائية بانعكاسات شعرية واضحة وصورة استعارية عميقة، هل كانت اللغة فى سردياتك فعل مقاومة ضد التهميش، بنفس مقاومة شخوص أعمالك لأوضاعها السياسية العنيفة؟
اللغة هى وسيلتك لقول ما تريد، وبطلة الأدب الأولى، فبغيرها لا تستطيع أن تقدم أدبا، بها تصنع خطابك وشخصيات عملك ومكانهم وزمانهم وأحلامهم، ورؤاك.
فالعمل الأدبى بالضرورة هو رؤى الكاتب وموقفه من هذا العالم، لكن اللغة، هذا الكائن الجيل، يلزمه وعيان ليكون: الوعى بالتاريخ والوعى بالجمال، وبغير هذين الوعيين تغدو اللغة «كلاما» أو موادَّ أولية لا أكثر.
 
< فى روايتك «أعراس آمنة» دمجت بين الواقع والخيال كيف نجحت فى توظيف ذلك فى سياق تجربة شعب يعيش واقعا يكاد يكون أغرب من الخيال؟
ربما أفضل ما حدث أن رواية “أعراس آمنة”، أو كما تُرجمت لعدد من اللغات باسم “أعراس غزة”، أنها نُشرت قبل أكثر من عشرين عاما، وهذا جعلها خارج سطوة اللحظة التى تعيشها اليوم غزة، ونعيشها معها. إذ ذهبت الرواية نحو جوهر غزة وما تعيشه، بعيدا عن أى انشغال بمساحة الواقع ومساحة الخيال. وهذا ما يدفع القارئات والقراء فى عالمنا العربى وفى كل لغة تُرجمت إليها الرواية أن يروا فيها غزة اليوم، غزة الإبادة. هناك أحداث فى الرواية كانت متخيّلة، لكنها أحداث واقعية اليوم، بصورة متطابقة تماما، وهذا ما يدهش القراء الذين يكتبون لى، وليست هذه الرواية فحسب، بل إن بعض من قرؤوا روايتى “طفولتى حتى الآن” خلال العامين الماضيين من أهل غزة يكتبون إلى “إن هذه الرواية عنا، وعن غزة”، مع أنها عن حياتى فى مخيم اللاجئين فى الأردن، ثمة وحدة حال، أو حال مقسمة إلى أجزاء.
 
< هل ترى أنك تكتب من أجل استعادة فلسطين أم من أجل اختراعها من جديد عبر كل نص؟ وهل يمكن للسرد أن يعيد تأسيس الوطن ككائن لغوى حين يفشل فى إعادته ككائن جغرافى؟
استعادة فلسطين لم تتوقف بكل الوسائل، ومنها الأدب، والفنون، لكن الكتابة بالتأكيد تساهم فى إعادة صياغة الأوطان من جديد، ليس فى نظر أبنائها فحسب، بل فى نظر البشر على سطح الكرة الأرضية. كانت «كولومبيا» لزمن طويل، فى أعين الكثيرين، بلد المخدرات والعصابات والخطف، وحين كتب ماركيز «مائة عام من العزلة» أعاد رسم صورة عالم جديد لوطنه.
 
< تكتب باللغة العربية الفصحى عن فلسطين من خارجها ومن داخلها فى آن واحد جغرافيا ووجدانيا وليست بلغة الأرض اليومية للفلسطينيين، هل يشعرك هذا بأنك تعيش فى منفى لغوى؟
مسألة الفصحى والعامية فى ظنّى انتهى الحديث فيها، خصوصا أننى أكتب عن فلسطينيين هم جزء أساس من الأمة العربية، والفصحى لغتهم أيضا.
 
< بعد كل هذه المنجزات الأدبية الرصينة التى ظهرت لك، هل تشعر أنك أقرب إلى اليأس أم إلى الأمل؟ وهل تعتقد أن فلسطين كفكرة أدبية أصبحت أكثر حضورا من فلسطين كواقع؟ وإذا كان الأدب يخلد، فهل نحن نخلد فلسطين أم ندفنها فى الأرشيف؟
طوال مائة عام لم يستطع أحد دفن فلسطين، وفى العامين الماضيين تبين لنا أن العالمَ كان مدفونا، وأن فلسطين هى التى أخرجتْه من قبره. لذا، اليأس بضاعة ليست فلسطينية، لا فى الكتابة ولا فى الحياة اليومية للفلسطينيين.
 
< تكتب عن فلسطين وكأنك تعيد إحياء الموتى، وفى الوقت نفسه تدرك أن كل سردية هى طريقة لتخليد ذكرى الموت، هل الرواية عندك محاولة لتأجيل النسيان، أم اعتراف صامت بأن كل ذكرى هى جنازة مؤجلة؟
الكتابة عندى هى عن استمرار الحياة. هذا شعب ينتمى للمواليد الجُدُد، أما جنازاتنا، فينطبق عليها قول الشاعر الكبير توفيق زياد «ادفنوا أمواتكم وانهضوا». هذا ما يفعله الفلسطيني.
 
< إذا كانت جروح الذاكرة لا تندمل فهل الكتابة عنها تعد طقسا من طقوس التطهر أم تكرار لنفس الجراح، وفى رأيك هل نكتب لنشفى أم لأننا نرفض أن نشفى قبل أن يشفى الوطن؟
الكتابة عملية مركبة بالتأكيد، يختلط فيها العام الوطنى بالخاص الإنسانى، بالوجود البشرى، لأن كل كتابة عن فلسطين معنية بالعالم أيضا وتدافع عنه، وتدرك أنه كلما كان العالم أفضل تكون فلسطين أقرب إلى حريتها.
 
< ماذا صنعت بك جملة بن جوريون: «سيموت كبارهم وينسى صغارهم»؟
كانت جملة مؤثرة جدا، فى البدايات، لكن تأثيرها زال فيما بعد، فذاكرة الأطفال الفلسطينيين، لحسن الحظ أقوى من ذاكرة آبائهم.
 
< هل تحققت نبوءتك التى قلت عنها إذا ما أراد الغرب أن يفهمنا حقا فإن عليه أن يكف عن الاستماع إلى نفسه، وأن يتركنا نتحدث بصدق عما يحدث فينا وأن يتقبل حقيقة قول الصدق حتى وإن لم يأخذ بها فى النهاية؟
هذا القول ورد فى كتابى «السيرة الطائرة» وفيه تجربتى فى السفر خلال 25 عاما، من خلال اللقاءات الأدبية فى كثير من دول العالم. اليوم أرى أن شيئا كبيرا تغيّر، وهو شيء كنا بحاجة إليه جميعا فى فلسطين والعالم العربى، ولا أبالغ إذا قلت فى العالم الثالث أيضا. اليوم أصبحت هناك مساحة أوسع لتقبّل السردية الفلسطينية للتاريخ، وبالتالى تقبُّل للأدب الفلسطينى، والذاكرة الفلسطينية. فى هذا الكتاب كتبت أيضا أننا كنا ممنوعين من أن نتذكّر «إذا أراد الكاتب الإسرائيلى أن يصل إلى العالم، فإن عليه أن يتذكر، أما إذا أراد الكاتب الفلسطينى أن يصل إلى العالم، فإن عليه أن ينسى». هذه القاعدة التى كانت سائدة منذ عشرين عاما تفككت، حين أصرّ الفلسطينى على التمسك بذاكرته.
 
< لماذا وصف النقاد روايتك «زمن الخيول البيضاء» بالإلياذة الفلسطينية؟
أطلق هذا الوصف على هذه الرواية، وعلى «قناديل ملك الجليل» وغيرهما، نقاد عرب، وأطلقه نقاد أجانب، ووضعته دار النشر الإسبانية الكبيرة «عالم الأدب» على غلاف الرواية. العالم يجد الأوصاف، الناقد والقارئ، لذا، من الصعب عليّ كصاحب للعمل أن أفسّر هذا.
 
< هناك تساؤل أثار جدلا كبيرا بين النقاد حول وصفك لمشروعك الروائى «بالملهاة» الفلسطينية وتجنبك استخدام لفظ «المأساة» ما دلالة اللفظين من حيث المعنى والمضمون بالنسبة لك؟
سمعت هذا كثيرا، والسبب أن ظلال «الملهاة» فى اللغة العربية متعددة ورائعة، وهى لا تعنى الكوميديا، أما «المأساة» فهى ذلك العمل الذى ينتهى بموت أبطاله، والحكاية الفلسطينية ليست كذلك.
 
< فى عام 2011 صدرت روايتك «قناديل ملك الجليل» والتى ترجمت إلى الإنجليزية تناولت فيها مناطق شبه مجهولة تاريخيا وغير مأهولة أدبيا فى التاريخ العربى عامة والفلسطينى خاصة لماذا هذه الفترة بالتحديد؟
- لأنها كما أشرتَ، فترة مجهولة، أما الأهم فهى فترة عظيمة، فقد شهدت تجربة كبرى لتأسيس أول كيان فلسطينى، كان له علاقاته التجارية والعسكرية والزراعية مع مصر ولبنان، وسوريا، وروسيا القيصرية، وفرنسا وبريطانيا.
 
< ماذا قصدت بقولك: «المعاناة وحدها لا تنتصر، والقضايا العادلة وحدها لا تنتصر»؟
لأن القضايا العادلة بحاجة للدفاع عنها، والوقوف إلى جانبها؛ لننظر إلى عدالة قضايا السكان الأصليين فى أمريكا وأستراليا ونيوزيلندا، وغيرها. إنها عادلة لكنها وقفت وحيدة أما غزو أوروبى فتاك، فكانت هذه النهايات الحزينة.
 
< كيف تحمى الرواية كاتبها من خطر الأنظمة المستبدة؟
هذا القول وضع ذات يوم عنوانا لحوار معى، وهو عنوان مُخترع لم يرِد فى إجاباتى، فلا أحد يحمى الكاتب أمام سطوة الأنظمة المستبدة، وتاريخنا الحديث ممتلئ بالنماذج التى سُحق فيها الكتاب بكل الوسائل.
 
< قلت ذات مرة:  نحن نقف مع فلسطين لا لأننا فلسطينيون أو عرب بل نقف معها لأنها امتحان يومى لضمير العالم” من وجهة نظرك من نجح فى الامتحان ومن رسب؟
ورد هذا فى أول حوار صحفى مع، وكنت فى الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين من عمري. هكذا أصبح عمر هذه الجملة 45 عاما. إذا أردت أن أكون واضحا فإن العالم العربى والإسلامى لم يكونا فى العامين الأخيرين بمستوى يقظة العالم فى كثير من مناطقه، ولا بمستوى يقظة 4500 سينمائى عالمى أعلنوا مواقفهم بوضوح. لكن ما سيغير كل الأشياء هو أن تكون يقظتنا ويقظة المؤثرين منا أكثر اتساعا.
 
< لماذا أرهقتك روايتك «حرب الكلب الثانية» للدرجة التى جعلتك تتمنى ألا تكتب مثلها، أو أن يتحقق ما فيها من نبوءات؟
بعض الأعمال تكون مُضنية أكثر من غيرها للكاتب، ربما الموضوع يلعب دورا مهما، لقد سبق لى أن هجرتُ الشعر خمس سنوات بعد ديوان «مرايا الملائكة» الذى يحكى سيرة طفلة شهيدة عمرها أربعة أشهر قتلتها قذيفة دبابة إسرائيلية فى غزة لأن الكتابة كانت قاسية عليّ. عالم “حرب الكلب الثانية” والدمار البشرى ترك هذا الأثر أيضا.
 
< ماذا كنت تقصد عندما قلت:”ما يحزننى هو الفقر اللغوى فى كثير من الروايات، وعدم إدراك المسافة بين اللغة الإنشائية واللغة الشعرية”، عن أى فقر لغوى كنت تشير؟
نحن نقول عن بعض النصوص “إنها صف حكي” أى لا تقول شيئا ولا توحى بشيء ولا جمال فيها. هذا ما أقصده.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام