رئيس مجلس الإدارة:
د.محمد فايز فرحات
رئيس التحرير:
جمال الكشكي
الأربعاء 21 يناير 2026
نحن والعالم
حياة الناس
سوق ومال
فنون وفضائيات
مقالات
ثقافة
فجر الضمير
المزيد
وجوه عبر الزمن
رياضة
الملفات
أرشيف المجلة
أول الأسبوع
منوعات
Business Leaders
دائرة الحوار
ثقافة
هوس اقتناء الكتب.. هذا المرض الجميل
18-12-2025
|
16:04
⢴ مصطفى عبادة
صاغ جون فيريار الطبيب فى مستشفى مانشستر الملكى مصطلح «هوس جمع الكتب» فى قصيدة أهداها لصديقه ريتشارد هيبر عام 1809
الإسكندر الأكبر وبترارك وكاثرين العظيمة آرون لانسكى من أعظم جامعى الكتب فى العالم
عادة ما يركز هواة الجمع على الطبعات الأولى للكتب وصولاً إلى كل ما أبدعه مؤلف أو مجموعة مؤلفين
جمع ستيفن كارى بلومبرج مجموعة من الكتب فى منزله قدرت قيمتها بنحو 20 مليون دولار كانت المجموعة عبارة عن مواد مسروقة من مكتبات من جميع أنحاء البلاد
فى مطلع القرن العشرين أخبر أحد علماء شكسبير إحدى بناته الثلاث أن جمع كتب الأطفال «قد يكون هواية صغيرة ممتعة للنساء» فانطوت روث بالدوين على نفسها وجمعت مكتبةً تضم 100 ألف مجلد
كذلك الكتب تملك روحا: لم أفهم أبدا السر الذى يجعلنى أرتجف إذا رأيت كتابا جديدا، أو ذلك الهوس الذى يعبر عن نفسه بوضوح حين أدخل مكتبة، وحين أرى رفوف الكتب، ويحضرنى دائما ذلك المصير الذى كان ينتظرنى، لو لم أدخل هذا العالم، كيف نزع منى القسوة والجهامة، وأخطأت نهاية قاطع طريق، بدأت تتكون فى شخصيتى بنزوع فطرى، كجزء من محيط وحيوات بلا هدف، مقادة بالطبيعة، وغريزة البقاء.. كتاب جديد يصعب مقاومته، غلاف جميل، اسم مؤلف مفضل، مقدمة شيقة، أو حتى وعد بالراحة فى يوم كئيب - كلها تغرينا، ومع ذلك، ينتهى الأمر بالعديد من هذه الكتب، بأن تنتظر قراءتها إلى أجل غير مسمى، تُعرف هذه العادة المتمثلة فى جمع الكتب دون قراءتها باسم: تسوندوكو، وهو مصطلح يابانى يُترجم إلى فن تكديس الكتب، الكلمة صاغها الكاتب مورى سينزو لوصف مُعلّم يمتلك مكتبة كبيرة، لكنه نادرًا ما يقرأ منها، مع مرور الوقت، فقدت» تسوندوكو» دلالاتها السلبية، أصبحت الآن ظاهرة معروفة عالميًا، وانتشرت خارج اليابان.
الكاتب الكندى أنطوان ويلسون يحتفي بهذا «التسوندوكو» قائلا: فى الآونة الأخيرة، كنت أستمتع بمتعة معينة توفرها التسوندوكو، سحب كتاب من منتصف كومة، وقراءة فصل واحد، أو قصة، أو فقرة، ووضعه فى الأعلى، حيث سيجد نفسه قريبًا مغطى بكتاب آخر - ربما تم شراؤه حديثًا - فى انتظار اليوم الذى أكتشفه فيه مرة أخرى، وأحرره، وأفتحه لمواصلة ما توقفت عنده .”نحن نشترى كتبًا لا نقرأها، لأن من طبيعة الإنسان أن يحلم أحلاماً كبيرة ويتصرف بناءً على دوافعه، وهناك العديد من العادات والاحتياجات التى تجعلنا نمارس «التسوندوكو»، هناك اندفاعٌ من الدوبامين الذى يرتبط بشراء شيء جديد، وفى المكتبة، يمتزج هذا الاندفاع بإثارة الاكتشاف والمتعة الجمالية للأغلفة الجميلة والصفحات الناعمة، وغالبًا ما نشعر بإلحاح الكتب فى اللحظة الراهنة: إصدار جديد، أو توصية، أو تخفيض قد يُقلقنا من فوات الفرصة إن لم نشتر الكتاب حالا، هذا قد يدفعنا إلى عمليات شراء اندفاعية، حتى مع وجود كومة منها فى المنزل.
صاغ جون فيريار، الطبيب فى مستشفى مانشستر الملكى، مصطلح «هوس جمع الكتب» فى قصيدة أهداها لصديقه ريتشارد هيبر عام 1809، وشاع استخدام هذا المصطلح طوال القرن التاسع عشر لوصف هوس جمع الكتب، ومن المشهور على نطاق واسع، بين محبى وعشاق والمجانين بالكتب، تلك المعركة، التى اتخذت شكل مزايدة حامية الوطيس على رواية «ديكاميرونى» لجيوفانى بوكاتشيو، بين اللورد سبنسر، وماركيز بلاندفورد عام 1812، والتى انتهت بسعر باهظ بلغ 2260 جنيهًا إسترلينيًا، هذه المعركة – المزايدة، تُمثل اللحظة المحورية والمُحددة فيما عُرف بـ «هوس جمع الكتب»، ومنذ تلك اللحظة، ازدهرت الكتابات المتعلقة بظاهرة جمع الكتب، والهوس بها، وظهرت فى ذلك نظريات كثيرة، وتفسيرات متعددة، مثل أن هوس جمع الكتب بدأ لدى الطبقات العليا فى القرن التاسع عشر بشكل متفائل، سعيا إلى إنقاذ التاريخ الأدبى والثقافى للأمة، إلى وجهة نظر أكثر تشاؤماً، حول «شراهة الكتب» وأصحاب هذا التفسير يرون أن جامعى الكتب “يحافظون على التعلم ... تحت ضغط رغبة قهرية، وعلى الرغم من أنفسهم تقريباً”.
من الأعمال الرائدة فى مجال هوس الكتب كتاب القس توماس فروجنال ديبدين هوس الكتب أو جنون الكتب 1811 كتب الكتاب على شكل سلسلة من الحوارات حول جمع الكتب، ويقدم شرحًا ساخرًا لمرض هوس الكتب وأعراضه وعلاجاته المحتملة.
وفى القرن العشرين، نشر هولبروك جاكسون، الصحفى البريطانى وعاشق الكتب المتحمّس، عددًا من مجموعات المقالات التى أشادت بفضائل الكتب والقراءة، وتمتلك مكتبة جامعة إلينوى الخاصة نسخة من كتاب تشريح هوس الكتب (1930) و متعة بائع الكتب: ترفيه لعشاق الكتب،” (1945) يستكشف كتاب «تشريح هوس الكتب» أسئلة تشغل بال جميع محبى الكتب وجامعيها، مثل «فن القراءة» و«استخدامات الكتب» و«كيف يغزو بائعو الكتب الزمن«.
لم يقتصر الحديث عن هوس جمع الكتب والقراءة على بريطانيا وحدها، ففى الولايات المتحدة، نشر يوجين فيلد، وهو صحفى أيضاً، كتاب» علاقات غرامية لعاشق للكتب» عام 1896، والذى أصبح جزءاً من مجموعة الكتب التى تتناول هذا الموضوع، الذى يستهوى ويسيطر على الكثيرين.
لعلّ كتاب «أفراح وأحزان جامع الكتب» للكاتب لوثر أ. بروير، وهو كتاب فريد من نوعه يتناول جمع الكتب من مكتبة جامعة إلينوى الخاصة، هو الأكثر تميزاً، وهو مقال كتبه بروير عن هوايته, جمع الكتب، لكن ما يجعل هذا العمل مثيراً للاهتمام، هو أنه لم يكن مخصصًا للاستهلاك المحلى أو الدولى، طبع كتاب “أفراح وأحزان جامع الكتب” بشكل خاص فى سيدار رابيدز، أيوا، وأُهدى إلى أصدقائه فى عيد الميلاد عام 1928.
استمر الحديث عن جمع الكتب لأكثر من مائتى عام، لماذا يستمر هذا الحديث؟ ربما يعود ذلك إلى الرمزية المنسوبة إلى الكتب: فعدد الكتب على الرفوف يتناسب طردياً مع قيمة المعرفة والتعلم، ربما يكون عدد الكتب مساوياً لذكاء الجامع، أو ربما يكون امتلاء الرفوف أمرًا طموحًا، يُظهر تصفح فهرس هذه الأعمال التأسيسية عن هوس جمع الكتب المسارات المتنوعة التى يسلكها جامعو الكتب، سواء كانوا يجمعون بدافع حب المعرفة، أم تقدير القطع الأثرية، أم الحفاظ على النصوص، أم الغرور، يستمتع جامعو الكتب بممارسة التفكير العميق فى أسباب جمعهم للكتب، ومهما كان السبب، يواصل النقاد والمؤلفون التعمق فى معنى أن تكون جامعًا للكتب، وما إذا كان هذا الميل دليلًا على هوس الكتب أم لا.
مزاد روكسبيرج
فى سبتمبر من عام 2019، كتب مارك بورسيل نائب مدير مكتبة جامعة كامبريدج، وأمين المكتبات السابق لمؤسسة التراث الوطنى، مقالا بعنوان: “مرض الكتاب”، عن هوس القراءة”، وسيقف فيه أيضا أمام المزاد الشهير: مزاد «روكسبيرج»، ومارك بورسيل خلافا للورين يونج، ولورين بيرى، يأتى بتفاصيل مهمة جدا ومشوقة عن هذا المزاد، ويردها كما كتبها “ديبدين” نفسه قال فيه:
كان شغف القراءة فى أوائل القرن التاسع عشر حدثًا غريبًا، لكن عواقبه كانت طويلة الأمد، بلغ ذروته فى المزاد الشهير لمكتبة دوق روكسبيرج الثالث، الذى أدار المزاد روبرت هاردينج إيفانز، والذى عُقد فى قاعة طعام منزل روكسبيرج فى ساحة سانت جيمس فى يونيو 1812، بحلول ذلك الوقت، كان الدوق قد توفى، منذ ما يقرب من عقد من الزمان، ظنّت الشائعات المعاصرة أنه كان رجلًا خجولًا ومنعزلًا، لجأ إلى جمع الكتب بعد أن خاب أمله فى الحب.
ارتفعت أسعار الكتب القديمة إلى مستويات غير مسبوقة على مدى السنوات العشرين الماضية، لكن القراء مع ذلك فغروا أفواههم حيث دفع هواة الجمع الأرستقراطيون المتنوعون ووكلاؤهم المزايدة إلى أعلى من أى وقت مضى، وبيعت كتب روكسبرج واحدة تلو الأخرى بأسعار مذهلة، جذبت كتب كاكستون الخمسة عشر اهتمامًا خاصًا، وطاردها إيرل سبنسر الثانى، المعروف بأنه أعظم جامع كتب بريطانى فى ذلك العصر، بتصميم خاص، بلغت اللحظة الحاسمة مع بيع ما يسمى بـ «البوكاتشيو»، وهى نسخة روكسبرج من الطبعة الأميرية من ديكاميرون التى طبعها كريستوف فالدارفر فى البندقية عام 1471، وهى نسخة كان يُعتقد آنذاك أنها فريدة من نوعها، وقد وصفها أمين مكتبة سبنسر القس توماس فروجنال ديبدين بعدم منطقية (ولكن مميزة) بأنها “أندر كتاب موجود”، لم يشعر الحاضرون بخيبة أمل من المشهد الذى تلا ذلك.
كان من المعروف أن المتنافسين الرئيسيين كانوا على الأرجح سبنسر، ماركيز بلاندفورد، ودوق ديفونشاير السادس البالغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، والذى ورث لقب الدوق قبل أقل من عام، لم يستطع ديبدين مقاومة وصف المنافسة بأنها بطولة فروسية، وروايته مليئة بالحديث عن الأبطال، وفؤوس المعارك، والضربات، والمناوشات، والأكثر إثارة للقلق أنه(وقع بيع روكسبرج قبل أيام قليلة من زحف جيش نابليون الكبير إلى روسيا)، إن رواية ديبدين مليئة أيضاً بالإشارات إلى الجنرالات، والبنادق، وسفك الدماء، بعد الغزوات الأولية للمتنافسين الأقل شأناً، تُرك المجال مفتوحًا للثلاثة الكبار، و «وقف الأبطال المذكورون بشجاعة فى وجه بعضهم البعض، مصممين على عدم التراجع عن اختبار قدراتهم»، ثم اتخذت الأحداث منعطفاً دراماتيكياً، كما وصفه ديبدين:
عرض إيرل سبنسر «ألف جنيه» - وأضاف إليها الماركيز (بلاندفورد) «عشرة»، ربما سمعت صوت دبوس يسقط، تحولت جميع العيون - وكاد الجميع أن يتوقفوا عن التنفس، وُضع كل سيف فى غمده - ولم تُرَ أى قطعة من الفولاذ تتحرك أو تلمع إلا تلك التى كان كل من هؤلاء الأبطال يلوح بها فى يده الشجاعة، انظر، إنهم يتصدون، وينقضون، ويضربون: ومع ذلك لم تتضاءل قوتهم، ولا يفكر أى منهم فى الاستسلام، «عرض الماركيز ألفى جنيه»، ثم بدأ إيرل سبنسر، كجنرال حكيم، يفكر فى سكب وإنفاق ذخيرة لا طائل من ورائها - إذ رأى أن خصمه كان حازماً و«مستعداً» فى البداية، توقف لربع دقيقة: عندما تقدم اللورد ألثورب [ابن سبنسر] خطوة واحدة إلى الأمام، كما لو كان يزود والده برمح آخر لغرض تجديد المسابقة، تميزت ملامحه بتصميم ثابت على الفوز بالجائزة - إذا لم تأمره الحكمة فى شكلها الأكثر هيمنة، وبعبوس شديد التعبير بشكل غير عادى، بالكف، تحدث الأب والابن لبضع ثوانٍ منفصلة؛ واستؤنفت المزايدات، قال اللورد سبنسر “ألفان ومائتان وخمسون جنيهًا”! أصبح المتفرجون الآن مكهربين تمامًا، أضاف الماركيز بهدوء “عشرة” كالمعتاد، وهناك نهاية المسابقة! توقف السيد إيفانز بعمق قبل أن تسقط مطرقته - وفى الواقع، كما لو كان الأمر خارقاً للطبيعة، بدت الأداة الأبنوسية نفسها، وكأنها مسحورة أو معلقة «فى منتصف الهواء»، ومع ذلك، سقطت المطرقة أخيراً.
سخر المتشككون عندما انتشر خبر البيع، وخلصت صحيفة التايمز إلى أنه «طريقة خاطئة للأسف للدلالة على حب المعرفة، بعرض أسعار باهظة لطبعات نادرة أو قديمة»، حتى ديبدين، ربما انعكاساً لخيبة أمل راعيه سبنسر، كان مستعدًا للاعتراف بأن «التوقعات التى تشكلت بشأن السعر المحتمل لبيع الكتاب كانت مبالغاً فيها، ولكنها لم تكن مبالغاً فيها بقدر السعر نفسه الذى اتضح لاحقاً».
عندما يتعلق الأمر بتفسير سبب ممارسة هوس الكتب لهذه الجاذبية التى مارسها، فمن السهل جداً الانجراف إلى علم النفس الزائف، وبينما يكون هذا مسليًا فى بعض الأحيان، إلا أنه فى النهاية غير مجد أيضاً، سواء كانت موضة عابرة، أم اضطراباً نفسياً اجتماعياً، أم إدماناً، أم مجرد مظهر آخر من مظاهر الإفراط الأرستقراطى، فإن هوس الكتب بجميع مظاهره المختلفة كان ظاهرة واسعة الانتشار بشكل ملحوظ، كان عدد المهووسين بالكتب حقاً قليلاً، لكن جوانب من نهجهم فى الجمع لا تزال مؤثرة بعد مائتى عام، وإذا كانت ردود الفعل على هوس الكتب تتراوح عموماً بين المتشككة والعدائية، فمن الواضح أن أنشطة المهووسين بالكتب يمكن رفضها بسهولة باعتبارها جمعًا جاهلًا للجوائز، يقوم به أثرياء للغاية وكسالى للغاية، على سبيل المثال، كان اللورد سبنسر يعرف بوضوح كيفية تجميع كتاب مطبوع مبكراً، بينما تشير قائمة الألدينيين فى مكتبة سبنسريانا، المكتوبة بخط يده، إلى فهم أكثر من سطحى للمجموعة، يظهر انطباع مماثل من كتالوجات كتب ماسترمان سايكس فى سليدمير، ففى عام 1910، أكد إيرل كروفورد السادس والعشرون أن والده، إيرل كروفورد الخامس والعشرين، أحد أبرز جامعى الكتب فى العصر الفيكتورى، لم يكن “راضيًا بمجرد امتلاك” الكتب، بل كان “يقرأ ويستوعب ما يشتريه، فينعم بذاكرة رائعة، ويكتسب معرفة موسوعية تتزايد باستمرار ولا تُنسى أبدًا”، حتى اللورد بلاندفورد المُبذر قد يُنظر إليه بسهولة على أنه مُغفل مُبذر، فتركيبة مكتبته المُنتشرة منذ زمن طويل، ومراسلات بلاندفورد مع هواة جمع الكتب الآخرين، تُشير إلى تفاعل أكثر دقة ووضوحًا بين الجامع وهواة جمع الكتب مما كان يُعتقد سابقًا، وأخيرا، هناك حقيقة بسيطة، وهى أن هوس القراءة أدى إلى بقاء كتب ربما كانت عابرة، أو غير معقولة، أو ببساطة قذرة وغير جذابة، والتى تحظى الآن بتقدير كبير، ولكنها ربما لم تكن لتنجو على الإطلاق لو لم يقرر مهووسو القراءة، لأسباب خاصة بهم، أن يعشقوها.
سرد ديبدين ثمانية أعراض رئيسية لهوس القراءة، وعلى الرغم من أنها فى ظاهرها مسرحية هزلية ساخرة تتناول نقاط ضعف معاصريه، كغيرها من المسرحيات الهزلية السابقة واللاحقة، إلا أنها كانت بمثابة دافع للآخرين ودليل إرشادى لمن يرغب فى الانضمام إلى هذه المجموعة ولكنه لا يعرف تمامًا ما يجب فعله، العديد من جوانب تشخيص ديبدين واضحة لأى جامع معاصر، مسلطًا الضوء على مواضيع واهتمامات لا تزال موجودة بسهولة فى كتالوج أى مكتبة، كما لفت ديبدين الانتباه إلى الكتب المخصصة للتوزيع الخاص، والكتب التى تصدرها الصحافة الخاصة، والرغبة فى اقتناء الكتب المحكوم عليها أو المقموعة، والرغبة الشديدة فى جمع كل طبعات عمل معين، وتجميع كتب ضخمة وكبيرة الحجم بشكل غير عادى، لا تعد كل هذه الأذواق سائدة فى ثقافة القراءة المعاصرة، ولكن العديد منها عبارة عن توجهات يمكن التعرف عليها بسهولة اليوم.
أنكى جودا
حارس المعرفة الذى أهدى الهند مكتبة تضم مليونى كتاب
فى زمن تتقلص فيه المكتبات وتُعتبر المعرفة امتيازًا، أظهر أنكى جودا، البالغ من العمر 75 عاماً من قرية هارالاهالى قرب ميسورو، كارناتاكا، للعالم ما يمكن أن يُبنى عليه الشغف الحقيقى، ما بدأ كحب للقراءة لدى شابّ تحوّل اليوم إلى واحدة من أكبر المكتبات الشخصية المجانية فى الهند - بما يقارب مليونى كتاب!
رحلته مُلهمة بكل معنى الكلمة، فى العشرين من عمره، وبينما كان يعمل سائق حافلة، ويسعى للحصول على درجة الماجستير فى الأدب الكانادى، بدأ أنكى جودا بجمع الكتب، كل روبية فائضة لديه، أنفقها لشراء مجلد جديد، وعندما لم يكفِه ذلك، باع ممتلكاته فى ميسورو ليواصل تحقيق حلمه، ما اعتبره الآخرون جنونًا، اعتبره هو رسالةً سامية: إتاحة المعرفة للجميع، بغض النظر عن الثروة أو المكانة الاجتماعية.
واليوم، تقف مكتبته كنصب تذكارى حى للتضحية والرؤية، حيث تضم:
20 مليون كتاب فى مختلف المواضيع والأنواع
5 آلاف طبعة أجنبية نادرة
أكثر من 5 آلاف قاموس بلغات متعددة
أصبحت هارالاهالى، وهى قرية صغيرة بالقرب من باندافابورا فى ولاية كارناتاكا، وجهة مفضلة للباحثين والطلاب والكتاب، وكل ذلك بفضل أنكى جودا البالغ من العمر75 عاما، قال جودا عن مكتبته: “يزورنى الباحثون والطلاب بشكل رئيسى، حتى الطامحون للخدمة المدنية وقضاة المحكمة العليا يأتون للرجوع إلى الكتب هنا.
ستيفن بلومبرج
اللص الذى سرق كتبًا نادرة تقدر قيمتها بحوالى مليونَى دولار
فى عالم الكتب النادرة، تتعدد القصص عن اللصوص الذين يسعون لسرقة الكتب الثمينة، لكن قصة ستيفن بلومبرج، هى واحدة من أكثر القصص إثارة وغرابة، بلومبرج كان يسرق كتبًا نادرة للغاية، بعضها يعود إلى القرون الوسطى، وتحمل قيمة تاريخية وثقافية ضخمة، هذا النوع من الجرائم عادة ما يكون مدفوعًا بالمال، ولكن بلومبرج كان مدفوعًا بشغف حقيقى للكتب، على الرغم من ذلك، كانت جريمته واحدة من أكثر الجرائم الأدبية تعقيدًا.
نشأ بلومبرج فى بيئة كانت فيها الكتب جزءاً مهمًا من حياته، فتكون لديه شغف بالكتب النادرة والمخطوطات القديمة، وكان يعتبرها أكثر من مجرد ممتلكات مادية، بالنسبة له، كانت الكتب، تراثاً ثقافياً،ولكن هذا الشغف تحول فى نهاية المطاف إلى دافع إجرامي.
أظهر بلومبرج اهتمامًا خاصًا بالكتب القديمة والمخطوطات التى تعود إلى فترات تاريخية معينة، مثل العصور الوسطى وعصر النهضة، كان يقرأ بعمق حول تاريخ الكتب وطريقة طباعتها واستخدامات الحبر القديم، وكان يعرف بالضبط ما هى الكتب التى تساوى الكثير من المال، بدأ بلومبرج فى سرقة الكتب منذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حيث بدأ يستهدف المكتبات الجامعية والمكتبات الخاصة، التى تحتوى على مجموعات نادرة، من خلال عمله كمتخصص فى الكتب، كان بلومبرج قادرًا على تحديد الكتب الأكثر قيمة فى هذه المكتبات، بفضل معرفته العميقة بالطباعة والنصوص القديمة، كان يميز بين الكتب الأصلية والنسخ المقلدة أو الحديثة بسهولة، واتبع فى السرقة أسلوبا دقيقًا ومدروسًا، غالبًا ما كان يتسلل إلى المكتبات والمزادات فى أوقات متأخرة من الليل أو فى ساعات غير مزدحمة، مما يسمح له بتجنب الأنظار، كان يستخدم تقنيات متطورة لإخفاء الكتب المسروقة، مثل إخفائها فى حقائب كبيرة، أو تحت ملابسه فى بعض الحالات، كان يسرق الكتب ثم يقوم بإخفائها فى مستودعات أو أماكن غير معروفة فى مدينته، حيث كان يحتفظ بها بعناية ويبدأ فى البحث عن طرق لبيعها، وكان بلومبرج مهووسًا بالقيمة التاريخية للكتب لكنه لم يتردد فى بيعها لتحقيق ربح سريع. بدأ بيع الكتب المسروقة للمجموعات الخاصة وللتجار الذين يتعاملون فى الكتب النادرة، بعض الكتب المسروقة كانت تصل قيمتها إلى مئات الآلاف من الدولارات.
فى عام 1997 بدأت السلطات الأمريكية التحقيق فى مجموعة من السرقات المتعلقة بالكتب النادرة، كانت تلك الكتب تتراوح ما بين المخطوطات القديمة، والمطبوعات الأولى لأشهر الكتب العالمية، مثل الإنجيل بطبعات مختلفة وقديمة، كتب تعود إلى العصور الوسطى، وكتب علمية وثقافية.
التحقيق بدأ عندما أبلغت العديد من الجامعات والمكتبات الكبرى عن اختفاء بعض الكتب النادرة، لم يكن هناك نمط واضح للسرقات، ما جعل المحققين يشكون فى أن هناك شخصاً واحداً يقف وراء السرقات، تم تعقب العديد من السرقات إلى مكتبة جامعة كاليفورنيا،حيث تم اكتشاف أن الكتب المسروقة تم بيعها بعد ذلك إلى جامعى الكتب الخاصة، ثم بدأ المحققون فى ربط سرقات بلومبرج، بعد اكتشاف أنه كان فى مواقع السرقة فى الأوقات التى تم فيها فقدان الكتب، فى النهاية، تم العثور على مخزن سرى فى منزله، حيث كان يخفى آلاف الكتب، عندما تم القبض على “ستيفن بلومبرج”، صُدم الجميع من حجم الجريمة التى ارتكبها، أكثر من 23,000 كتاب نادر تم العثور عليها فى مخازنه الخاصة، بعض الكتب كانت تعود إلى القرون الوسطى، وكانت تحتوى على توقيعات من مؤلفين تاريخيين، بينما كانت كتب أخرى تعد من أوائل النسخ المطبوعة التى لا تقدر بثمن، كانت القيمة الإجمالية للكتب المسروقة تُقدّر بحوالى مليونَى دولار، وهو ما جعل القضية واحدة من أعظم الجرائم الأدبية فى التاريخ الأمريكي.
فى المحكمة، اعترف بلومبرج بجرائمه، وشرح كيف بدأ فى سرقة الكتب بسبب شغفه العميق بها، ومع ذلك، أقر القاضى بأن ذلك لا يبرر الجريمة، وأن الكتب المسروقة لها أهمية ثقافية وتاريخية عميقة، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات، وكان عليه أيضًا إعادة معظم الكتب إلى المكتبات والجامعات المتضررة، وفى الوقت الذى ظن فيه البعض أن قضيته أغلقت فقد أدى نشر تفاصيلها إلى جذب الانتباه الدولى، وأصبحت تدرس فى الجامعات كدراسة حالة فى الجرائم الأدبية.
قصة بلومبرج تسلط الضوء على الغرائب فى عالم الكتب النادرة، وكيف يمكن أن تكون الجريمة جزءًا من شغف غير صحى بالتراث الثقافى، على الرغم من أن بلومبرج كان يبدو كشخص يعرف قيمة الكتب ويحترمها، فإن شغفه بها دفعه إلى ارتكاب جريمة تؤثر على التاريخ الثقافى للبشرية، أظهرت القضية أيضا أهمية حماية الكتب النادرة، والمخطوطات فى المكتبات والمجموعات الخاصة، ودفعت الجامعات والمكتبات إلى مزيد من الوعى حول كيفية حماية التراث الثقافى الخاص بها من الأشخاص الذين قد يستخدمون المعرفة كوسيلة لتحقيق مكاسب غير قانونية
رابط دائم
اضف تعليقك
الاسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
الاكثر قراءة
نجيب محفوظ ومحيى الدين اللباد شخصيتا المعرض رومانيا ضيف شرف هذه الدورة
حرية الرأى والتعبير .. تاريخ فكرة خطرة.. نهاية لعبة فاشلة
أحمد اللباد بعد اختيار والده شخصية معرض الطفل: أبى سيظل ملهما لأبناء المهنة والقراء
اعلى
< li>
نحن والعالم
< li>
حياة الناس
< li>
سوق ومال
< li>
فنون وفضائيات
< li>
مقالات
< li>
ثقافة
< li>
فجر الضمير
< li>
وجوه عبر الزمن
< li>
رياضة
< li>
الملفات
< li>
أرشيف المجلة
< li>
أول الأسبوع
< li>
منوعات
< li>
Business Leaders
< li>
دائرة الحوار
جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام