مقالات



‫إلى ما لا نهاية (2)‬

18-12-2025 | 18:30
د. إيمان طاهر

فى ظل كل هذا العنف والدموية التى تحيط بالإنسان المعاصر، قد يتساءل الكثيرون من أين يأتى هذا التوحش الإنسانى؟ وهنا سنجد نزعة طبيعية لدى البشر نحو العنف، فمنذ وجود الإنسان على الأرض، مارس البشر ضد بعضهم بعضا أشكالا عديدة من العنف أثناء كفاحهم للبقاء قد يكون فعلا للإقرار بكرامته، أو قيمته الذاتية المفقودة، أو سعيا وراء موراد مادية أو طبيعية خاصة فى طبائع أفراد بعينها، تعانى فقدان الثقة بأنفسها ولا يمكنها الإدراك أو الرؤية من ظلامها النفسى من التمتع بمكانتها، إلا إذا تدنت مكانة الآخرين أمامها، نعم تلك طبيعة بشرية، لكنها شاذة.
 
وكنتيجة طبيعية لتوسع وتجاوز نظاق المادية فى التحكم بمصائر وسلوكيات البشر أخيرًا، تحولت المجتمعات لنماذج ذهنية، لرؤية الواقع من خلال تجريدات مثل المصالح الاقتصادية الذاتية، واشتدت حروب الطبقات الاجتماعية وتبدلت المعتقدات الدينية، كنموذج ذهنى مطمئن للنفس الإنسانية السوية إلى قوى غير قابلة للملاحظة أو الإيمان والثقة، كل هذا أثر بشكل كبير للغاية على سلوكيات البشر فى تعاملاتهم مع بعضهم بعضا أو مع بيئتهم، وليس التطور السياسى أو حكم القانون هو وحده المسئول عن ارتقاء أى دولة، بل هناك جوانب أخرى بمفاهيمها الأوسع للتطور الاجتماعى الاقتصادى البشرى، وهناك أسئلة عديدة تطرح بلا توقف، يقدمها علماء الاجتماع والاقتصاد، حول محاولات قياس مستويات السعادة والرضا لدى البشر، هل ترتكز على المال وحده؟ الصحة؟ النزاهة والتوزيع العادل؟ أم توفر كل تلك العناصر معا وأخرى؟
 
والحقيقة أن النمو الاقتصادى والتحشيد المجتمعى والأفكار المتطورة، هى إلى حد كبير روابط أساسية وسببية تغير من شكل المجتمعات واستقرارها، فمن خلال التحشيد المجتمعى، تتغير السياسات وتدخل الأفكار وتتنوع، فتفتح مجالات اقتصادية، بمعنى أنه إذا نجحت فكرة ما فى جزء من العالم وطبقها طرف آخر قد تحدث تطورًا، مثل التقنيات الحديثة من وسائل التواصل، التى شكلت نوعا جديدا من التحشيد، فالتطور الاقتصادى هنا أنتج تحشيدا تجاه فكر جديد، لذلك يجب أن تماثل طاقة المؤسسات القائمة ذات التطور لاستيعاب التطورات والمطالب الجديدة، وإذا ما استطاعت ستتقدم بطريقة متناسقة مع مجتمعها، أما إذا لم تشارك مجتمعاتها ذات الفكر انهار النظام السياسى، وقاد لحالة عدم استقرار ونزاعات وعنف وفقر، من هنا تتحول إلى دولة فاشلة هشة وتنهار مجتمعاتها.
 
إذن كيف تصل الدول لحالة منتجة وقادرة إداريا على تحقيق ذلك التوازن والاستقرار، سواء الاقتصادى أم المجتمعى؟ يعتبر إصلاح القطاعات العامة المحطمة أولى الخطوات الناجحة، وزيادة الشفافية والمحاسبة ومطاردة الفساد عبر قوانين تلائم التغييرات الاقتصادية والأخلاقية، وهذا لن يتحقق إلا عبر حكومات فاعلة تجمع بين القدرة والاستقلالية، فكل حكومة تحتاج لموارد بشرية ومالية، بالإضافة لرأسمال تنظيمى، وكلها تحتاج لتوزيع السلطات ليستطيع التلائم مع بيئاتها والتكيف معها. 
 
فالممارسة الفاعلة البشرية لا تتم أبدًا دفعة واحدة، فالبشر يتعلمون من أخطائهم، ويتخذون سلسلة تتجدد باستمرار من الإجراءات لتصحيحها، فنحن جميعًا نعيش ونتفاعل فى سياق مجتمعات ليست فردية أو تتبع نظما محلية مغلقة، بل فى عالم دولى حرفيا بكل أبعاده التى تؤثر وتتأثر يما يجرى حولها ومن حضارات مختلفة، ويشكل انتقال الأفكار عاملا رئيسيا للتغيير الاجتماعى الذى نلمسه ونعايشه، وقوة تأثير الصورة وفاعليتها أصبحت ليست موضع شك، لذلك نجد أن عملية إيلاء الغايات الموضوعية التى يفترض بالقانون والمحاسبة خدمتها، يجب أن يكون لها اهتمام خاص لتنظيم قواعد للمجتمع عادلة وشفافة، ترسخ من خلالها فكرة المساواة الإنسانية. 
 
ليست هناك آليات أتوماتيكية تجعل من الحاضر والمستقبل نموذجا واضحا أو ناجحا بشكل حتمى، أو حتى تمنع السقوط والانحدار، فأى نظام ما يحتاج لقيادة وتنظيم، ولا يمكنا نظريًا تحديد كيفية إقامة هذا التوازن، لكن يمكننا إدراك ومتابعة التطور العام للصيغ المؤسساتية ومحاولة دراسة الأنسب والأصلح لمجتمعاتنا وتطبيقه، مع الوضع فى الاعتبار التغييرات الزمنية والبيئية التى تفاجئنا بشكل لا نهاية له.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام