وجوه عبر الزمن



‪ممدوح عدوان.. الضحك بوصفه موقفاً (2)‬

18-12-2025 | 23:16
إلهامى المليجى

لم يكن ممدوح عدوان ممّن يمرّون فى الحياة مرور العابرين.
كان يدخلها بكامل حدّته، لا ليصطدم بها فقط، بل ليختبر قدرتها على الاحتمال
كاتبًا، ومسرحيًا، ومترجمًا، وصديقًا صعب المراس، لم يعرف التسويات الناعمة، ولم يتقن لعبة الأقنعة، لكنه أتقن –على نحوٍ خاص – 
فن الإرباك. 
فى الجزء الأول، اقتربنا من صورته العامة: المثقف المشاغب، صاحب الجملة التى تُقال كأنها طلقة، والساخر الذى يحوّل الغضب إلى ضحك، والرفض إلى قفشة.
أما هنا، فنقترب أكثر من المسافة الرمادية التى لا تُكتب عادة:
حيث تختلط الصداقة بالاختبار، والنية الحسنة بالمقامرة، والإعجاب بخيبة لا تُفسد الود لكنها تترك أثرها.
هذا ليس استكمالاً للسيرة، بل تعميق للملتبس فيها.
لأن ممدوح عدوان، فى جوهره، لم يكن شخصية سهلة...
ولا تجربة تُروى بلا شروخ.
 
المشهد الثانى / الضحكة التى كسرت العقد
تطوّرت العلاقة مع ممدوح عدوان بهدوءٍ، يشبه طريقته فى بناء صداقاته: بلا افتعال، وبلا أقنعة.
كثيراً ما لبّيت دعوته لزيارته فى بيته، وكان كريمًا على نحو لافت، للنظر لا بمعنى الضيافة وحدها، بل بمعنى الانفتاح.
كان بيته مساحة عامة مصغّرة، تلتقى فيها تناقضات البلد كلّها:
رجال دولة يجلسون إلى جوار معارضين، واختلافات حادّة تُدار بلا توتر، كأن ممدوح كان يصرّ على اختبار أفكاره وسط هذا الخليط، لا فى عزلة المثقف ولا فى صخب المنابر.
وكانت إلهام، زوجته، شريكة هذا المزاج، ودودة، كريمة، حاضرة دون ضجيج.
أما هو، فكان ممدوح القفّاش بامتياز.
جملته مباغتة، وضحكته تلك… ضحكة لا تعرف إن كانت مجرّد صوت بلا تعبير، أم أن لها تعبيرها الخاص الذى لا يشبه أحدا.
فى إحدى تلك الأمسيات، وبعد عشاءٍ طويل وملحقاته، قال فجأة وبلهجته المعتادة:
عندى مشروع غير مسبوق… سيرفع مكانة دار النديم.
كشف عن فكرته: سلسلة بعنوان «الأدب الأسود»، تُعنى بترجمة أعمال أدباء سود من إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، أدب مهمّش لكنه كثيف التجربة وعميق السؤال.
دخل غرفة مكتبه، وعاد بالمخطوط الأول.
أُعجب الجميع بالفكرة، واتفقنا على كتابة العقد فى اليوم التالى.
وبالفعل تمّ ذلك، وأعطانى ممدوح المخطوط.
طلب منّى سرعة تسليمه إلى الرقابة فى وزارة الثقافة، واعدًا بمتابعته شخصياً، وأن الأمر لن يستغرق سوى أسابيع قليلة.
لم يكن الوعد غريباً، فقد كانت له سطوة معروفة على الرقابة، وسبق أن حصل على موافقتها على أعمال له، وعلى ديوان على الجندى، فى وقتٍ قياسى، فى زمنٍ كانت فيه الموافقة، شرطًا لا يُناقش لطباعة أى كتاب.
مرّ أكثر من شهر.
سألت الرقابة عن المخطوط.
فأخبرونى، بدهشة، أن ممدوح استلمه منذ أسبوعين.
اعترضت: كيف يستلمه وأنا من سلّم الكتاب؟ وهناك عقد يجعل دار النديم المالك الحصرى لطباعته ونشره.
لم يجد مدير الرقابة جواباً.
استغرب، وخجل، وأكّد لى أن المخطوط كان ينبغى أن يعود إليّ.
ذهبت إلى ممدوح.
ففاجأنى، وهو يضحك ضحكته المعهودة، بلا أى تمهيد:
أخذته وسلّمته لدار أخرى… عرضهم أفضل منك.
أبديت دهشتى وغضبي.
فقال، وهو يضحك أكثر:
قل عنى ما شئت من الألفاظ المصرية التى تصف هذا الفعل.
ردّ لى العربون.
رفضت استلامه، وتمسّكت بالعقد.
قال ببساطة جارحة:
أنت الخسران… الكتاب على وشك الانتهاء من الطباعة.
وحين ذكّرته بالعقد، ابتسم وقال:
يقول المصاروه : بِلّه واشرب ميّته.
تركته غاضبًا.
وعندما لجأت إلى أصدقاء مشتركين، بعضهم متنفّذ فى الدولة السورية، قالوا لى ببرود الواقعيين:
هذا هو ممدوح.
وفى هذه المنطقة، وزارة الثقافة واتحاد الكتّاب أكثر نفوذًا من أى عقد.
تقبّل الأمر.
بعد فترة، التقيته مصادفة عند الروائى غالب هلسا.
كان يقهقه، ويروى الحكاية كاملة أمام الجميع، بأمانة مدهشة.
والأغرب أن الجميع ضحك.
وضَحِكتُ معهم… أو لعلّها كانت ضحكة صدى، لا مشاركة.
عادت علاقتنا بعدها إلى سابق عهدها، لكن الواقعة ظلّت حاجزًا صامتًا بينى وبينه،
حاجزًا جعل أى مشروع نشرٍ لاحق مستحيلًا.
مع ممدوح عدوان، حتى الخيبة
كانت تُقال ضاحكة.
 
 ممدوح… كما كان
لم يكن ممدوح عدوان شخصية يمكن اختزالها فى واقعة، ولا فى خيبة، ولا حتى فى ضحكة كسرت عقدًا.
كان مزيجًا معقّداً من الذكاء الحاد، والسخرية القاسية، والقدرة الدائمة على خلط الجد بالعبث.
ما جرى لم يكن استثناء، بل تعبير صادق عن منطقه الخاص فى الحياة:
منطق لا يعترف كثيرًا بالحدود الصارمة بين الصداقة والعمل، ولا يرى فى العقود أكثر من أوراق قابلة للتجاوز، ولا يتعامل مع السلطة بوصفها نقيضًا مطلقًا، بل أداة يمكن تطويعها… ثم السخرية منها.
ومع ذلك، ظلّ ممدوح منحازاً – فى العمق – إلى الهامش، إلى الأصوات التى لا يُصغى إليها، إلى الأدب الذى لا يجد طريقه بسهولة إلى الضوء.
حتى حين أخطأ، أخطأ بطريقته:
بصراحة جارحة، وبضحكة لا تعتذر، لكنها لا تنكر.
ربما لهذا لم تنكسر العلاقة.
تصدّعت، نعم، لكنها لم تنهَر.
بقيت المودّة، وإن صارت حذرة، وبقيت المسافة، لا تُلغى ولا تتّسع.
مع ممدوح عدوان، لم تكن الصداقة طريقًا مستقيمًا، ولا الخصومة قرارًا نهائيًا.
كان كل شيء قابلًا للالتباس....
إلا حضوره الطاغى.
الخاتمة فى الحلقة القادمة، لن نغادر عالم ممدوح عدوان بعد.
سنعود إلى مقالب أخرى، ومواقف أكثر إثارة، ولحظات يختلط فيها العبث بالجد،
والضحك بما يشبه الفخ.
فمع ممدوح....
دائمًا هناك ما لم يُقَل بعد.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام