مقالات



‫من بلاد الأساطير (1)‬

25-12-2025 | 18:12
د. إيمان طاهر

تحيط الأساطير بتلك الأرض المقدسة اليابان، وتحكى لنا بأن الآلهة كانت تولد ذكرا وأنثى ثم تموت، حتى أجمع شيوخ الآلهة، بأن يتولى «إيزى ناجى» و«إيزا نامى»، وهما أخ وأخت من الآلهة خلقا اليابان، فوقفا على جسر السماء العائم وقذفا المحيط برمح مرصع بالجواهر، ثم رفعاه للسماء مرة أخرى، فتقطرت من الرمح قطرات أصبحت هى الجزر المقدسة، ثم أنجبت إيزا ناجى وإيزا نامى، نسل الجنس اليابانى، وولدت «أما يتراس» آلهة الشمس سلسلة متصلة مقدسة من حلفائها، وهم أباطرة «داى تيبون» اليابان العظمى، ومنذ ذلك الخلق وهم يحكمون الإمبراطورية. 
وعندما رفع ذلك الرمح المرصع بالجواهر، قطر أربعة آلاف ومائتين وثلاثا وعشرين قطرة، تألف منها أرخبيل جزر اليابان الستمائة مليئة بالبشر، وأكبر تلك الجزر هى هوندو، وحتى جبالها لها أشكال فنية تكاد تبلغ درجة الكمال فى الإبداع وبها جبل شهير يسمى «فيوجى» اعتاد اليابانيون الصعود له كل عام. وأعقبت ذلك مجاعة كبيرة وفقر، قضى على الآلاف كما حدث فى طوكيو، وقضى على اثنين وثلاثين ألفا، وكعادة شعب اليابان خرج من تلك الأزمة نشيطا ومقداما متفائلا.
وكان الجنس اليابانى عبارة عن خليط من ثلاثة عناصر الأول، وهو عنصر بدائى أبيض جاء عن طريق الأيونيين، وهم اليونانيون القدماء، الذين وفدوا عن طريق نهر آمور، وعنصر أصفر مغولى جاء من كوريا من قبل ميلاد المسيح. وعنصر أخير من ملايو وإندونيسيا من جزر الجنوب، ذلك الخليط والمزج بين الأجناس، أوجد نمطا جديدا يتكلم بلغة جديدة وأنشأ مدنا جديدة أيضا، لكنك تستطيع أن تفرق بينهما بسهولة، فذلك الأرستقراطى عادة طويل، نحيل، والأصل قصير وبدين ورأسه عريض، تلك سمات شعوب. 
وكما تصف لنا الروايات التاريخية الشعب اليابانى، بأنهم يرسمون وجوههم بزخارف تحدد مكانتهم الاجتماعية، ولهم تقاليد وعادات لا يحيدون عنها، منها طاعة القوانين طاعة عمياء، تعدد الزوجات، إدمان الشراب الكحولى وأعمارهم طويلة نظرًا لاحترامهم بيئتهم وتعايشهم معها فى تناغم تام، مما منحهم صفات سلوكية رائعة، ومن كثرة تسامحهم وطبيعتهم الهادئة، نادرا ما يشكو أحدهم أو يلجأ للقانون والقضاء ولم تقع بينهم حالة سرقة على الإطلاق، يعتنون ببعضهم بعضا، فلا يوجد فقر أو استغلال، مهرة فى الصناعات اليدوية. 
وللشعب اليابانى عقيدة وعاطفة قوية تؤمن بأن لكل كائن حى روحا،  وتلك الأرواح سارية فى كل شيء، وبأن هناك عند كل منزل وساكنيه، يحوم عدد لا يحصى من الآلهة الذين كانوا دائمًا ما يستوثقون من طيب حظوظهم عند رصدهم لها قبل اتخاذ أى قرار، وكانوا يخافون الموتى ويقدسونهم ويعتقدون بأن غضبهم قد ينزل بهذا العالم شرًا مستطيرًا، لذلك كانوا يضعون بقبورهم النفائس من الجواهر والسيوف، ويؤدون الصلاة ويقدمون الطعام الفاخر أمام صورهم.
كانت «شنتو» أقدم ديانة حتى عام 522 عندما دخلت البوذية بآلهتها الوديعة واحتفالالتها المبهجة، وكل فضائل الورع والسلام والطاعة، فقدمت لهم أساطير وصلوات ومسرحيات، خففت عن الشعب آلام الفقر والمعاناة والحياة الكادحة، لذلك رحب بها الساسة لدعمها للقوة القومية والاستقرار. 
بذلك الوقت كان الأمير شوتوكى تايشى، مؤسس حزب بوذى، أن ينتهى بالبوذية على عرش تلك الإمبراطورية، فأقام المعابد وشجع الرجال على اعتناق البوذية وأغدق عليهم بالأموال وأدخل باب الأخلاق البوذية، فى صلب القوانين القومية للبلاد ورعى الفنون والعلوم وكتبت بعهده مؤلفات ضخمة للتاريخ، واستعان برسامين لرسم بلاده وحدودها، وبنى معبد «هوريجى» الذى ما زال حتى الآن من كنوز الفن اليابانى الخالدة، حتى توفى وقامت ثورة بالقصر، حاك لها الأرستقراطى «كاما تارى» مع الأمير تاكا، وتغير على إثرها المجرى السياسى وسميت بالإصلاح العظيم 645، وقتل على إثرها ولى العهد وأجلس على العرش بدلا منه ملك كهل لم يكن إلا صورة، فى حين كان الحكم فعليا بيد كاما تارى، وأعاد بناء الحكومة على أساس سلطة إمبراطورية أوتوقراطية «حكم الفرد» لتمتد سلطته وتشمل كل صغيرة وكبيرة وفرد، فازدادت الفوارق الاجتماعية ونشأت أسر ثرية أخذت تحارب بعضها بعنف شديد على السلطة والمال، حتى وصلت بنفوذها تدريجيا بخلع الملك وتنصيب آخرين يدينون لهم بالولاء، فتغيرت خريطة السمات الإنسانية الفاضلة فيهم. 
وكما استمدت اليابان ديانتها من الصين، أخذت عنها أيضا ثقافتها وترفها فى كل مناحى الحياة، من ملابس وألعاب وطعام وفنون وحتى أساليب الحكم حتى وصلت فى عهد «دايجو» أو ما يسمى بالعصر الذهبى لمنافسة الصين ذاتها، على الرغم من الاحتفاظ بروحها الخاصة على عكس ماحدث أخيراً بعصرنا، حيث طغت ثقافة العولمة وضاعت شخصيات وروح الشعوب!
استطاعت اليابان بعصرها الذهبى، أن تبلغ ذروة حضارتها سواء ثقافيا أم بترف الحياة، وتراكمت الثروات حتى أصبحت فى القرن الثامن عشر، أو عصر التنوير بمثابة باريس، وازدهر الأدب والموسيقى فازدانت حياة الناس بقصور فاخرة وتحف ثمينة، وتمسك الناس بسطحيات الحياة من ملابس وحفلات، وعلت الأنانية فانحلت الأخلاق!.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام