ثقافة



‫معجم الدوحة التاريخى إنجاز ثقافى لحماية اللغة العربية‬

25-12-2025 | 18:19
⢴ ‪ ‬‫ رسالة الدوحة - سيد محمود‬

شهدت العاصمة القطرية الدوحة، هذا الأسبوع حدثا ثقافيا كبيرا، يتمثل فى إطلاق معجم الدوحة التاريخى للغة العربية، وذلك فى حفل  حضره أمير قطر، صاحب السمو، الشيخ تميم بن حمد آل ثان، الذى أكد اعتزاز بلاده برعاية المعجم، وقال: نفتخر فى قطر باكتمال «معجم الدوحة التاريخى للغة العربية»، الذى يعزز بمادته الثرية تمسك شعوبنا بهويتها وانفتاحها على العصر، ووسائله الحديثة بكل ثقة، وهذه مناسبة لشكر كل من أسهم فى هذا المنجز الحضارى التاريخى، الذى نعتبر اكتماله ومراحل إنجازه مظهراً من مظاهر التكامل العربى المثمر.
جرى خلال الحفل عرض فيلم عن البوابة الإلكترونية الجديدة للمعجم، التى تتيح للمستخدمين مادة معجمية تاريخية، وتعكس دور المعجم فى تعزيز الحضور الرقمى للغة العربية، وتوسيع دوائر الاستفادة منها عبر الوسائل الحديثة والمتطورة.
وكرّم أمير قطر الخبراء والباحثين والمحررين، الذين عملوا على إكمال مشروع المعجم فى مختلف مراحل إنجازه، تقديراً لجهودهم العلمية وعطائهم البحثى وخدمتهم الكبيرة للغة العربية، والتقط معهم العديد من الصور التذكارية التى تؤرخ لهذا الحدث.
ويعد اكتمال معجم الدوحة التاريخى للغة العربية، أحد أكبر المشروعات اللغوية عربياً وعالمياً، وتؤكد هيئة تحريره أنه بمثابة محطة مفصلية فى مسار دراسة اللغة العربية وتاريخها الدلالى، إذ يمثل أهم مشروع عربى ينجز وفق المعايير الحديثة للمعاجم التاريخية العالمية، واضعاً بين أيدى الباحثين مادة لغوية موثقة تمتد من أقدم نص عربى موثق حتى العصر الراهن على مدى عشرين قرناً، ويقدم خريطة تاريخية شاملة لتطور الألفاظ ومعانيها عبر العصور.
وقد أسهم المعجم، بما يملكه من مدونة لغوية ضخمة وبيانات موثقة، فى تمهيد أرضية معرفية جديدة، تسهم اليوم فى تطوير التطبيقات اللغوية والبحثية، وفى دعم جهود بناء نماذج لغوية عربية فى عصر الذكاء الاصطناعى.
 وتم إطلاق المشروع فى مايو 2013، إلى أن تكللت تلك الجهود بإنجاز المعجم الذى يتضمن زهاء 300 ألف مدخل معجمى، ومدونة نصية تتألف من نحو مليار كلمة، مهيكلة ومؤرخة وموثقة.
ووفقا لهيئة تحريره التى يرأسها رمزى البعلبكى (لبنان)، فإن المعجم ينفرد برصد ألفاظ اللغة العربية، منذ بدايات استعمالها فى النقوش والنصوص، وما طرأ عليها من تغيرات فى مبانيها ومعانيها داخل سياقاتها النصية، كما يتتبع الخط الزمنى لهذا التطور، عبر البوابة الإلكترونية  التى تظهر مواد المعجم، وتتيح البحث فى المدونة النصية بالمجان، كما تقدم عدة أنواع من الخدمات اللغوية والنصية والإحصائية.
مؤتمر اللغة والذكاء الصناعى
تزامن إطلاق البوابة الإلكترونية للمعجم مع اليوم العالمى للغة العربية فى 18 ديسمبر، بغرض تعزيز حضور العربية فى الفضاء الرقمى، وتيسير الوصول إلى مادته المعجمية التاريخية، عبر واجهة حديثة وأدوات بحث متقدمة، تخدم الباحثين والمهتمين باللغة العربية، فى مختلف أنحاء العالم.
 وبمناسبة حفل إطلاق المعجم واكتماله، تم تنظيم مؤتمر «الذكاء الاصطناعى وخصائص اللغة العربية»، وذلك على مدى يومين بنظام الجلسات الموازية.
وقسمت محاور الجلسات إلى محورين رئيسين، اهتم الأول بتناول القضايا العمومية فى حين ركز الثانى على ما حققه معجم الدوحة من مكتسبات على ضوء تطور تقنيات الذكاء الصناعى.
 فى ورقتها التأسيسية، أشارت اللجنة المنظمة للمؤتمر إلى التحديات التى شهدها العالم فى العقود الأخيرة، بفضل الثورة التقنية غير المسبوقة، المدفوعةً بالتطور السريع فى مجالات الحوسبة وتكنولوجيا المعلومات، والتى بلغت ذروتها مع ظهور الذكاء الاصطناعى التوليدى.
ولفت الخبراء خلال الجلسات النظر إلى النقلة النوعية، التى أحدثتها فى التعامل مع اللغات الطبيعية، إنتاجا وفهما وتحليلا وترجمة، إذ ركزت تلك التقنيات عبر مسارات تطورها على جوانب لغوية مختلفة شملت الترجمة الآلية، والتعرف على الكلام، وتحليل النصوص، وتوليد المحتوى، كما أن ظهور خوارزميات التعلم العميق.
أبرزت قدرة هذه التقنيات على معالجة اللغات بشكل أكثر كفاءة مما سبق، مما أدى إلى ظهور النماذج اللغوية التى تعتمد على بيانات لغوية ضخمة لفهم النصوص البشرية وتوليدها، وقد سلك التطور فى مجال الذكاء الاصطناعى اللغوى مسارات متعددة، بدايةً من النماذج الرمزية القديمة إلى النماذج الإحصائية، وصوًلاً إلى النماذج القائمة على التعلم العميق.
 وفى حين استفادت اللغات الأوروبية من تلك التقنيات، فإن الفرق جليا من حيث الكفاءة بين تعاطى تلك التقنيات مع اللغة العربية وهذه اللغات، ليس فقط على مستوى الفهم والتحليل والتوليد والترجمة، وإنما أيضا على مستوى الوعى الثقافى والتحيز الفكرى.
بالتالى فإن اللغة العربية تواجه تحدّيات عدّة.  تشمل ما يسمى بصعوبات التجزيء، وتعقيد البنى اللغوية، ونقص البيانات، ومحدودية الموارد الحاسوبية، إذ لا يزال نصيب اللغة العربية من تلك التطورات التقنية محدودا نسبيا، مقارنة باللغات العالمية الكبرى، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها ندرة الموارد اللغوية الرقمية عالية الجودة، وتنوع المستويات اللغوية المنطوقة والمكتوبة الفصحى، المعاصرة، واللهجات المحلية، والمميزات النحوية والصرفية الفريدة، إضافة إلى ضعف الاستثمارات المالية والبشرية فى مجال المعالجة اللغوية العربية الآلية بشكل عام.
اللغة والتعليم
وطافت أوراق المؤتمر حول قضايا الذكاء الصناعى من محاور عدة، حيث أبرز إدريس شرقاوى، الأستاذ المشارك بكلية اللغات والآداب الحديثة فى جامعة ويليام ومارى الأمريكية، دور الذكاء الاصطناعى فى تسهيل تعليم العربية للناطقين بغيرها، مع تقديم وصف لأهم الخصائص اللغوية التى تعيق تطوير التطبيقات الرقمية ،واقتراح حلول تعليمية أكثر فاعلية. وبالاعتماد على المنهج الوصفى التحليلي، وأكدت الباحثة الأردنية إسراء المحسن من مركز اللغات فى الجامعة الأردنية قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على ترجمة الأمثال من العربية إلى الإنجليزية دون فقدان الدلالة الثقافية، وتناول أحمد عبد العلى، وهو عالم أبحاث ومهندس متخصص فى معالجة اللغات الطبيعية والتعلم الآلى، التركيز على التطبيقات المتعلقة باللغة العربية ولهجاتها.
وقدم الدكتور أيمن الطيب بن نجى، خبير لغوى بمعجم الدوحة التاريخى للغة العربية، بحثا يستكشف قدرة النمّاذج اللغّويةّ العربيّة السياقية القائمة على تمثيل المعرفة الدّلاليّة.
من جهته رصد بشير نصرى، الباحث التونسى السياقات الثقافية والمعرفية فى نماذج الذكاء الاصطناعى العربية، التركيز على التفاعل الديناميكى بين اللغة والثقافة والتكنولوجيا، وتأثير ذلك على تطوير النماذج الذكية
وتوقف حسن على حمزة، أستاذ اللسانيات والمعجمية العربية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، أمام التاريخ فى المعجم التاريخى الفرنسى، مؤكدا قيمة ما أنجزه معجم الدوحة التاريخيّ للغُة العربيّة بجهد هائل غير مسبوق فى تعيين هذا العنصر، الذى كان غائبًا فى التراث المعجميّ العربيّ كلهِ.
وركز حسن كيسان، الباحث السابق فى معهد ماكس بلانك للسانيات النفسية، على استكشاف قدرة النّماذج اللغّويةّ العربيّة السياقية القائمة على المحوّلات، على تمثيل المعرفة الدّلاليةّ المعجميّة،  ورصد التغّيرّ الدّلاليّ التاّريخيّ فى اللغّة العربيّة، انطلاقاً من افتراض أنّ التمّثيلات الدّاخليّة لهذه النّماذج ترمّز الفروق بين معانى اللفّظ الواحد.
العربية على شبكة الإنترنت
وأوضح ربيع ضاهَر أمهز، الباحث فى الذكاء الاصطناعى من جامعة ستراسبورج، تأخر تقنيات الكلام الآلى فى اللغة العربية على الإنترنت مقارنة باللغات ذات الموارد العالية، بسبب الازدواجية اللغوية) الفصحى واللهجات (والغنى الصرفى مع سوابق ولواحق/كلتيكات، وتفاوت الكتابة)التشكيل، فضلا عن اختلافات الألف والهمزات،  الأرقام العربية والهندية، إضافةً إلى تشتت الموارد واختلاف تراخيصها وجودتها. 
 وأبرز رشيد بلحبيب، المدير السابق لمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة المغربية، قيمة مصادر الاستمداد التى اعتمدها معجم الدوحة التاريخى للغة العربية، باعتباره جمعًا ثانياً للغة بفضل تنوّع المتون واتسّاعها، وما نتج عنه من مداخل معجمية موثقّة تعرّف بالألفاظ وتاريخها وضبطها ونسِبتها.
القرآن الكريم وخدمات المعجم
وقدمت رفيف السيد، أستاذ الذكاء الاصطناعى وهندسة المعرفة، رئيس اللجنة الاستشارية للحاضنة التقنية إيفوتيك، رؤية من منظور السياسات،  بهدف الوصول إلى فهم أعمق للتحديات التى تعيق تطوير أنظمة قوية وموثوقة للذكاء الاصطناعى التوليدى باللغة العربية، وناقشت آثار هذه التحديات من خلال إجراء تحليل مقارن بين اللغة العربية، وعددٍ من اللغات العالمية، وفى مقدمتها اللغة الإنجليزية، من حيث توافر الموارد الرقمية وتنوّع العناصر اللغوية. وسلطت الضوء على الفجوة الرقمية القائمة والأسباب الكامنة وراءها، سواء فيما يتعلقّ بحجم الإنتاج البحثى والنشر العلمى باللغة العربية، ودرس سامر رشوانى، الباحث  فى مركز دراسات التشريع الإسلامى والأخلاق بجامعة حمد بن خليفة،  دور معجم الدوحة التاريخى فى تطوير خادم للذكاء الاصطناعى من أجل فهم أدق لنصوص القرآن والحديث النبوى، حيث لاتزال النماذج اللغوية الضخمة المستندة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعى، تتعثر عند مقاربة النصوص العربية القديمة التاريخية والدينية، كالقرآن الكريم والحديث النبوى.
 وأوضح سعد محمد عبد الغفار يوسف، أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب بجامعة الوادى الجديد، وأستاذ زائر بجامعة إنديانا، الولايات المتحدة إشكالية غياب نماذج عربية قادرة على تتبع الانزياحات الدلالية للمفاهيم الثقافية عبر حقب زمنية متعددة، مما يحد من فاعلية التطبيقات الحاسوبية للغة العربية. 
واستعرضت سمية الطنبولى، الباحثة المساعدة فى مركز دراسات التشريع الإسلامى والأخلاق، جامعة حمد بن خليفة، عملية تطوير خادم للذكاء الاصطناعى، معزَز بمعجم الدوحة التاريخى للغة العربية: من أجل فهم أدق لنصوص القرآن والحديث النبوى.
وتناول عبد الكريم جبل، أستاذ العلوم اللغوية بكلية الآداب - جامعة طنطا، فقه اللغة، وتحوّل الدلالات فى معجم الدوحة التاريخى للغة العربية. وتناول البحث بالدرس ما يوفرّه هذا المعجم من معلومات معجمية، تتيح للدارس أن يسجِل حركيّة الدلالة عبر الزمن: واستعرض عز الدين البوشيخى، المدير التنفيذى لمشروع معجم الدوحة التاريخى للغة العربية، بيانات المعجم، لافتا النظر إلى أن ضعف أداء اللغة العربية فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، مقارنة بالإنجليزية  يعد أمراً شائعًا فى الأدبيات، إذ يظهر التفاوت فى الترجمة،  وتحليل النصوص والمشاعر، وفهم السياقات الثقافية واللغوية، والتعامل مع العبارات المجازية والالتباس اللغوى بمستوياته المختلفة.
وأبرز البحث أهمية بيانات معجم الدوحة التاريخى للغة العربية فى تطوير الذكاء الاصطناعى العربى، إذ توفر نحو 300 ألف مدخل معجمى، ومدونة نصية تقارب مليار كلمة، إضافة إلى ببليوغرافيا منظمَة فى قاعدة بيانات مهيكلة.
وبحث عز الدين مزروعى، أستاذ التعليم العالى بجامعة محمد الأول فى تخصص الرياضيات والإعلاميات، فى سبل تعزيز معالجة اللغة العربية:  منصة الخليل لأدوات التحليل الصرفى - النحوى وذخائر النصوص المعنونة مفتوحة المصدر.
وتناول فادى زراقط، مدير وحدة دراسات المجال الرقمى والاجتماعى العربى فى المركز العربى للأبحاث ودراسات السياسات، أنظمة تحسين أداء النماذج اللغوية الضخمة، وكلف تدريبها وتشغيلها للغة العربية باستخدام تقنية إعادة استعمال الرموز.
 ورصد محمد إسماعيلى علوى، أستاذ التعليم العالى، ومدير مركز اللغات بجامعة السلطان مولاى سليمان المغرب، تجارب توظيف الذكاء الاصطناعى فى تحليل وإعداد الموارد والبيانات اللغوية الموجهة إلى تعليم العربية للناطقين بغيرهَا.
والباحث المصرى محمد الخطيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، رئيس اللجنة العلمية بالمعجم، على بنيان معجم الدوحة، لافتا النظر إلى أنه يعتمد على ثلاث ركائزَ كبرى تضبط مساره، وتوجّه منطقه العلمى أهمها: حرمةُ الشاهد المعجميى، فالنصّ يصُان من التصحيف والتحريف، عبر: مقابلة الروايات، وضبطُ مبنى الشاهد، وترجيح القراءة الأوثق، والتحاكم إلى معهود العرب فى كلامها، وحوكمة الدلالة، وما سماه الحيادُ المعجمى، إذ يلتزم الخبير المعجمى حدودَ «المعطى النصى» مستقرئاً دلالتهَ الداخلية، دون إقحام معان غريبة عنه، أو تأويلاتٍ مذهبيّةٍ أو ثقافيّةٍ خارجةٍ عن سياقه، ومن خلال هذه الثلاثية تمكن معجم الدوحة، من ألا يمنح لأى لفظ موطئاً فيه إلا بعد التحقّق من سلامته رسماً، وثبوت شاهده نصًا، وانسجامه دلالة.
وأخيرا استعرض محمد رقاس، الخبير الحاسوبى فى المعجم بيانات معجم الدوحة التاريخى، كمورد  لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعى العربى، وقدم  وصفا عاما لبياناته ودورها فى التحليل الصرفى والتركيبي، وإسهامها فى التحليل الدلالى وفك الالتباس، وخصائص منصة صناعة المعجم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ثم عرض أولى محاولات توظيف هذه البيانات فى تطوير نماذج الذكاء الاصطناعى للغة العربية.
وشرح محمد غاليم، الأستاذ بجامعة محمد الخامس، التضافر الحيوى المثمر الذى يجب أن يقوم ويتقوى فى المجال العربى بين الذكاء الاصطناعى ومقتضيات بناء نماذجه، من جهة، واللسانيات المعرفية وما تكشف عنه من بنيات وخصائص كلية فى نسق اللغة العربية، من جهة ثانية.
وكشف يحيى محمد الحاج، خبير الحاسوب فى معجم الدوحة التاريخى للغة العربية أهمية بيانات معجم الدوحة التاريخى للغة العربية، فى تطوير الذكاء الاصطناعى العربي، إذ توفر نحو 300 ألف مدخل معجمي، ومدونة نصية تقارب مليار كلمة، إضافة إلى ببليوغرافيا منظمَة فى قاعدة بيانات مهيكلة.
ويتناول البحث خمسة محاور رئيسية: وصف عام لبيانات المعجم،  ودورها فى التحليل الصرفى والتركيبي، وإسهامها فى التحليل الدلالى وفك الالتباس، وخصائص منصة صناعة المعجم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ثم عرض أولى محاولات توظيف هذه البيانات فى تطوير نماذج الذكاء الاصطناعى للغة العربية.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام