وجوه عبر الزمن



‫ممدوح عدوان.. حين يصير العبث حكمة (3)‬

25-12-2025 | 18:31
إلهامى المليجى

ليس سهلًا أن نكتب الفصل الأخير مع ممدوح عدوان، لا لأن الحكايات استُنفدت، بل لأن الرجل نفسه ظلّ عصيًّا على الخاتمة، كأن حضوره كان دائما مشروع سؤال لا يقبل الإجابة النهائية
ممدوح لم يكن من أولئك الذين يتركون وراءهم صورة مستقرة يمكن تأطيرها والاطمئنان إليها.
كان يربك المعنى كلما حاولت تثبيته، ويخلخل يقينك كلما اقتربت 
من الاطمئنان.
كاتب لا يكتفى بالاشتباك مع السلطة، ولا يطمئن إلى موقع المثقف المعارض بوصفه فضيلة جاهزة، وصديقًا لا يمنحك الأمان، لكنه يضعك - عن قصد أو عن نزق - أمام الحقيقة عارية.
فى الجزأين السابقين من هذه السلسلة، اقتربنا من ممدوح فى فضاءاته العامة:
فى النشر، وفى علاقته بالسلطة الثقافية، وفى اختباره الدائم لحدود الصداقة، حين تتقاطع مع المصالح والخيبات.
أما فى هذا الجزء الأخير، فنقترب من المنطقة الأشد حساسية والأقل كتابة:
حين يتسلّل المثقف إلى الخاص، حين يختلط الوعي بالتدخّل، وحين يصبح الفعل المربك - الذى قد يبدو عبثا أو مقلبا - أداة كشف، وربما حماية.
هنا، لا نبحث عن ممدوح بوصفه رمزاً، ولا نحاكمه بمعايير أخلاقية جاهزة، بل نحاول فهم منطقه الداخلى:
كيف كان يرى العالم؟
ولماذا كان يفضّل الصدمة على النصيحة، والإرباك على المجاملة، والضحك على الاعتذار؟
هذا الجزء ليس تبرئة، ولا تصفية حساب متأخرة، بل محاولة أخيرة للفهم... فهم رجل عاش خارج مناطق الطمأنينة، وترك من اقتربوا منه أقلَّ يقيناً، لكن - أحياناً - أكثر نجاة.
 
المشهد الثالث : المقلب الذى كشف النيات
استمرّت علاقتى بممدوح عدوان، ولم تكن علاقة عابرة، كان واسع العلاقات، حاضرا فى معظم الدوائر الثقافية العربية، ويعرف كيف يقدّمك إلى الآخرين من زاوية تكشفك بقدر ما تمنحك.
كان يعرّفنى على أصدقائه من المثقفين والكتّاب، لا بوصفى «ناشرا» فحسب، بل كان يضيف دائما - وبنبرة امتحان مقصودة:
ناشر مثقف… مدرك أن النشر رسالة، لا مجرّد تجارة.
ثم، كعادته، لا يترك الجملة مكتملة بلا شوكة.
كان يقول ضاحكًا، نصف مازح ونصف جاد:
لو تخلّصتَ فقط من بعض عفويتك… من تلك العاطفة التى تضعك أحيانًا فى منطقة قريبة من السذاجة، ستصبح ناشرا كبيرا.
كان يضحك وأضحك أنا، كمن يراهن على أن الطيبة قد تكون شكلًا آخر من الشجاعة.
لم أتخلّص من تلك العفوية، ولا من تلك العاطفة.
وربما - وباعتراف متأخر - كان هذا أحد الأسباب التى جعلت مشروع دار النديم، برغم نقائه، يتعثّر ويُغلق بعد سنوات قليلة من تأسيسه.
لم أكن أصلح تمامًا للعب فى مناطق لا تحتمل القلب المفتوح.
ومع ذلك، لم يكن ممدوح يخذلنى.
كان يراقب التجربة، يعلّق بسخرية خفيفة، ويطلق نصائحه كما يطلق نكاته فجأة، وبلا تمهيد.
وكان له رأى آخر ظلّ يردّده بإلحاح.
كان يرى أن مكانى الحقيقى ليس الإخراج الصحفى الذى مارسته فى دمشق، بل الكتابة الصحفية والنثرية.
كان يطّلع بين الحين والآخر على بعض ما أكتب، وتلفت نصوصى انتباهه - كما أخبرني لاحقا - فيكرّر أمامى، وأمام آخرين، ببساطته القاطعة التى لا تعرف المواربة:
أنت تُضيّع وقتك فى الإخراج الصحفى.
الإخراج مهنة لا تخلو من حسٍّ فنى ووعى مهني، لكن الكتابة الصحفية تمنحك مساحة أوسع للتعبير، وتضعك فى مواجهة أفكارك لا فى ترتيب أفكار الآخرين.
لم أستجب.
أجّلت النصيحة، كما نؤجّل الاعترافات الثقيلة.
ولم ألتفت إليها بجدّية إلا بعد أن توقّف نشاط دار النشر، عند تلك اللحظة، بدت الكتابة أقلَّ خيارا طارئا، وأقرب إلى مسار كان ينتظر دوره بصبر.
ثم جاءت واقعة هالة الفيصل.
هالة، الفنانة التشكيلية السورية، التى أدّت دور البطولة فى فيلم وقائع العام المقبل للمخرج سمير ذكرى، جاءت إلى القاهرة متزامنة مع معرض الكتاب.
طلبت مساعدتى فى تنظيم معرض لأعمالها فى أتيليه القاهرة.
رتّبت الأمر، واستضفتها - بناء على طلبها - فى أحد فنادق وسط القاهرة، حين أخبرتُ زوجتى، لم يُرق لها الأمر.
طلبت منّى التوقّف التام عن التواصل معها.
وضعتنى فى موقف حرج، لكننى التزمت، وكلّفتُ أحد العاملين معى بمتابعة شئونها حتى مغادرتها.
تحت إلحاح شديد، التقيتُ هالة مرة واحدة، دون علم زوجتى، ثم قطعتُ التواصل تمامًا.
لاحقًا، اشتكت هالة لممدوح أنها تحاول التواصل معى دون جدوى.
وفى أحد أيام المعرض، التقيت ممدوح وزوجته إلهام، وكانت زوجتى معى.
وهنا فعل ممدوح ما يُتقنه:
اختار اللحظة الأسوأ، وقال ضاحكا:
كيف تترك هالة تبحث عنك ولم تلتقِها سوى مرة واحدة؟ ألم تكن صديقتك الأثيرة فى دمشق؟
طلبت منه التوقف، غادرت غاضبا، لكنه رفع صوته أمام الجميع، وعدّد الوقائع واحدة واحدة، بلا رحمة.
بعد دقائق، كاد البيت أن ينهار.
وطُرح الطلاق، لا بوصفه تهديدا، بل كاحتمال حقيقى.
فى اليوم التالى، واجهته بحضور زوجته.
قال، وهو يضحك ضحكته التى لا تعتذر:
أنا فعلت ذلك متعمّدا، لصالحك
ثم كشف ما لم يخطر ببالى:
أن هالة كانت تنوى الوصول إلى عنوان بيتى، وصناعة رواية عاطفية من خيالها، تفجّر زواجى من الداخل.
قال بهدوء صادم:
«اللى حصل ده أهون بكتير من اللى كان ممكن يحصل».
ثم ختم بنصيحته الأخيرة:
ابعد عن النوع ده من النخب، مثقفين من برّه، ومخربين من جوّه.
خرجت من اللقاء مذهولا.
شاكرا... ومتوجسا فى آن، كانت تلك الواقعة درسا قاسيا.
علّمتني أن الثقافة لا تمنح أصحابها حصانة أخلاقية، وأن بعض النخب تحمل فى داخلها قابلية مدهشة للتخريب، وأن القرب الإنساني، حين لا تُضبط حدوده، قد يكون أخطر من العداء.
ومع ممدوح عدوان، اكتشفت أن بعض المقالب.
ليست عبثًا، بل كشفا مبكرا للكارثة.
ممدوح… خارج الطمأنينة
لم يكن ممدوح عدوان رجلا يمنحك الأمان.
كان يضعك على الحافة، ثم يتركك ترى بوضوح.
يُربكك لا بدافع القسوة وحدها، بل لأن الحقيقة - فى منطقه - لا تُقال ناعمة.
أخطأ كثيرا، وأصاب أحيانا بطرق لا تُحتمل.
كان صديقًا لا يواسيك، لكنه قد ينقذك دون أن يشرح، تعلمتُ معه أن الثقافة لا تُهذّب بالضرورة، وأن بعض من يرفعون راية التنوير، قد يتركون وراءهم خرابا صامتا، أشد فتكاً من الجهل.
ومع ذلك، لا يمكن شطب ممدوح عدوان من الذاكرة، ليس لأنه كان مريحاً، بل لأنه كان صادقا على نحو مؤلم.
الخاتمة فى وجوه عبر الزمن، لا نكتب عن قدّيسين، ولا نصنع أساطير،
نكتب عن بشر تركوا أثرهم..
حتى لو كان هذا الأثر جرحاً.
وممدوح عدوان.. كان جرحاً واعياً، لا يندمل، ولا يُنسى.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام