ثقافة



‫يتحدى القوة الغاشمة بالخيال‬..ممدوح عزام : الروايات تفقد بريقها بالنهايات السعيدة

28-12-2025 | 17:02
‪ ‬‫ حوار أجراه - د. أشرف أبو السعود‬

لولا القحط ما كتبت «أرض الكلام»
المكان هو الذاكرة والذكريات والجغرافيا تسلبه وهجه وروحه
العلاقة بين الرواية والواقع تباين وشقاق وليست انسجاما لم أتحايل على الموت بل سجلته كما هو
 
ممدوح عزام روائى سورى، ولد فى محافظة السويداء فى عام 1950، درس الأدب العربى فى جامعة دمشق، ثم عمل مدرسا للغة العربية فى المدارس السورية، يعد  واحدا من أبرز الروائيين السوريين المعاصرين، وله إسهامات مهمة فى الأدب العربى الحديث، أعماله تغوص فى التعقيدات الاجتماعية والحياة اليومية، للأفراد فى المناطق الريفية وعاداتهم وتقاليدهم المحلية، بالإضافة إلى تناوله موضوعات مهمة مثل الهوية والانتماء، والتى كشفت عن التأثيرات الثقافية والسياسية على الأفراد فى المجتمع السوري.. بدأ مسيرته الأدبية فى كتابة القصص، ونشر أول مجموعة قصصية له عام 1985 بعنوان «نحو الماء»، وبعدها بعامين أصدر أولى رواياته «معراج الموت» عام 1987، فى عام 1998، أصدر روايته الثانية «قصر المطر»، وفى عام 2000 أصدر «جهات الجنوب»، كما أصدر مجموعته القصصية «الشراع»، وفى عام 2005 ألف رواية «أرض الكلام»، وفى عام 2011 ألف رواية «نساء الخيال»، وفى عام 2018، أصدر الكاتب ممدوح عزام رواية «أرواح صخرات العسل»، وفى عام 2019 أصدر كتاب «لا تخبر الحصان»، ثم شارك فى تأليف كتاب «صفحات من دفتر قديم» مع عدد من الكتاب السوريين، الذين رووا سيرهم الأدبية. وفى عام 2021، أصدر روايته الجديدة «حبر الغراب» وترجمت بعض أعماله إلى لغات أجنبية، منها الفرنسية والإنجليزية، والألمانية.. «الأهرام العربى» أجرت هذا الحوار معه، فإلى التفاصيل. ⢴
 
< شخصياتك فى «حبر الغراب» تبدو كأنها تبحث عن لغة بديلة غير تلك الموروثة، هل شعرت يوما بأن اللغة العربية التى تكتب بها خانتك يوما ما؟
لا لم تكن بينى وبين اللغة فى السياق الأدبى أية مشكلة، بل بالعكس كانت اللغة العربية ملاذا  للتعبير عن جميع الهواجس التى خامرتنى، سواء أثناء كتابة رواياتى، أم أثناء كتابة مقالاتي. بل يمكننى القول إنها قدمت لى مساعدة غير محدودة فى الكتابة الروائية، عبر قدرة اللغة على تجاوز المباشر، إذ يحتوى المعجم العربى على إمكانات هائلة للتورية والتستر وراء الكلمات لقول حقيقة ما، يفهمها القارئ، ويعرف المقصود من حضورها فى النص، سواء أكان الموضوع يتعلق بمواقف الشخصيات، أم بأقوالها، وأما فى “حبر الغراب” فإن حيرة الشخصيات نجمت عن المواجهات الثنائية بين كل شخصية، وبين الكتاب الذى أسهم فى تغيير حياتها. أنت تعلم كانت المكتبة ضائعة،  ولكن كتبها التى اختفت ذات يوم، كانت تصل إلى أيدى قراء مجهولين بطريقة عشوائية، أو عن طريق المصادفة، فتغير حياتهم، كما تغير لغتهم وكلماتهم أيضا، هؤلاء القراء كانوا أبطالا، أو شخصيات الرواية، فى كل فصل من فصولها، يجمعهم وحدة عثور كل منهم على كتاب. وهكذا فإن أثر قراءة كتاب، مثل “قادة الفكر” لطه حسين، يختلف بالضرورة عن أثر كتاب “العبرات” للمنفلوطى، أو “سجن العمر” لتوفيق الحكيم . 
 
<  ما الذى يفعله الغياب بالمكان الأصلى فى ذاكرة الكاتب، هل يتحول من جغرافيا إلى لغة فقط، أم أن الجرح يبقى نازفا جغرافيا وحسيا؟
يبقى المكان الأصلى نازفا بلا توقف، يمكن أن يتحول إلى هاجس يومى يعيش نابضا بالحياة كما نعرفه دائما، كما فى حالتى أنا، من الصعب نسيان المكان، كما يصعب تحويله إلى جغرافيا، إذ يفقد عندها  وهجه وحرارته وألفته وروحه وقوة حضوره، المكان المفقود هنا هو الذاكرة والذكريات. بفقده، ولا أعرف إن كانت خسارته دائمة، يمتلئ المكان بكل المعانى التى تخطر ببال الفرد بيننا حين يكون آمنا:  تصبح كل تلك الأشياء الهامشية جزءا حميما من ذات الإنسان، ولهذا ترفض أن تتستر أو تختفى فى الجغرافيا المجردة من الروح، أن تفقد مكانك قسرا، أمر يختلف تماما عن الرحيل، أو النفى، أو الهجرة. هنا لا تعوض  الخسارة بالمطلق، إذ من يستطيع إعادة الذكريات إذا احترقت مثلا؟، ذكرياتى مع  النسخة الخاصة بى من أى كتاب قرأته، ووضعت ملاحظاتى على  حواشيه؟ دفاتر الملاحظات والاقتباسات، أقلامى، أوراقى الخاصة، بل أسرارى أيضا، ومخطوطات الروايات التى كتبتها، لقد أحترق كل ذلك فى لحظة هو جاء غريبة، يحاول الخيال فى الحياة اليومية، وفى الكتابة أن يتحدى الرماد الذى آلت إليه تلك الأشياء.
 
< فى «أرواح صخرات العسل» و«نساء الخيال»  بدا الصوت الأنثوى أكثر قوة من أعمالك السابقة، ماذا تغير فى رؤيتك للمرأة؟ وهل تشعر بالرضا والإنصاف تجاه سردياتك عنها؟
لم يتغير شيء لا تزال المرأة فى رواياتى، كما هى فى عالمنا، وفى حياتنا، حاضرة كما هى، المرأة الأم، والزوجة، والحبيبة، والأخت، والصديقة، وحين يعلو صوت أنثى فى رواية، فإنما تلك إشارة إلى هذه الأنثى التى فى الرواية، لا إلى المرأة كرمز. فأنا لا أميل إلى ترميز الحضور الأنثوى بتاتا، فى الأدب، كما استخدمت من قبل،  فكل امرأة فى أى رواية من رواياتى، هى هذه المرأة التى تأخذ اسما، وشكلا، جسدا وروحا، يخصها وحدها،  وهى لذلك ليست صوتا أنثويا، أى أنها لا تمثل النساء، كما أن الرجل فى أية رواية لا يمثل الرجال جميعا، بل هذا الرجل الخاص المختلف عن غيره من الرجال.  هذه واحدة من مشكلات الرواية العربية، أو بعض النقد العربى الذى كان يهوى وضع الشخصيات فى أنماط، أو نماذج للتعميم، هو اتجاه مناقض لمنطق الحياة، فكل امرأة ليست هى كل النساء، بل هي  صوت هذه المرأة الحاضرة فى هذه الرواية أو تلك، حيث تأخذ كل منهن هوية تخصها وحدها. هذا هو الصوت الأنثوى الذى أحتفى به فى رواياتي. ولهذا يمكننى هنا أن أجيب عن الشق الثانى من سؤالك، عن شعورى بالإنصاف بالقول: نعم، ولكن. أما نعم فتتعلق بالمحاولة الصادقة للتعبير عن هذا الصوت الأنثوى، أو ذاك، لكن لا يعرف الروائى ما الذى تحقق، إلا حين يصل إليه رأى القارئ .
 
< فى روايتك «معراج الموت» يتجلى الموت كقوة تلاحق الإنسان من الداخل والخارج، لماذا اخترت هذا المسار برغم مخاطره الفنية؟
 لا يختار الكاتب المسار، بل العكس، فإن المسار هو الذى يفرض نفسه عليه حين يريد أن يروى حكاية. فالعناصر المتوافرة فى الحكاية الأصلية، بغض النظر عما إذا كانت مروية، أو شفهية، أو هى حادثة من الحوادث التى يراها أو تحكى له، وكل ما يستطيع الروائى أن يفعل هو إعادة القص فنيا، أو الامتناع عن كتابة الرواية. فى “معراج الموت” كان قرار قتل الشخصية الرئيسية فى الرواية قطعيا. هذه هى المشيئة القبلية التى حرمت تلك المرأة من الاختيار.
الحب خارج الحدود المقررة من قبل العائلة القوية المتشددة، وضع اختيارا سلميا فى الرواية أمام امتحان الحياة، أن تختار الحب، أو تبقى أسيرة وقتها الميت؟ اختارت الحب وهى لا تعلم، بسبب طيبتها، ونزاهتها، أنها تمضى إلى الموت، لا يمكن الفرار من الموت هنا أمام الشخصية، فالمسألة ليست إرادة الكاتب، ولو لم تنته الرواية بموت البطلة، أى لو انتهينا إلى السعادة، فلا ضرورة لكتابة الرواية.
الموت هنا ليس مسارا فنيا، بل حتمية مجتمعية تضعنا جميعا أمام التحدى ذاته فى حياتنا اليومية، هل ننتصر للحب، حين يخالف العادات والتقاليد، أم نستسلم للموت الذى يعاقب المحبين؟ أعتقد أن معظم مجتمعاتنا العربية، واجهت مثل هذا السؤال، وأن النساء هن اللواتى أرغمن شرائح كثيرة فى المجتمعات العربية على قبول الحب  بوصفه خيارهن، وهذا المجال قد ساعد المجتمع على التخلص من عقدة الموت التى استسلم لها طويلا،  لهذا لم أتحايل على الموت، بل سجلته كما هو، آملا أن يحفز السرد، أو هذه المواجهة المكتوبة فنيا، إرادتنا للمساعدة فى الانتصار للحب والإنسان ومنطق الحياة.
 
< فى «أرض الكلام» ارتفع صوت المكان وكأنه يقود، ما اللحظة التى شعرت فيها بأن المكان يكتب عنك لا أنت الذى يكتب عنه؟ 
 تأتى الأسئلة عن صوت المكان، بعد الكتابة عن المكان، إذ تعيش الشخصيات تفاصيل حياتها، بعفوية، دون أن تنتبه إلى الخصائص، التى تفرض على كل واحد من بينهم طريقة للعيش، لا تشبه طرائق العيش التى يتطلبها مكان آخر، فمن يعيش قريبا من البحر، يختلف فى طرائق العيش عمن يعيش فى منطقة تتسم بأنها وعرة، عطشى، أو  صحراوية، أو فى البادية، شكل البيت نفسه يختلف من مكان إلى آخر، بحسب المادة المتوافرة لبناء البيوت، وأنا أشير هنا إلى البيت الريفى، لا أبنية المدن التى باتت تتشابه بلا أى هوية فى مدننا العربية، بل إن هذه الأمكنة الجديدة نفسها، تعيد تشكيل أنماط الحياة للبشر فى الواقع، وللشخصيات فى الأعمال الروائية.  لولا القحط مثلا، لم تكتب رواية «أرض الكلام» والقحط ليس مجرد انقطاع لمياه الأمطار، بل هو استجابات الأمكنة لمثل هذا الوضع الذى يقضى على المحاصيل، ويترك الناس عرضة للانكشاف. ومع ذلك ترى أن استجاباتهم مختلفة، منهم من يختار السفر، هربا من احتمالات الجوع، ومنهم من يبنى مكتبة خاصة بالقرية الصغيرة.  
 
< ثمة علاقة محيرة بين الإنسان والحيوان تجلت فى أعمالك خصوصا «لا تخبر الحصان»، ما دلالة هذا الارتباط الغامض؟
كان الدرك فى سوريا مجموعة من الشرطة الذين يستخدمون الخيول فى المخافر الريفية،  كان كل دركى يملك حصانه الخاص به، وحين يحال إلى التقاعد لا يعود للحصان، (وهناك شرط أن يكون أصيلا)، أى دور فى حياته، غالبا ما يبيع المتقاعدون خيولهم بعد التقاعد، غير أن سالم النجار الدركى المتقاعد يرفض بيعه، ويحضره إلى بيته الريفي. وهنا تبدأ علاقات العائلة تظهر فى صراعاتها حول وجود الحيوان فى البيت. موقف الشخصيات من وجود  الحصان فى البيت، بعد أن أحيل صاحبه إلى التقاعد، وأصبح  عبئا ماديا على وجود العائلة، يختلف باختلاف موقف كل واحد منهم تجاه العالم والوجود.
تتعدد الدلالات بتعدد موقف كل شخصية من هذا الحيوان: سالم لا يستطيع أن يتخلى عن رفيق عمره، زوجته ترى أنه يهدد لقمة عيش أبنائها، كامل يجد فيه صديقا، يمكن أن يشتكى إليه اضطهاد أخيه الكبير، نوفل يكرهه سرا، ويعلن تعاطفه علنا، فاضل يراه منافسا له تجاه والده الذى يدلل  الحيوان. يمكن القول بالفعل إنها استعارات تحاول تجسيد طبيعة كل واحد من شخصيات الرواية، كما تظهر أى عنف مخبأ كامن فى كيان بعض تلك الشخصيات، التى لا تستطيع التعبير عن نفسها، إلا تجاه حيوان لا قدرة لديه على فعل شيء، إلا فى النهاية، حين يرفض أن يتحول من حصان أصيل، إلى حيوان جر، ويهرب بعيدا فى المنطقة الوعرة، ويختفي.
 
< ألم تشعر أن رواياتك عن الموت تجعل القارئ يعتاد المأساة بدلا من أن يثور عليها؟
 فى رواية «جسر على نهر درينا» كتب إيفو أندريتش مشهد إعدام أحد الثائرين بالخازوق، ببرود عجيب يصف تلك العملية لحظة بعد لحظة، مما يثير القشعريرة فى الجسد، ويترك القارئ غاضبا، ورافضا، بقوة لهذا التعذيب السادى الذى يمارسه رجال السلطنة العثمانية تلك الأيام، أعتقد أننى أحاول الكتابة بهذه الروح، أى أن أحفز القارئ للاعتراض والرفض، لا للاعتياد،  أما الحيادية فهى فى الكتابة نفسها، فالكاتب يظهر محايدا، كى لا يكشف موقفه الفكرى أثناء الكتابة، ولكنه يعتمد على حصافة القارئ.
 
< هل تخشى عندما تترجم رواياتك إلى لغات أخرى أن تقرأ كسرد عن الشرق المعذب؟  
لا أخشى القراءة فى الترجمة، هذا شأن آخر يعنى من يقرأ، ورواياتى، من جهة، كما هى الرواية العربية عموما، مشغولة بهذين المسارين، أو بكليهما معا،  إذ إن العلاقة بين الرواية والواقع، ليست علاقة انسجام وتناسق، بقدر ما هى علاقة اختلاف وتباين وشقاق أحيانا، سببها أن الرواية تقول عموما ما يمتنع التاريخ أو الواقع عن قوله، ولهذا فإن قُرأت الرواية كسرد عن الشرق المعذب، فإن سؤالها هو: لم يعذب شرقنا؟
 
< كم مرة شعرت أن إحدى الشخصيات التى كتبتها جاءت لتقتص منك شخصيا لا من العالم، شخصية تقول لك: أنت أيضا خنت شيئا ما، فدعنى أقل ما عجزت عن قوله؟
هذه لعبة أقنعة يلعبها الكتاب منذ أن خط أول كاتب نصا مسرحيا، أو قصة، أو رواية. وهى اللعبة التى يدعوها الروائيون تمرد الشخصيات. حسنا، نعم، تقول الشخصية ما تريد قوله أحيانا بعيدا عن إرادة الكاتب، هذه مسألة قد لا يقبل بها بعض القراء، ولكنها حقيقية بقدر ما يسمح الروائى لشخصياته أن تتحرر من رغباته وفكره وإرادته فى أن تقول ما يريد، وفى هذه الحالة تضعه أمام إحراج النص الجامد المباشر، الذى تتحول فيه الشخصيات إلى أبواق، أو النص المتحرر الذى تنطق فيه كل شخصية كما يجب أن تنطق، يحدث هذا دائما، كلما منحت الرواية حرية القول.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام