مقالات رئيس التحرير



الخروج من هشاشة الإقليم

1-1-2026 | 23:27
جمال الكشكي

لا شك أن الإقليم العربى لم يشهد مثل هذه الهشاشة منذ الاستقلال، فبعد تكوين الدولة الوطنية منذ ما يقرب من ثمانية عقود، وخروج الاستعمار، وجدت الدولة العربية نفسها معرضة لتصدعات هائلة، فلا توجد دولة واحدة من الاثنتين والعشرين دولة عربية لم تتعرض لعواصف، سواء داخلية أم خارجية.
 
دون ريب فإن الدول تمر بحياة طبيعية كالأفراد، تبدأ بالبناء وتصل إلى الذروة، ثم تضعف وتسقط.. وتعم الفوضى، كما يقول العلامة عبد الرحمن بن خلدون فى "المقدمة"، وإذا ما طبقنا هذه النظرية على دول الإقليم العربى، فإننا نجد أنفسنا أمام عدة انحدارات، منها ما تسبب فيه الغزو المباشر، أو صناعة الحروب الأهلية، أو الثورات الملونة التى ضربت الجمهوريات العربية، بدءا من عام 2011.
ولا شك أن العامل الخارجى، كانت له اليد الطولى، بينما انحسر العامل الداخلى فى تآكل النخبة السياسية الواعية، وغياب التفكير فى فلسفة تضاهى ما يجرى فى العالم من تحولات.
 
الحقيقة أن صناعة الجماعات والتنظيمات العابرة للحدود فى قلب الإقليم العربى، كان لها دور بارز فى سرعة الانحدار السياسى فى الإقليم، ولنأخذ مثالا فى الانقسام الاجتماعى السياسى فى أهم قضية عربية وعالمية وإنسانية، وهى القضية الفلسطينية، فشرعيتها لا شك فيها، لكن الذين يبحثون عن نافذة للحرية، انخرطوا فى انقسام مرير ومريب، وفريق منهم قرر أن يكون هو الخصم والحكم، ويتخذ القرارات المصيرية بمعزل عن الفريق الآخر.
وتغذى هذا الانقسام بفعل تصورات قادمة من قرون قديمة، ولننظر إلى الذى جرى بين حركة حماس، وحركة فتح عام 2007، حين استولت الأولى على القرار الفلسطينى، الذى هو بدوره مرهون بقوة الاحتلال الإسرائيلى، ومرهون بأوضاع الإقليم، ومرهون بعدم تحقيق المصير الذى يناضل من أجله الفلسطينيون منذ أكثر من قرن.
 
لقد قسموا الميراث قبل الأوان، وفى الحقيقة لم يجر ذلك أو مثله فى أى حركة تحرر وطنى فىالتاريخ، فمثلا عندما تحررت فيتنام من الغزو الأمريكى، كان لديها رأس واحد، هو الجنرال جياب، وشريكه القائد هوشى منه، وكذلك لو نظرنا إلى أى مثال فى التاريخ بما فى ذلك القوى العظمى، الولايات المتحدة الأمريكية، سنجد أن واحدا فقط قاد زملاءه لطرد الاحتلال البريطانى لأمريكا، هو چورچ واشنطن، والأمثلة كثيرة.
وإذا انتقلنا من القضية الرمزية الكبرى فلسطين، سنجد أنفسنا أمام معضلات بنيوية، ورثتها الدول العربية دون أن تجرؤ على الانقضاض عليها، أو التخلص منها، أو محاولة تفكيكها، فمثلا منذ استقلال السودان عام 1956، لم يستقر السودان كدولة طبيعية قط، فالحرب نشبت بين الشمال والجنوب، قبل الاستقلال عام 1955، واستمرت إلى ما يقرب من عقدين، واستراحت عقدا واحدا، واستؤنفت عام 1983، ولم تنته سوى فى عام 2005، بالاتفاق على الانقسام فيما عرف باتفاق نيفاشا.
وقد تم هذا الانقسام عام 2011 فى خضم انهيار شامل ضرب المنطقة العربية بالكامل، وهو ما عرف بالربيع الأسود، وتحقق الانقسام ما بين السودان الأم وجنوب السودان، والآن تخرج من الأدراج أوراق تحاول تكرار التجربة مرة أخرى فى غرب السودان، حيث دارفور وكردفان، وما التنظيمات والميليشيات إلا جسر وظيفى لتحقيق هذه الغاية، فالحرب التى اندلعت منذ 15 إبريل عام 2023، هى حرب بالوكالة لتدمير مقومات مفهوم الدولة الوطنية.
والسودان ليس بدولة عادية، إنما هو قارة صغيرة، إذا ما تفتتت أو انقسمت، سوف تؤثر على الأمن القومى الإفريقى - العربى بالكامل، بل يصل صداها إلى قلب العالم القديم، وستتأثر خطوط الملاحة فى بحر العرب، والبحرين: الأحمر والمتوسط.
إن اتساع الهشاشة شمل الإقليم بالكامل، فها هى دولة الصومال التى واجهت نفسها، منذ عام 1991 تتعرض لما يسمى التمزيق البطىء، فأمراء الحرب هناك أخضعوها لسنوات، وجاءها القراصنة فى سنوات أخرى، وها هو بنيامين نتنياهو بمحمولاته الخطيرة، يرمى بحجر خطير فى بحيرة القرن الإفريقى، ويعترف رسميا بأرض الصومال التى هى جزء لا يتجزأ من الصومال الأم، ولا تعترف بها أى دولة فى العالم.
واكتشفنا ذلك فى جلسة مجلس الأمن، حين رفض الجميع هذا المبدأ الخطير، الذى يؤدى تفعيله إلى نموذج يقاس عليه، ويمكن تكراره فى دولة أخرى تعانى نفس الهشاشة.
 
إذا ما مددنا البصر إلى أطراف وهوامش الإقليم، قطعا سوف نتوقف أمام الحالة اللبنانية التى تواطأ أو تكيف معها المجتمع الدولى، والإقليمى، فتلك الدولة النابضة بالحياة، التى تسمى رئة العرب الإبداعية، قرروا أن تكون مسرحا لحرب أهلية وطائفية، ومكانا لتجارب الموت، ومسرحا لتنفيذ مخططات أوسع من مساحة لبنان، تتشابك على أرضه خيوط إقليمية ودولية، وتتخيره إسرائيل هدفا لإرسال الرسائل الدموية إلى بقية الإقليم.
 
والحقيقة أن هذا التكيف هو الأصعب فى حالات هشاشة الإقليم، ولا يزال لبنان يخضع للاختبارات الدموية يوميا، حين تنطلق شرارة الموت الإسرائيلى على بلداته وقراه دون توقف.
 
كذلك الأمر فى سوريا "قلب الشام"، سنجد أن لعبة رالف بيترز، صاحب خرائط الدم، تعمل باجتهاد لتنفيذ المرحلة الأخيرة من مخططه بإخراج سوريا من معادلة الاستقرار، وقضم أراضيها، وتكوين دويلات صغيرة تكون فيها الآلة العسكرية الإسرائيلية هى المهيمنة على مقدراتها.
 
وذلك لأن الشام خرجت منه خلال القرنين الماضيين كل حركات التنوير والثقافة والمقاومة، والنظريات العربية الفلسطينية، وكأنه يدفع ثمن هذا الدور، وإذا انطلقنا من الشام، فسنجد أن هناك عبثا يستكمل الهشاشة فى الممرات البحرية الغربية، وفى المراكز الحيوية، وكأن هناك من يريد أن يدمر مفهوم الأمن القومى العربى، فى مغامرة غير محسوبة.
 
وإذا كانت التنظيمات والجماعات عابرة الحدود، شكلت المعول الأول فى هذه الحالة، فإن الحروب بالوكالة تشكل الحالة الأبرز فى خلخلة الإقليم فى لحظة تتغير فيها الإستراتيجيات الدولية، كما رأينا فيما يجرى فى إستراتيجية دونالد ترامب الجديدة 2025، التى لو نفذت بحذافيرها، فإننا سنجد أنفسنا أمام عالم ما قبل الدولة.
 
من هذه السياقات والمفاهيم التى يعيش تحتها الإقليم العربى، نجد أن الخط الأحمر لابد أن يرسم عربيا كوحدة واحدة، حتى يتم إنقاذ الإقليم من الهشاشة التى باتت مزمنة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام